استطاع أسبوع المدي الثقافي (مهرجان الربيع) برئاسة
فخري كريم رئيس المجلس العراقي للسلم والتضامن، ورئيس
مؤسسة دار المدي للإعلام والثقافة والفنون، أن يخلق فرصة
لفتح نوافذ للعراق من أجل التواصل مع الثقافات المغايرة في
مواجهة الإنغلاق الفكري والتعصب الأعمي0
كان للمدي الريادة في زرع بذرة علي أرض كردستان لعلها تكون
البداية نحو عراق يفتح أبوابه لمختلف الثقافات الداعية
للتسامح والقيم السامية0
في أربيل العاصمة وضع المثقفون العراقيون اللبنة الأولي
للانطلاق نحو إعادة صياغة الخطاب الثقافي لعراق يؤمن
بأهمية النهضة الثقافية التي هي أحد أهم شروط الحرية0
حفل الأسبوع الثقافي الذي عقد تحت رعاية رئيس إقليم
كردستان مسعود الالبارزاني ببرنامج مكثف باللقاءات الفكرية
والثقافية والفنية سواء في السينما أو المسرح أو الفنون
التشكيلية والموسيقي والغناء0
عراق فيدرالي في حفل الافتتاح أكد البارزاني أن الشعب الكردي رفع
شعار الديمقراطية منذ عام 1961، عندما تصدي للحكم
الديكتاتوري، وقال إننا اليوم نتطلع للديمقراطية، وأمامنا
فرصة تاريخية كعراقيين لبناء عراق فيدرالي،، وأكد أن بوادر
انفراج الأزمة قد لاح في الأفق مع تشكيل حكومة الوحدة
الوطنية، مشيرا إلي الشروع في بناء مؤسسات دستورية من أجل
سيادة القانون0
في كلمته قال فخري كريم أنه رغم حكم الطاغية، وكل محاولات
الإقصاء والتهميش، لم يستطع حجب أصوات المثقفين الذين ظلوا
علي إصرارهم وإيمانهم بأن الحرية والوطنية لا يجتمعان مع
الاستبداد أو التسلط، لقد فشلوا رغم كل مصادر قوتهم أن
يسكتوا الأصوات الحرة حتي أضحت الفيدرالية واقعا ملموسا0
ثقافة نقدية تناولت الجلسة الأولي في الأسبوع الثقافي الواقع
الراهن للحياة الثقافية في البلدان العربية بمشاركة كوكبة
من الكتاب والمثقفين والشعراء العرب0
في البداية وصف الشاعر اللبناني عباس بيضون الثقافة
السائدة في المجتمعات العربية بأنها شبه ثقافة لأنها لم
تتحول إلي ثقافة نقدية، وبالتالي لا يمكنها التفاعل مع
العصر، خاصة أن العولمة الكاسحة تهدد كل من يحاول التصدي
لها0
القمع المنظم وأوضحت الكاتبة فريدة النقاش، أن المجتمعات العربية
تعاني من الاحتلال العسكري كما في العراق وفلسطين أو من
الاستعمار المحلي الذي من شأنه إعاقة نمو الحريات،
وبالتالي الثقافة، ولخصت أبعاد الأزمة في غياب الحريات
وتدهور التعليم وتراجع أوضاع النساء وعدم تمكينهم من
ممارسة حقوقهم0 كما أشارت إلي أن الإسلام السياسي هو أحد
مظاهر الأزمة العامة والقمع المنظم للشعوب حتي بات أحد
مظاهر الأزمة الثقافية وأصبحنا بين مطرقة القمع السياسي
وسندان الجماعات الإسلامية0
ذهب المفكر اللبناني كريم مروة إلي أن الشعوب العربية وقعت
في أسر سلطات استبدادية شمولية، وفي أسر السلطات الدينية
التي ترغب في إخراج البلاد من عجلة التاريخ حتي أصبحت
الجماهير ذاتها مشوهة ومستلبة الوعي، وقال علينا محاربة
هذه السلطات كي نخرج من هذه الأزمة ويتحرر المواطن0
وقال الكاتب الصحفي د0 فتحي عبد الفتاح أن الأزمة تكمن
داخل الأنظمة الديكتاتورية وفي الاستعمار الداخلي، مؤكدا
أن تحرير الثقافة لن يتأتي إلا بتحرير الإنسان من تلك
النظم القمعية0
ثقافة الموت وصف الشاعر السوري طه خليل الثقافة الراهنة بالتعبوية
والاستبدادية، مؤكدا أن المهمشين هم الذين يفرضون علينا
ثقافة الموت0
وذهبت اللبنانية مني فياض إلي أن ثقافتنا وتقاليدنا
العربية تمارس العنصرية والعنف ولا تعترف بالآخر0
ثقافة المقاومة من ناحية أخري أكد الكاتب الصحفي حسين عبد الرازق أن
التدهور الحادث في الثقافة العربية ما هو إلا انعكاس
لتدهور الحياة السياسية مشيرا إلي القوانين المكبلة
للحريات التي تفرضها تلك النظم، وعلي سبيل المثال فإن مصر
تعيش في ظل حالة الطوارئ منذ 25 عاما، وأغلب البلدان
العربية تحكمها القوات المسلحة0 مع ذلك يري أن هناك بارقة
أمل تكمن في الأحزاب والقوي السياسية والحركات الاحتجاجية،
التي باتت تشكل ثقافة المقاومة وتحقق مكاسب ملموسة علي أرض
الواقع0
الرضا بالمقسوم أوضح الكاتب شوقي جلال أن الثقافة منتج اجتماعي تاريخي
ويشكل رصيدا، وهي أداة للمجتمع، وبالتالي تشكل الشق
المعنوي من الحضارة التي تكمن في الإبداع والفنون والفكر
والتكنولوجيا، ويري جلال أن الثقافة العربية الحالية لا
تدعو إلي التغيير والتحدي بل تدعو للرضا بالمقسوم، حتي
امتلأت الثقافة العربية بالخرافات دون واقع الحياة،
وبالتالي باتت الثقافة العربية تعيش عالة علي ثقافة
المجتمعات الأخري00 مؤكدا أن المجتمع يجب أن يواجه
التحديات ويكون لديه القدرة علي إنتاج وجودة خاصة0 وأن
هناك مجتمعات سوف تتلاشي إذا لم تستطع إيجاد مكان لها في
ظل التوحش المعلوماتي0
أفق الحرية استمرت أعمال الأسبوع الثقافي بين الموائد المستديرة
التي ناقشها قضايا مهمة مثل العلاقة بين الثقافة والسياسة،
والحلقات الدراسية التي تناولت قضايا الإبداع والفنون
ومشكلاتها الراهنة، وقضية المرأة في ظل التحولات
الاجتماعية من الاستبداد إلي الديمقراطية، كما دارت نقاشات
حول الصحافة والإعلام في العراق، بالإضافة لتحليل الثقافة
العراقية بين الداخل والخارج0
حظر تجوال جاء من أبرز ملامح المهرجان تلك العروض والأمسيات التي
شملت مختلف ألوان الإبداع والفنون بداية من الحفلات
الكردية، والغناء العراقي لباقة من ألمع المطربين
العراقيين من بينهم سعدون جابر وكريم منصور وجعفر حسن،
بجانب الفنون الشعبية، كما قدمت الفرقة السيمفونية
العراقية أعمالا كلاسيكية لموتسارت وبيتهوفن وروسيني0
وقدم المهرجان عددا من الأفلام الوثائقية التي عبرت بعمق
عن جراح الكرد الدامية0 بالإضافة لعدة عروض مسرحية متميزة
أبرزها حظر تجوال بطولة الفنان رائد محسن وتناولت الأوضاع
العراقية في ظل حكم صدام التي فرضت سياسة من الخوف والفزع
والفقر أيضا، وتناول العرض المرحلة الراهنة التي تعيشها
بغداد تحديدا مع طلقات الرصاص والانفجارات وحظر التجوال في
ظل الاحتلال الأجنبي0
اقتراحات وتوصيات
نتج عن هذه التظاهرة الكبيرة العديد من الاقتراحات
والثمار، أبرزها الاتفاق مع السينمائيين العرب علي تأسيس
بنية هيكلية تقوم بتنظيم مهرجان دولي سنوي في كردستان،
بالإضافة لبناء البيت العربي الكردي للثقافة والفنون في
آربيل علي أن يجري بناء فروع أخري في مختلف المدن
العراقية0
كما أوصي المؤتمرون بضرورة انتظام عقد الأسبوع الثقافي
سنويا مع التأكيد علي أهمية التنوع الذي كرسه المهرجان
بانفتاحه علي مختلف حقول الثقافة والفكر والإبداع0
بالإضافة لمتابعة تشكيل المجلس الأعلي للثقافة وبيت الشعر،
والسعي لتعزيز موارد صندوق التنمية الثقافية، فضلا عن
الانفتاح علي أوسع قطاع من المثقفين العرب والأصدقاء0
يبقي الجهد الخارق الذي بذله المثقف فخري كريم لكي يأتي
هذا الجمع علي هذا النحو من التنظيم، وإتاحة أكثر من زاوية
للمشاهدة، وملامسة الواقع السياسي والثقافي في العراق0
أما السيدة هيروخانة حرم الرئيس طالباني فجاء احتضانها
لهذا الجمع العربي صادقا ودافئا وحميميا0