فى أولِ أيّارَ دخلتُ السجنَ الرسميّ، وسجّلَنى
الضبّاطُ الملكيونَ شيوعياً. حوكمتُ – كما يَلزَمُ فى تلك
الأيامِ – وكان قميصى أسودَ، ذا ربطةِ عنقٍ صفراءَ خرجتُ
من القاعة تتبعُنى صفعاتُ الحرّاسِ، وسُخْرِيةُ الحاكمِ.
لى امرأةٌ أعشقُها وكتابٌ من ورقِ النخلِ قرأتُ به
الأسماءَ الأولى. شاهدتُ مراكزَ توقيفٍ يملؤها القملُ
وأخرى يملؤها الرملُ، وأخرى فارغةً إلاّ من وجهى.
*
يومَ انتهَينا إلى السجنِ الذى ما انتهى
وصَّيتُ نفسى وقلتُ المشتهى ما انتهى
يا واصلَ الأهلِ خَبِّرْهُمْ وقُلْ ما انتهى
الليلَ بتنا هنا، والصبح فى بغداد
*
أحتفلُ الليلةَ بالقمرِ الزائرِ من خلفِ القضبانِ، لقد رقد
الشرطيُّ، وأنفاسُ السيبةِ
مثقلةٌ برطوبة شطّ العربِ، التفتَ القمرُ الزائرُ ناحيتى.
كنتُ أدندنُ فى ركنِ الموقفِ.
ماذا تحملُ لى فى عينيكَ؟ هواءً ألمُسُهُ، وسلاماً منها؟
كان القمر الزائرُ يدخلُ
من بين القضبانِ ويجلسُ فى ركنِ الموقفِ مفترشاً بطّانيتيَ
السوداءَ، تناولَ كفِّي:
محظوظٌ أنتَ. وغادرَنى. أبصرتُ بكفِّى مفتاحاً من فضّةْ.
*
كلُ الأغانى انتهتْ إلاّ أغانى الناسْ
والصوتُ لو يُشترى ما تشتريه الناسْ
عمداً نسيتُ الذى بينى وبين الناسْ
منهم أنا، مثلُهم، والصوتُ منهم عادْ
*
فى الثالث من أيار، رأيتُ الجدرانَ الستةَ تنشقُّ، ويخرج
منها رجلٌ أعرفُهُ، يلبسُ
سروالاً عمّالياً، وقلنسوةً من جِلْدٍ أسودَ، قلتُ له:
كنتُ أظنُّكَ سافرتَ …
أما كان اسمُكَ بين الأسماءِ الأولى؟ أوَ لم تتطوّعْ فى
مدريدَ؟ أما قاتلتَ وراءَ متاريسِ
الثورةِ فى بتروغرادَ، ألم تُقتَلْ فى إضرابِ النفطِ؟ أما
شاهدتُكَ بين البُرديّ تُعَبِّيءُ
رشّاشاً؟ أوَ لم ترفعْ للكومونةِ رايتَها الحمراءَ؟ أما
كنتَ منظِّمَ جيشِ الشعبِ بسومطرةَ؟
خُذْ بيدى. فالجدرانُ الستةُ قد تطْبِقُ بين اللحظةِ
والأخرى، خُذْ بيَدى.
*
يا جارُ، آمنتُ بالنجمِ الغريبِ الدارْ
يا جارُ، نادتْ ليالى العُمرِ: أنت الدارْ
يا ما ارتحلْنا وظلَّ القلبُ صوبَ الدارْ
يا جارُ لا تبتعدْ … دربى على بغداد.