يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1276 ( 3 - 10) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

فنجان قهوة

 
 

مع نائب الشعب

 
 

عبدالستار حتيتة

 

  كان القائد العسكرى ينظر شذرا وهو يأمر بإطلاق النار على الطلاب المحتجين على الاستبداد وغياب الديمقراطية.
ولم يكن هناك أحد يمكن أن يعصى أوامر القائد الغاضب غير رجل واحد هو مختار جمعة، قال له مختار جمعة وهو يشد قامته النوبية السمراء فى زيه العسكري، لا.. ومرت السنوات سريعا على هذا الموقف الذى حدث أيام مظاهرات الطلبة، عام 1954، ليجد مختار جمعة نفسه مضطرا لتكرار كلمة لا عند كل أمر أو طلب أو اقتراح لا يتفق مع المنطق السليم، ولا مع مبادئ الحرية ولا مع الديمقراطية.
وعاش مختار جمعة سنوات بناء الدولة المستقلة عقب ثورة 23 يوليو عام 1952، وعاش أيضا ليرى أحلام الوحدة والعدل والمساواة فى الستينيات، وهى تتبخر ويحل بدلا منها سياسة الانفتاح على أيدى الطبقة الحاكمة الجديدة فى فترة السبعينيات، وكان يعتقد أن تلك الفترة سوف تنتهي، ولم يكن يتوقع أن القادم سيكون أسوأ من الماضي، حين بدأت سياسة الخصخصة خلال التسعينيات وبيع ممتلكات الشعب حتى هذا العام، وقبل أيام توفى العم مختار جمعة، وفوجيء أبناء أسوان والنوبة بأن نائبهم الذى طالما دافع عنهم تحت قبة البرلمان وفى المحافل العامة، لم يعد بينهم.
عاش مختار جمعة عشرات السنين وهو يتنقل بقامته الفارعة ووجهه الذى لا يعرف الكلل ولا الملل بين مضايف أهالى النوبة وأسوان يتحدث معهم ليعرف مطالبهم وآمالهم وطموحاتهم، وكأنه سفير لهم فى القاهرة التى لا تعترف بالمحافظات النائية وعادات قبائلها إلا على مضض.
يسند عم مختار ذراعه على طاولة البهو الفرعونى فى مجلس الشعب، وهو المكان المخصص للراحة وتناول المشروبات للنواب.. يشعل سيجارته.. يحتسى قهوته وهو يرتب الأوراق التى أرسلها معه أبناء «الزريقات»، وأهالى «كرم الديب» ومواطنى «نصر النوبة».
وقبل أن يفرغ فنجانه يستأذن بالانصراف حتى يتمكن من إنجاز طلبات أبناء أسوان والنوبة، فى فترة ما بين الجلستين، وكان من النواب القلائل الذين لا يعتمدون على سكرتارية مجلس الشعب فى نقل طلبات دائرته إلى الوزارات المختصة.
كان مختار جمعة يدخل لمبنى مجلس الشعب صباح كل يوم على مدى سنوات، وكان يمكن لمن يتعامل معه عن قرب أن يتعلم منه طريقته المنظمة فى توزيع يومه بين العمل العام الذى يتطلبه العمل النيابى الصحيح، وبين العمل المحلى الذى يتطلب منه التدخل لحل العديد من المشاكل التى تعانى منها دائرته الانتخابية ومحافظته العزيزة على قلبه.. أسوان.
ووقف العم مختار، وهى التسمية التى كان بعض من النواب يحب أن يطلقها عليه.. وقف ضد قانون الطوارئ فى كل مرة كانت الحكومة تتقدم بمشروع لتمديد العمل بهذا القانون المقيد للحريات، ووقف ضد التمديد لرئيس الجمهورية فى اتخاذ قرارات لها قوة القانون فى مجال التسليح.
كان العم مختار معارضا عف اللسان يعرف كيف يختلف مع خصومه السياسيين.. كان يعارض بهدوء وإناة وصبر وثبات على الموقف مهما كانت العواقب، وربما لهذا السبب لم يفز فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة!.
فى إحدى المرات حاولت مساعدته فى ترتيب الكم الكبير من الأوراق التى كانت مكدسة فى حقيبته.. جلس هو وأخذ يرتب مظالم صيادى النوبة وأسوان من محافظ المحافظة ومن رجال الأعمال.
وكان بهذه الطريقة الهادئة يبدأ معاركه الكبيرة فى الدفاع عن المواطنين، ولم يستخدم الطريقة التى اعتاد عليها بعض من النواب، وهى نسخ طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة التى يعتزمون التقدم بها فى المجلس وتوزيعها على الصحفيين البرلمانيين، للكتابة عنها كنوع من النشاط البرلمانى الذى لم يحدث فى الحقيقة بعد، لم يكن مختار جمعة يلجأ لهذا التسويق الإعلامى المضلل، وإنما كان يترفع عن البهرجة الإعلامية الرخيصة، وينتظر الأيام حتى يتحدد موعد لمناقشة بيانه العاجل أو طلب الإحاطة الذى تقدم به للمجلس، وعندها تشتعل المناقشات، وتتردد أصداء العمل البرلمانى بين أروقة اللجان المختصة، ليفرض نفسه على الجميع.
كان مختار جمعة نائبا عن الشعب ونائبا عن الصعيد والدلتا، ونائبا عن أسوان وأبناء النوبة، فحين يتحدث عن البطالة أو الفساد أو الظلم، فهو يتحدث عن عموم مصر، مشيرا فى الوقت نفسه إلى خطر هذه المعضلات التى تسببت فيها حكومات الحزب الوطنى على مستقبل الدولة، وفى القلب منها أسوان والنوبة.
ومن الأوراق الكثيرة التى كانت تحمل هموم أبناء أسوان والنوبة عرفت أسماء للعديد من القرى التى كان يطوف بها مختار جمعة قبل أن يدلف إلى ردهات البرلمان، ومنها قرى «أقليت» و«بلانة» و«أبوسمبل» و«الكاجوج» و«العدوة» و«الدغامة البلد» وغيرها.
وهناك قرى منها لن تنسى المشروع الكبير الذى تبناه ووقف وراءه حتى تم إنجازه، وهو مشروع الصرف الصحى الذى تكلف نحو 50 مليون جنيه.
ولا يأخذ «العم مختار» الأمور بالشبهات كما يفعل البعض.. بل يدرس ويمحص، وإن لم يكن هناك فرصة للدراسة والتمحيص فإنه يجرب بنفسه.
وبهذه الطريقة خاض العديد من المعارك منها ما يخص تصديه للسياسات الفاشلة التى يطبقها الحزب الوطنى على المستوى المركزي، ومنها ما يخص سياسات محافظ أسوان المعادية لأبناء المحافظة ومزارعيها وصياديها.
ووقف مختار جمعة ضد خطط المحافظ التى كانت ترمى إلى منح حق استغلال بحيرة ناصر لحفنة من المستثمرين فقط على حساب صيادى المحافظة، كما وقف ضد العنصرية التى اتبعتها السلطات المختصة بتسليم أراضى مشروع «وادى النقرة» لمستثمرين من غير أبناء أسوان والنوبة.
وقال عنه مصطفى بكري، رئيس تحرير جريدة الأسبوع، والنائب الصعيدى الجديد فى البرلمان، إن مختار جمعة كان دائما لأبناء الصعيد هو «القلب الحنون، يقترب منا، يتابعنا، يسأل عنا، كان مختار جمعة وحتى يومه الأخير واحدا من رموز اليسار المصري، أفنى عمره كله دفاعا عن قيمه ومبادئه، ناضل كثيرا من أجل أهله فى أسوان، فانتخبوه عضوا بمجلس الشعب لأكثر من دورة، وناضل من أجل الوطن فكان حضوره واسمه طاغيا»، وقال عنه أيضا «إن مختار جمعة يمثل رحلة إنسان بسيط، لم تغره الدنيا، لم يبحث لنفسه عن مكسب أو قطعة أرض، لكنه كان حتى اليوم الأخير يبحث عن لقمة الخبز والكرامة للمصريين».
ومنذ دخل مختار جمعة مجلس الشعب فى فصله التشريعى الماضى ظل يطالب الحكومة بضرورة العمل على استعادة المليارات التى نهبها كبار رجال الأعمال من البنوك ولم يعيدوها مرة أخري، وعلى الرغم من قيام الحكومة بالتعاون مع البرلمان بالمماطلة فى بحث قضية «المتعثرين» الهاربين، إلا أن جمعة لم يتوقف عن تذكير الحكومة والبرلمان بأن اللجنة التى كونها مجلس الشعب فى عام 2001 لبحث قضية المتعثرين لم تتقدم بأى نتيجة حتى يومنا هذا!.
وكان جمعة من المطالبين مع نواب التجمع فى البرلمان الماضى بضرورة إعادة صرف بدل تذاكر السفر للموظفين بمحافظات سوهاج، وقنا، وأسوان.
ومن أسرار عمل مختار جمعة التى لا يعرفها الكثيرون عنه أنه كان يجرى الاتصالات ويبادر بالتدخل لحل مشاكل العديد من المواطنين الذين لا يعرفهم من باقى محافظات الجمهورية، حتى جعل من النوبة وأسوان عاصمة للدفاع عن المقهورين فى قلوب العديد من المواطنين البسطاء، وأذكر أن العم مختار وجدته فى أحد الأيام مهموما بقضية عرفت فيما بعد أنها قضية المواطن السكندرى «محمد بدر الدين» الذى أجبره أحد ضباط الشرطة على الاعتراف بقتل ابنته تحت وطأة التعذيب وأتضح بعد ذلك أنها حية، بل بادر بالتوقيع على بيان يعتبر تلك الواقعة مثالا على ما يمكن أن يتعرض له المواطن المصرى من ظلم وانتهاك لكرامته وحريته تحت التعذيب داخل أقسام الشرطة.
وكما وقف مختار جمعة وقال لا لضرب الطلاب الذين ينادون بالحرية والديمقراطية، ظل واقفا تحت قبة مجلس الشعب لعدة سنوات وهو يقول لا لقانون الطوارئ واعتقال المصريين والتنكيل بالمواطنين فى أقسام الشرطة ومقار مباحث أمن الدولة، ولا للفقر والفساد ونهب أموال الشعب وممتلكاته، ولا للظلم الواقع على أبناء أسوان والنوبة.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة