فى يوم من أيام 1955 وفد إلى سجن جناح بالواحات فتى
أسمر نحيل وصلب كنواة بلح من نخيل النوبة.
وفيما نتقدم لنتعرف عليه وجدنا عددا من جنود السجن يتنادون
على بعضهم البعض يؤدون التحية العسكرية باحترام ووقار
للقادم الجديد..
كان الباش شاويش التعليمجى لهم عندما كانوا مجندين..
تعارفنا اسمه محمد مختار جمعة، قضى زمنا فى السجن الحربى
وزمنا قبله فى دهاليز البوليس السياسي..
أدخلناه خيمة ليستريح.. قدمنا له ملابس كى يتخلص من ثياب
عانت معه من زمان صعب بل وشديد الصعوبة..
رفض، تململ، تحجج طلب أن ينزوى بعيدا ليغير ملابسه، وأخيرا
عرفنا السبب.. لم يكن يريد أن يؤلمنا بمنظر جسده العارى
المليء بالحروق والجروح التى تأبى أن تندمل.
وبعدها.. وبرغم الإلحاح أبى أن يحكى حكايته، حتى تطوع واحد
من السجانة كان مجندا فى السجن الحربى وحكى الحكاية لما
الباش شاويش التعليمجى ضبط فى قضية شيوعية، قامت الدنيا
ولم تقعد، أين شركاؤه؟ من؟ وكم؟.
الفتى النوبى العنيد أبى أن ينطق، منحوه عذابا لا يحتمله
بشر، وأبى أن ينطق بالكرباج والعصى وأبى أن ينطق، أخيرا
ربطوه بحبال غليظة القوة على الأرض وجلس قائد السجن يدخن
الشيشة.. يضعون الفحم المشتعل على ظهره حتى تتصاعد رائحة
اللحم البشرى المحترق.. فيقلبونه على بطنه، ثم يعيدونه
وهكذا، ومأمور السجن يلتقط الفحم ليدخن بهدوء.
جسده أصبح كتلا متقيحة من إنسان محترق.. ولم ينطق.
يئسوا أو تعبوا أو سئموا.. وتركوه وهو لم يزل صامتا.
وفى السجن عاش هادئا متواضعا لم يفتح فمه أبدا بما كان بل
كان يقاطع السجانة وهم يتداولون حكايته ويبتعد عن الجلسة.
.. وأتى عدوان 1956.. والمسجونون من أعضاء جماعة الإخوان
يبدون ابتهاجا مثيرا للدهشة وللغيظ عند كل مصري، كانوا
يهتفون فى فرح لقيط «الله أكبر ولا عدوان إلا على
الظالمين» كنا نغلى خوفا على الوطن ونغلى غيظا من هؤلاء
الذين يجاهرون بالعداء للوطن.
وكان الأكثر غليانا مختار جمعة وفجأة اقترح موقفا مضادا
لهؤلاء أن نفعل العكس.. أن نتدرب كى نصبح جاهزين للدفاع عن
الوطن فى أى لحظة.. وفجأة أصحبنا نحن جنودا وعاد هو باش
شاويش تعليمجي، أفرغ طاقات الحزن والخوف والغضب فى تمرينات
صعبة وقاسية وتدريبات عسكرية تغلفنا برداء الوطن وتغلف
الآخرين بالخزي، وتوجه لهم رسالة بالفارق بيننا وبينهم.
واستمرت التدريبات حتى وقت ساعات النصر، وساعتها عاد
المبتهجون بالخزى إلى خزيهم الأبدي.. وعاد مختار جمعة إلى
هدوئه.
ويمضى زمان طويل.. وتبدأ رحلة منبر اليسار ومنذ اللحظة
الأولى كانت النوبة بقيادة محمد مختار جمعة جاهزة ومستعدة،
نواب الشعب وأمين الاتحاد الاشتراكى بالمحافظة ورئيس
المجلس المحلى ورئيس اتحاد العمال المحلي.. جميع القيادات
أتت إلى منبر اليسار تحت قيادة مختار جمعة.
وبعدها أصبح عضوا فى مجلس الشعب.. دورة دورتان وثالثة..
وبقى كما هو، لم يضف إلى ما فى جيبه الخاوى مليما واحدا
وبقى فى ذات مسكنه العتيق الآيل للسقوط.. حتى بدلته
الوحيدة بقيت وحيدة.
مقدما للجميع نموذجا ليسارى شجاع وملتزم.
انتمى إلى الفقراء.. وعاش معهم واستظل بهم واكتفى بذلك
ويرحل محمد مختار جمعة تاركا فى النوبة إرثا يساريا
وتجمعيا لا ينضب، يرحل لترحل معه قطعة من تاريخنا وتراثنا.
يرحل لكنه يبقى فى قلوبنا.