«إن البناء على الأرض الزراعية يعد مساسا بالأمن
القومي، وانتقاصا من حقوق الشعب، وتفريطا فى حقوق الأجيال
القادمة».
المحكمة التأديبية العليا بمجلس الدولة 17/3/2005 حتى تتضح
أبعاد هذه القضية المجتمعية الخطيرة.. قضية البناء على
الأرض الزراعية، وما يلحق بها.. بطبيعة الحال.. من مشكلة
الإسكان الريفى التى تزداد تفاقما، فمن الضرورى تحديد
الأرقام والإحصاءات المتاحة فى هذا الشأن:
- مساحة الأرض الزراعية التى تم التعدى عليها للبناء فى
المدة من 1983 حتى عام 2004، هى مليون و 200 ألف فدان، أى
حوالى 20% من أجود الأراضى الخصبة فى الدلتا والوادي، وذلك
وفقا لبيانات وزارة الزراعة الصادرة عام 2004.
- جملة الأراضى الزراعية التى تم إهدارها وحررت عنها
مخالفات، لا تتجاوز 125 ألف فدان «أى بنسبة 10% من الأراضى
المهدرة»، أما باقى الأراضى التى تم التعدى عليها.. وهى
أكثر من مليون و48 ألف فدان.. فلم تحرر عنها أى مخالفات
على الرغم من صدور الأمر العسكرى رقم «1» لسنة 1996 وقيام
عدة قوانين أخرى تحرم وتجرم البناء على الأرض الزراعية،
وذلك وفقا لتقرير للجنة الإسكان بمجلس الشعب عام 2005.
- عدد البيوت الريفية التى قامت السلطة التنفيذية بهدمها
بالبلدوزرات - حتى مايو 2003 بلغ 326 ألف منزل بدعوى
مخالفتها للأمر العسكري، وذلك وفق التقرير الذى طرح أمام
لجنة الزراعة والرى بمجلس الشعب فى عام 2003.
وبالقراءة الواقعية لتلك الأرقام، يتضح ما يلي:
أولا: التدمير المتواصل - وبمعدلات عالية - للأرض
الزراعية، بما يهدد بالقضاء على الأرض الزراعية فى مصر
تماما خلال 60 عاما وفق تقديرات العالم المصرى العالمى
الدكتور فاروق الباز.
ثانيا: تنامى وتسارع هذا الإهدار، على الرغم من كل
القوانين و الأوامر العسكرية التى تضعه فى مصاف الجرائم،
وأن الملاحقة القانونية لم تكن سوى فى مواجهة الفلاحين -
عند بنائهم على أرضهم بيوتا بسيطة محدودة المساحة.. فى
الوقت الذى ضاع فيه من أرض مصر الزراعية المحدودة أصلا
أكثر من مليون فدان، لترتفع البروج والعمارات ولتشيد
الفيلات الفخيمة ولتقام المشروعات الاستثمارية والمنتجعات
السياحية، دون أى مساءلة أو اعتراض بل بكل التسهيلات
والتيسيرات.
..وأصبحت المشكلة أكثر تعقيدا وتشابكا وتقاطعا.
فمع استمرار تخريب الأرض الزراعية.. بكل ما يعنيه ذلك من
المزيد من الاتساع للفجوة الغذائية والمحصولية، وما يترتب
على ذلك من مخاطر سياسية ناتجة من تعاظم الاعتماد على
الخارج.. فإن ملايين الفلاحين تزداد.. فى الوقت نفسه..
معاناتهم من أجل ممارسة حقهم الطبيعى والدستورى فى السكن،
وخاصة بعد تنامى العديد من الاعتبارات التى تضاعف من حجم
هذه المشكلة وهي:
- المياه الجوفية، التى تكاد تودى بأغلب بيوت الفلاحين.
- البطالة وما ترتب عليها من تكدس الأبناء بنفس البيت.
- التجاء الكثيرين من أبناء المدن للسكن فى الريف، هروبا
من عقود الإيجار الجديدة محدودة المدة مرتفعة القيمة.
.. والحل؟
1- نحن.. فى حزب التجمع واتحاد الفلاحين.. نرفض النهج الذى
يطرحه النظام سواء بشكل صريح ومباشر أو بصياغات أخرى
ملتفة، وتحت دعاوى مختلفة ك «الحرية الاقتصادية» من ناحية
و«النظرة الواقعية للأمور» من ناحية أخرى.. بتواصل هذا
الاعتداء على الأرض الزراعية مع فرض رسوم عالية على الراغب
فى البناء عليها تمكن الدولة من استصلاح أراض جديدة «كما
ورد فى ورقة لجنة السياسات التى عرضت على مؤتمر الحزب
الحاكم فى سبتمبر 2003» أو للاستفادة بها فى تمويل إنشاء
مساكن للشباب تحد من أزمة الإسكان الطاحنة «كرؤية الأستاذ
ممتاز القط فى أخبار اليوم فى 18/3/2006».
فأرض مصر الزراعية هى رئتها للحياة، وليست مجرد سلعة للبيع
والشراء.
2- نطالب.. وفق القاعدة القانونية الأصولية التى ترفض أن
يستفيد مرتكب الجريمة من جريمته.. بالتحصيل بأثر رجعى
لغرامات عالية على أصحاب العمارات والفلل، تتوازن مع حجم
تدميرهم للأراضى الزراعية من ناحية ومدى استفادتهم من ذلك
من ناحية أخري، وتخصص المحصلة لصالح الإسكان الريفي.
3- تشكيل لجنة قومية - حقيقية - تضم ممثلين على أعلى مستوى
لكل من:
- المسئولين - والخبراء - فى مجالات الزراعة والإسكان
والمحليات والتنمية الريفية.
- لجان الزراعة والإسكان بمجلسى الشعب والشورى والمجالس
القومية المتخصصة.
- المتخصصون فى الأحزاب السياسية والمنظمات الفلاحية
والتعاونية والإسكانية والجامعات والمراكز العلمية تتوافر
لها صلاحيات اتخاذ القرارات القادرة على الموازنة الصحيحة
بين حماية ما تبقى من أراضى مصر الزراعية وبين تمكين
الفلاحين من حقوقهم الأساسية فى السكن والحياة الإنسانية.
من خلال الدراسة العلمية والميدانية لجميع الإمكانات فى
هذا الشأن الحيوى.. الكردونات، المتخللات، الأراضى البور،
الأرض الصحراوية المتاخمة بالإضافة إلى الاقتراح الذى
يتبناه العديد من الخبراء والذى يرى تغيير نمط الإسكان
الريفى «الدور الواحد غالبا» وقيام الحكومة.. والاتحاد
التعاونى الإسكانى - ببناء منازل متعددة الطوابق - ولا
تتعارض فنيا مع طبيعة وواقع التربة يمكنها استيعاب أكبر
قدر من السكان ويتم تقسيط قيمة تكاليفها على الفلاحين.
---
لا شك أنها قضية صعبة
ولكن - بالتأكيد - قابلة للحل
ويبقى السؤال الحقيقي، هل يحرص النظام الحاكم وحزبه ولجنة
سياساته، على أن يتم حل المشكلة؟ أم أن «التحرر
الاقتصادي».. وفق المفاهيم والممارسات شديدة الخصوصية
للسادة من حكامنا فى هذا العصر السعيد.. له حسابات أخري؟!