يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1276 ( 3 - 10) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

شمعة ديمقراطية فى ليل المسلمين الطويل

 
 

عماد طه

 

  الجهود التى بذلها عمر بن عبد العزيز كحاكم بدرجة مواطن! لإصلاح حال الأمة هى أكبر دليل على إفك أنصار الإسلام السياسى اليوم والذين يدعون أن تاريخ الإسلام بعد الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» كان قمة الحضارة ولا سيما فى القرون الأولى والذين يجتهدون فى إعادة ممارسات سيئة حاربها ابن عبد العزيز بقوة! ويزعمون هم نصاعتها رغم أجواء الظلم السياسى والطبقية الاجتماعية والجور الاقتصادى وثقافة نهب المال العام.يكاد الناظر لأحوال المسلمين بجمودهم وتمزقهم وتخلفهم رغم اعتناقهم دين الإسلام الداعى للتقدم والنهضة وعمارة الأرض أن يصاب بغم على غم؟! فتصرفات المنتسبين للإسلام زورا أعطت فرصة لبعض المتربصين للسيطرة على الكون! باتهام تعاليم الإسلام ورموزه المقدسة بالوقوف وراء تخلف المسلمين وتعصبهم وتطرفهم بناء على سلوكيات استبدادية وجهل شائع وجمود عقيم سواء ممن قاموا باختطاف الآيات والأحاديث واحتكروا حق التأويل لصالح أهوائهم وأطماعهم من قادة وأنصار الحركات الإسلامية السياسية قديما وحديثا! أو من قادة الدول الذين قاموا بتمويل سلوكيات وممارسات للمحافظة على أوضاع غير حضارية لا تمت لجوهر الدين بصلة وذلك لتثبيت أوضاع لهم ولو على حساب مستقبل الدين وأمته، وقد كشفت الهجمة الإعلامية والسياسية والعسكرية الأخيرة على رسول الإسلام وبلاده وشعوبه - والتى استفزت مشاعر عقلاء الغرب قبل الشعور الإسلامى العام - عن ضرورة عمل فصل منهجى وفكرى وسلوكى وتاريخى بين المنتفعين والمغرضين من أتباع الإسلام الذين التحفوا بالدين لتحقيق أطماعهم وأغراضهم! وبين نماذج حية - وإن كانت نادرة - تقمصت روح الدين وجوهره، وعقلت مقاصده فأحسنوا إلى أنفسهم وشعوبهم ودينهم بإظهار الصورة المضيئة لسماحة الإسلام وعدله.
---
وإذا كان معلوما أنه ليس أدل على سلامة البذرة من طيب الثمرة، فكيف نفسر جمود المسلمين وتعصبهم وتخلفهم الحضارى رغم عقلانية الإسلام وسماحة مبادئه ودعوته الدائمة للتفكير والتدبر فيما يصلح أحوال الناس حتى عد الأستاذ العقاد التفكير فريضة إسلامية؟! اللهم إلا سيادة المناخ الفاسد والانحراف المتعمد من ذوى الأهواء السياسية عن وضع بذور الإسلام الصحيحة فى أرض الحرية والتكافل، ولما كانت النفس الإنسانية تمتلك من القدرة على الإسفاف والابتذال والدونية، امتلاكها القدرة على التسامى والعطاء وتغيير المجتمعات مهما بلغت تيارات الفساد والانحلال ومهما وصلت فيها هوة التخلف والانحطاط، فلقد أعطانا التاريخ الدليل العملى القاطع على أن روح الإسلام وجوهره ستظل دوما قادرة على انتشال الأمة من مهاوى الضياع والاستبداد رغم انحراف المسار الإسلامى بعد الرسول بفترة ليست بعيدة! إذا صدقت النية فى تطبيق مقاصد الشرع فى العدل والمساواة والحرية والرحمة، فرغم ليل المسلمين الذى أرخى سدوله بعد اجتماع السقيفة وزادت حلكته بقدوم بنى أمية، فقد ظهرت شمعة فتية جددت الأمل فى إمكانية عودة الروح لجسد الأمة المتراخي، فلقد أجمع عقلاء وعلماء الأرض فقهاء ومحدثون صوفية ومؤرخون سنة وشيعة حتى فى بلاد الغرب على فضل عمر بن عبد العزيز وإعطائه مكانا بارزا فى التاريخ الإنسانى والإسلامى الذى ظلمه أتباعه بالفساد السياسى المتعصب.
---
كان عمر بن عبد العزيز مؤمنا بأن العدل أساس الدولة وسند الحكم وحارس الملك، وليس الجبروت والقوة المادية التى عامل بها أسلافه الناس! ويذكر السيوطى فى تاريخ الخلفاء «كتب الجراح بن عبد الله والى عمر على خراسان، أن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم ولا يصلحهم إلا السيف والسوط وطلب الإذن له باستخدام ذلك! فكتب إليه عمر: بلغنى كتابك تذكر فيه أن أهل خراسان ساءت رعيتهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف، فقد كذبت.. بل يصلحهم العدل والحق.. فابسط ذلك فيهم والسلام» هذه العقلية السياسية الناضجة التى تشرفت بالإسلام وتشرف بها الإسلام كنموذج قد عشق العقيدة قلبا وقالبا لأنه بعقله الذكى ونفسه التواقة إلى المعرفة والسمو استطاع التعرف على كنوز الشريعة وقدرتها على تحقيق مصالح الشعوب والأمم إذا سادت قيم العدل والمساواة وحقوق المواطنة الكاملة، هى التى دعت عقلاء الغرب وسياسييه إلى تسجيل شهادة حق دون مجاملة أو جنوح هوى كما يفعل اليوم المهووسون من سفهاء الغرب للسخرية من النبى المعصوم فى الرسوم الصحفية والتى أنكرها الكثير من حكمائهم وكذلك الفاتيكان، فهذا امبراطور الروم ليو الثالث وهو الخصم العنيد لدولة الإسلام عندما بلغه نبأ وفاة عمر بن عبد العزيز بكى بكاء أذهل حاشيته وأساقفته وقال «مات والله ملك عادل ليس لعدله مثيل وليس ينبغى أن يعجب الناس لراهب ترك الدنيا ليعبد الله فى صومعته، إنما العجب لهذا الذى صارت الدنيا تحت قدميه فزهد فيها» وهو ما نهديه لساسة الغرب ومفكريه ونطالبهم بالموضوعية فى التعامل بين الإسلام كدين وبين جمود بعض أتباعه وتخلفهم، بالشكل الذى يحقق مصالح كل الشعوب والأوطان دون اعتداء أو هضم للحقوق.
---
إن الجهود التى بذلها عمر بن عبد العزيز كحاكم بدرجة مواطن! لإصلاح حال الأمة لهو أكبر دليل على إفك أنصار الإسلام السياسى اليوم والذين يدعون أن تاريخ الإسلام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وآله كان قمة الحضارة ولا سيما فى القرون الأولى والذين يجتهدون فى إعادة ممارسات سيئة حاربها ابن عبد العزيز بقوة! ويزعمون هم نصاعتها رغم أجواء الظلم السياسى والطبقية الاجتماعية والجور الاقتصادى وثقافة نهب المال العام. كما تكشف جهود عمر الإصلاحية مدى التعصب الذى يتمتع به الغرب للإسلام كدين بتغاضيهم عن وجود أمثال عمر فى المسلمين على قلتهم، ففى المجال السياسى اهتم عمر بتحقيق المساواة بين مواطنى الأمة على اختلاف عناصرهم وعقائدهم فى كل الحقوق المدنية وشئون المسئولية والجزاء، لأن معاملة الناس والتفرقة بينهم على أساس الدين أو العرق يؤدى إلى الفساد وانهيار الاستقرار السياسى والاجتماعي، فالنبى يقول «إذا ظلم أهل الذمة كانت دولة العدو» أى ظهرت شوكته على الوطن لأن التفرقة العنصرية والطائفية تسمح بالقلاقل السياسية مما يضعف الأمة ويوهن قواها أمام العدو المتربص بها، فأعاد عمر اقتسام ثروة الأمة بين الناس بالمساواة دون النظر إلى الأصول العرقية والعقائدية، وأعاد فك القيود المفروضة على الحرية لأنه آمن أن الحرية قيمة بناءة لتفجير الطاقات الإبداعية لنهضة الأمة على سمو المقاصد والأهداف، فأصلح بذلك ما أفسده سابقوه باسم الإسلام! الذى قام بداية على حرية الفكر والعقيدة والملكية، فأصدر أوامره لعماله «لا تهدموا كنيسة ولا معبدا» وأمر بعطاء لعائلات المسجونين لكى لا يعاقبوا بالحرمان على جريمة لم يرتكبوها، ونهى عن قيد المسجونين فى سلاسل تعوقهم عن أداء فرائض العبادة، وألا يبيت مسجون فى قيده إلا أن يكون مطلوبا فى قصاص، أين هذه السماحة الإسلامية فى هذا النموذج المشرف مما يفعله ونسمع عنه ونراه فى سجون جوانتاناموا والسجون السرية المتنقلة فى أوروبا من انتهاكات حقوق إنسان.
وفى مجال الإصلاح الاجتماعى اهتم عمر بالإنسان لأنه محور الدولة ومحركها وهدفها، وقد فطن إلى ما عانته الشعوب من مظالم! فاتجه يعوضهم عن الحرمان الذى عاشوه ويدفع عنهم وطأة الظلم الذى قبعوا تحته باسم الخلافة الإسلامية!! وعمل على تكوين رأى عام قوى يوجه الحكام ويسدد خطاهم ويسهم فى دفع عجلة التنمية، وهو عين ما تصنعه اليوم الحكومات الديمقراطية التى لا تستطيع تجاهل الرأى العام ولذلك فهى تطور سياستها وتشريعاتها لتتفق مع طموحات الرأى العام لأن الشعب هو صاحب السلطة، ولأن الدولة الأموية التى تسترت بالإسلام كانت ديكتاتورية فى عرف عمر بن عبد العزيز تكمم الأفواه وتحبس المخالفين فى الرأى وتمنع عنهم العطاء، فقام هو بإلغاء التجريم بسبب الخلاف فى الرأى وهو مايسمى اليوم بقانون حرية النشر ومنع حبس أهل الرأي، وأثمرت سياسته رأياً عاماً قوياً لأن الخليفة أصبح يرحب بالنقد بكل صوره ويمتلئ سرورا وهو يتلقى الصواب من الناصحين، وكانت ثورة اجتماعية تلك التى أحدثها بإعادة توزيع الثروة ورد المظالم وقد تمثلت فى نزع الأرض والمال والثروة التى كانت لبيت مال المسلمين وانتزعها من الذين حازوها وملكوها غصباً وجورا، وأمر عامله على المدينة أن يقسم فى أولاد على بن أبى طالب من فاطمة الأموال الكثيرة قائلا: «إنهم طالما تخطتهم حقوقهم» وهى شهادة على فساد الأمة بعد النبى باغتصاب حقوق آل بيت النبي!!..
ولم يكن الإصلاح الاقتصادى فى سياسة عمر ببعيد فعمل على تحقيق حد الكفاية والموازنة بين الموارد والحاجات ورسخ مفهوم الحفاظ على المال العام، فكان يتورع عن الجلوس على مقعد يخص الدولة لقضاء مصالح شخصية! وهو ما أعاد للمال العام حرمته وقدسيته، ووجه الأمة إلى أن الخليفة ليس فوق القانون وأنه مسئول أمام الله عن ترشيد أموال المسلمين فلا مظاهر للبذخ والترف طالما ميزانية الدولة لا تفى بالاحتياجات، وكانت وصيته الدائمة إلى ولاته «إن قدرت أن تكون فى العدل والإحسان كقدر من كان قبلك فى الجور والظلم والعدوان.. فافعل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
---
إننا قد نلتمس العذر للغرب فى إساءتهم لنا لعدم جديتنا فى التواصل الحضارى معهم، ولكننا لا نجد عذرا لأبناء التيار الإسلامى الذين يقدسون ممارسات تاريخية تسلطية دون محاولة استعمال العقل النقدى بما يتفق مع مقاصد الشريعة فى العدل والحرية.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة