يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1276 ( 3 - 10) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

قانون الجودة وأجندة تفكيك التعليم المصري

 
 

تحقيق المساواة.. قبل الالتزام بمعايير عالمية

 
 

د. كمال نجيب

 

  يجب التوقف لبيان النتائج التى كشفت عنها الدراسات العلمية التى أجريت فى الولايات المتحدة الأمريكية وأبرزت كثيرا من النتائج السلبية التى تشير إلى تخبط عمليات الإصلاح التربوى القائمة على مفاهيم الجودة والمعايير منها تباين فهم القائمين على صياغة السياسات التعليمية لمفاهيم الإصلاح المنظومى والمعايير واختلاف إدراكهم لمحددات كل منها، و«فشل» المدارس فى تحقيق بعض أهداف عمليات الإصلاح، وتباين أساليب التنفيذ التى تجرى فى المحليات وداخل المدارس والفصول الدراسية للسياسات المتصلة بالمعايير.
ويتواصل ركب نتائج الدراسات فى موضوع المعايير، لتؤكد أن قوانين المحاسبية أفرزت مناخا تنافسيا يتسق مع قيم السوق، يتجه بصفة أساسية إلى «البحث عن متهم»، وهذا التوجه نحو السوق - كما يشير الباحثون الأمريكيون - يتعارض مع قيم الديمقراطية والتعاون التى قامت المدارس على أساسها، وتتناقض مع طبيعة العمل التربوى للمعلمين فى مؤسسات التعليم العام.
معنى ذلك، أن الإصلاح القائم على أفكار الجودة والمعايير - فى ضوء هذه الدراسات العلمية - لم يغير من أنماط التصنيف الاجتماعى والتمايز القائم بين طلاب المدارس العامة، بل إنه دعم المعايير المزدوجة للنجاح التى تميز بين غالبية الطلاب والفئات الفقيرة المهمشة فى المدارس، كما أن هذه الدراسات تؤكد أن التمييز الاجتماعى وعدم المساواة ينطلق من التنظيمات المدرسية والمناهج التعليمية، وممارسات المعلمين الراهنة، فهذه الأنماط من التمييز الاجتماعى يعاد إنتاجها فى عمليات تغيير عمليات التعليم والتعلم بالرغم من شعارات الإصلاح.
بدائل عاقلة
وصفوة القول إن البحوث المتاحة عن خبرات الدول الأخرى التى سبقتنا إلى ولوج نهج الجودة والمعايير، وبالذات فى الولايات المتحدة الأمريكية ذات القدرة المالية الواسعة، لا تطرح أى أدلة علمية تؤكد فاعلية هذا النهج فى إصلاح أنظمة التعليم.
من هنا، يتعين علينا أن نتجه بمواردنا المحدودة، إلى البحث عن البدائل العاقلة والموضوعية النابعة من طبيعة وواقع نظام التعليم المصرى والتى تمكنه من التصدى لمشكلاته الحقيقية ومواجهة التحديات المفروضة عليه، فذلك التعليم يعانى - ومنذ سنوات طويلة - من فائض من العلل والمشكلات والتشوهات وجوانب النقص الشديد فى كثير من الإمكانات التى يمكن أن تكفل الحد الأدنى من أداء المؤسسات التعليمية، وفى المجتمعات التى طبقت فكرة إدارة الجودة ومعاييرها، شكلت لجانا درست احتياجات المدارس من المبانى والأجهزة والأدوات والمعلمين والفنيين، وقامت - فى حالات كثيرة - بالمساعدة على سد هذه الفجوات تمهيدا لتطبيق معايير الجودة، أليس من المنطقى إذن - فى حالة توافر الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مشروع الجودة والمعايير - توجيهها لإعادة بناء المدارس المتهالكة وقاعات وساحات الأنشطة الفنية والرياضية الغائبة أصلا عن كثير من المدارس، والمختبرات التى لا تعمل بالمدارس الثانوية، أو إلى بناء مدارس جديدة للإقلال من كثافة الفصول التى تضر بالعملية التعليمية و«جودتها» فى مقتل؟ أليس من الحكمة والرشد - من منظور الجودة نفسها - توجيه هذه المخصصات المالية لتطوير المناهج تطويرا حقيقيا من التلقين إلى التفكير والإبداع؟ وقبل كل شيء، أليس من أهم الأولويات توجيه تلك الأموال - فى حالة توافرها - لتضميد الجراح الناشئة عن عدم المساواة التعليمية بين الطلاب والمدارس فى عصر الاقتصاد الحر والتعليم الحر والعولمة؟.
قياس الأداء
والأهم من كل ما سبق أن تطبيق مبدأ القياس بواسطة معايير التعليم «القومية» الموحدة، يهدد مقتضيات العدالة بين المدرسين والطلاب والمدارس ذوى النوعيات والقدرات المتفاوتة، فالفكرة الرئيسية لقانون إنشاء هيئة ضمان الجودة والاعتماد كما يجرى الدعوة لها اليوم فى مصر، تهدف إلى القياس النمطى لأداء المعلمين والطلاب والمدارس، بغض النظر عن الخلفية الاقتصادية والاجتماعية لهؤلاء، أو تاريخ وموارد وقدرات هؤلاء المعلمين ومدارسهم، جميعهم بلا استثناء مطالبون بتحقيق نفس مستويات الإنجاز، ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن علماء التقويم والقياس التربوى يؤكدون أنه حيث إن أداء الأفراد والمؤسسات يكشف عن الاختلافات والفروق فيما بينهم، فإن المطلوب أن يكون كل شيء قابلا للقياس مع كل شيء، أى متكافئا معه قبل إجراء عملية القياس، حتى يمكن أن نصف الأشياء بنفس المقياس ويكون كل فرد مسئولا بنفس المقاييس.
ويجب ألا ننسي، أن متوسط درجات الطلاب لا يرتبط بقوة المدرسة وظروفها ومدى التزامها بمعايير الجودة فحسب، بل أيضا بالتركيبة الاقتصادية والاجتماعية للطلاب داخل المدرسة، وما لم يتم مقارنة المدارس ذات الفئات الاجتماعية المتشابهة من التلاميذ، فإن الاختبارات سوف تقدم معلومات مضللة عن كفاءة المعلمين وفاعلية المدارس.
ومن ناحية أخري، هل يمكن - مثلا - قياس فاعلية المدرسة التجريبية فى القاهرة والمخصصة لأبناء الطبقة الوسطي، ويكتمل لها - تقريبا - كل متطلبات التعليم من مرافق وقاعات وتجهيزات ومعلمين وفئة من صفوة الطلاب، بنفس المقياس الذى تقوم على أساسه إحدى مدارس الفترتين فى منطقة عشوائية بإحدى المدارس الريفية التى يرتادها أبناء الأسر الفقيرة، فى مبان متهالكة شبه خربة وتقدم خدمة تعليمية ضعيفة المستوى أو سيئة؟.
فجوة بين المدارس
ليس من العسير علينا أن نتوقع أن حركة قياس الجودة على أساس المعايير التعليمية الجديدة سوف تزيد من الفجوة بين مدارس الأغنياء والفقراء بسبب قدرة مدارس الأغنياء «مدارس اللغات - المدارس التعاونية والقومية - المدارس التجريبية - المدارس الخاصة - والمدارس الدولية» على إدارة وتنفيذ إجراءات القياس وتطبيق المعايير لصالحها، ومن المتوقع أيضا أن التقويم الشامل للمدرسة الذى يتم داخليا بمعرفة المدارس، سوف يجرى تنفيذه فى مدارس الأغنياء بواسطة معلمين مدربين جيدا، وربما بواسطة مستشارين أجانب فى بعض مدارس اللغات، يقومون بتوفير خطط تفصيلية يجرى تنفيذها تباعا لتأكيد التقدم فى الالتزام بمعايير الأداء ومستوياتها، فى حين أن معظم مدارس الفقراء من المحتمل ألا يتوافر لها مثل هذه المستويات من الدعم الحكومى بالخبراء.
فإذا كانت المدارس المصرية تبدأ بإمكانات وقدرات متباينة، فكيف يمكن إذن أن نطالب جميع هذه المدارس بالالتزام بمعايير «عالمية» و«قومية» دون أن نبدأ بتحقيق المساواة فيما بينها فى هذه الإمكانات والقدرات؟ وهل من العدل أن تتم مساءلة المدارس ومحاسبتها على نتائج وعمليات لم تتوافر لها الموارد والإمكانات اللازمة للوفاء بها؟ وفى إطار الوضع الحالى للتفاوت فى قدرات المدارس، وإمكاناتها، نشهد أن مدارس اللغات والمدارس التجريبية والتعاونية تحقق أفضل النتائج فى امتحانات الشهادات العامة وفى امتحانات النقل أيضا، والسبب مردود - بلا شك - إلى القدرات والترتيبات والتجهيزات المدرسية، وكذلك إلى أوضاع الطلاب الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم فإنه فى حالة البدء من موقع اللاتكافؤ الراهن بين المدارس، سوف تؤدى هذه المعايير إلى تعميق التفاوت بين المدارس، وبالتالى تعميق التمايز بين الطلاب من الطبقات الاجتماعية المختلفة.
عدالة توزيع القدرات
ويتصل بقضية العدالة بين الطلاب والمدارس السؤال عما يمكن أن يجرى فى حالة تحسين الجودة التعليمية؟ إن نتائج تقويم مستويات المعايير قد تستخدم فى وضع المدارس والجامعات التى يقل مستوى أدائها عن المستويات المطلوبة فى قائمة سوداء بصورة معلنة ومهينة يكون من شأنها نفور جماهير الطلاب وأولياء الأمور بل والعاملين فى المدرسة أو الجامعة أو الكلية أنفسهم من هذه المؤسسات التعليمية.
والخلاصة إن هذه الفجوة المبدئية فى عدالة توزيع القدرات البشرية والكفاءات والتجهيزات المادية سوف تزداد وتتسع مع الوقت نتيجة تنفيذ مشروع الجودة والمعايير وإجراءات القياس والمقاييس والمعايير ستظل صامتة إزاء متغيرات تاريخ وموارد وقدرات المدارس، وفى التحليل النهائي، إزاء فرص التعليم المتاحة فى نوعيات المدارس المختلفة.
ولا يجوز للتحليل هنا أن ينتهى دون أن نشير، ولو بشكل عاجل إلى تهافت قضية «المعايير الدولية» و«المقارنات الدولية»، فكيف يمكن أن نقارن بين أداء الطلاب ومخرجات التعليم، مع ما يوجد بين أنظمة التعليم فى المجتمعات المتقدمة والمتخلفة من تباين نوعى صارخ بين مضامين واتجاهات ووظائف ومحددات وإمكانات كل منهما؟ فلايزال يفصل بين أنظمة حضارة ما بعد المجتمع الصناعى ومجتمعات ما قبل الحضارة الصناعية الأولى مسافات شاسعة فى درجات تطور آليات تمويل المدارس، وفى مدى مرونة أنظمة التعليم، وفى أهدافه ومناهجه، وفى التنظيم المدرسى والإدارة والتكنولوجيا، ومستويات إعداد وتدريب المعلمين ناهيك عن مستوى معيشة المعلمين والطلاب، إن هذه المقارنات تفترض المعايير الموحدة، والتجانس بين هذه المعايير وغايات التعليم فى كل المجتمعات، وهى ترفض أى ادعاء بالخصوصية التاريخية والاجتماعية والثقافية.
لماذا.. المقارنات؟
لقد تحولت الدعوة للمقارنات الدولية - كما للمعايير - إلى «إيديولوجية» صارمة يجب أن يخضع لها الجميع وأخذت كثيرا من دول العالم، وتحت تأثير الضغوط التى تمارسها المنظمات الدولية، فى المشاركة فى هذه المقارنات، ومن المؤكد، فى ظل التباينات الشاسعة الراهنة، أن يحصل طلاب المجتمعات المتقدمة باستمرار وفى كل المقارنات على درجات ومستويات أعلى بكثير مما قد يحصل عليه طلاب أنظمة التعليم المأزومة فى العالم الثالث.
ويبقى السؤال المهم هنا: لماذا هذه المقارنات على الصعيد الدولي؟ الإجابة أن هذه الفكرة المغلوطة والمضللة التى راحت المنظمات الدولية تروج لها مؤخرا، وأخذت سبيلها إلى التطبيق فى كثير من المجتمعات، ومن بينها مصر التى قررت المشاركة فى المسابقة الدولية فى العلوم والرياضيات التى تعقد لطلاب وطالبات الصف الثالث الإعدادى إنما تكمن أهميتها فى استمرار هيمنة النموذج الغربي، الأمريكى على وجه الخصوص، على مجتمعات العالم الثالث فى مجال التعليم، كما فى مجالات السياسة والاقتصاد والمجتمع، ويظل إدراك مستويات التفاوت الصارخ مصدراً لإحساس هذه المجتمعات بالخيبة والعجز والدونية، والاحتياج الدائم، فى طريق طويل لا ينتهى بأجل معلوم، إلى الخبرات الأجنبية للمشاركة فى تطوير وتحديث أنظمة تعليمها؛ والرضوخ لسياسات ليس لها مضمون فى - ذاتها - على الأقل للمجتمعات النامية - وتتعارض مع كل غائية اجتماعية مختارة قصداً فى ضوء ظروف ومشكلات الواقع التعليمى والاجتماعى لهذه البلدان. وهكذا، تساهم هذه المقارنات الدولية - التى تعقد باسم التنافس الدولى - فى تأبيد جوهر المأزق الذى تواجهه هذه المجتمعات، وهو أن قضايا السياسات التعليمية، لم تعد بيدها، وباتت تتخذ فى ضوء البرامج والإجراءات التى تفرضها المنظمات الدولية.
استراتيجية واضحة
تلك هى بعض الآثار التى قد تنجم عن إعمال أفكار الجودة والاعتماد التربوى فى الواقع المصري.
وعموما، فإن التحليل يعطى الانطباع عن خطورة تنفيذ مشروع الجودة والمعايير، وهو انطباع حرصنا على تأكيده، نظرا لما يجره هذا التنفيذ من مشكلات وضغوط داخلية وخارجية، إلا أنه ينبغى التأكيد على أن الجودة والمعايير فى حد ذاتها قد لا يكونان عبئا، ولا يسببان مشكلات ومأزقا، إذا كانت هناك سياسة تعليمية حكيمة.. سياسة تهدف إلى استخدام التعليم باعتباره جزءا لا يتجزأ من استراتيجية واضحة لخريطة ومشروع تنمية المجتمع تنمية شاملة ومعتمدة على الذات، وإعطاء هيكل التعليم أولوية على مشروعات الخصخصة ومساعدة رجال الأعمال، وتدعيم تحرر التعليم واستقلاله من هيئات وجهات التمويل الدولية، وما تفرضه من خطط ومشروعات تؤازر المشروع الليبرالى الجديد، وقوته- كنظام لتكوين المواطن الحر المستنير والمشارك فى عمليات التنمية- فى مواجهة أزمته الطاحنة الراهنة.
أما إذا استمرت قوى الليبرالية الجديدة ذات النزعة اليمينية المحافظة، داخل المجتمع المصرى فى رفع شعارات «الجودة»، و«المعايير» و«الاعتماد» و«اللامركزية» و«الخصخصة»، التى يتبناها مروجو سيناريو «السوق هو الحل» لمشكلات الموارد البشرية والتعليم والتدريب والعمالة، فلابد أن ندق أجراس إنذار قوية، قبل أن تتسارع الخطى فى هذا الاتجاه. إذ أن إصلاحات حرية السوق فى التعليم المصري، لن توفر الأسس لتطوير الموارد الإنسانية فى مصر، فالتعامل مع التعليم كسلعة يجعل من متغيرى الثراء والفقر، أو الخلفية الاقتصادية للطالب عاملا أساسيا للأوضاع التعليمية والحياتية للطلاب، وما ينجم عن ذلك من حالة الانقسام الاجتماعى الصارخ وتفاقم ظاهرة عدم التوازن فى مكونات الخريطة الاجتماعية للمجتمع بدرجات أعمق مما يسود المجتمع المصرى اليوم.
دعوة للتجميد
لكن الأخطر من كل ذلك، هو حجم المخاطر الجسيمة التى يمكن أن تواجهها البلاد فى مجال التنمية الإنسانية التى باتت الآن من أهم مكونات النمو والتقدم.
المحصلة النهائية، إنه فى ظل مناخ عام يرفع شعارات الجودة والمعايير واللامركزية وخصخصة التعليم.. مناخ يسقط البعد الاجتماعى والإنسانى والتنموى من قضية التعليم، ويحولها إلى مجرد استثمار بحت يتم الزج بمصر إلى موقع هامشى بعيدا عن مركز التقدم العالمى الذى تشجعه الثروة الإنسانية والثروة العلمية والتكنولوجية، وبالتالي، فإن الهوة بينها وبين بقية العالم تزداد اتساعا على نحو مستمر.
والخلاصة، فإن مشروع الليبرالية الجديدة فى مجال التعليم، وفى مركز صدارته مفاهيم خصخصة التعليم واللامركزية والمشاركة المجتمعية والجودة والمعايير والقياس التربوي، يمثل فى حقيقته دعوة لتجميد تطور المجتمع، وبهذا المعنى يتعين التنبه إلى مخاطره والتوقف عن المضى طويلا فى تنفيذه.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة