تعتبر اشتراكات التأمينات الاجتماعية، التى تستقطع
شهريا من رواتب المؤمن عليهم، نوعا من الادخار الإجبارى
القومي، وهذه الأموال واحتياطياتها هى المخزون الاستراتيجى
الذى يكفل تعويض المؤمن عليهم عندما ينقطعون عن العمل بسبب
التقاعد أو العجز أو المرض أو الوفاة، ويشترك فى التأمين
الاجتماعى كل قطاعات الحكومة والقطاع العام والخاص
والاستثمارى وحتى أصحاب الأعمال والعاملين بعقود شخصية
بالخارج، وفقا لقوانين التأمينات.
وهذه الأموال، هى ملكية خاصة للمؤمن عليهم ولذلك يتعين
توافر شروط ومبادئ معينة فى استثمار أموال التأمينات، ولا
يجوز التصرف فيها إلا وفقا لإرادة مالكيها، كما لا يجوز
المخاطرة بها من قبل أجهزة الدولة أو أجهزة التأمين
الاجتماعي، إلا أن الدولة لم تتقيد بالشروط أو الالتزامات
التى تفرضها القوانين المصرية أو الدستور أو الاتفاقيات
الدولية، بالنسبة لاستثمار أموال التأمينات الاجتماعية.
فمنذ تبنت الدولة سياسة الانفتاح الاقتصادي، وانحازت إلى
جانب الأغنياء، واستسلمت لشروط صندوق النقد الدولي، وأخذت
فى بيع القطاع العام، وعجزت عن توفير موارد حقيقية من
الزراعة أو الصناعة، وفشلت فى وقف مظاهر البذخ والإسراف
الحكومي، لم تجد أمامها سوى الاقتراض من الخارج،
والاستيلاء على أموال التأمينات من الداخل وورطت البلاد فى
ديون وصلت إلى 650 مليار جنيه، ولا يعلم أحد كيف ستسدد هذه
الديون.
من الذى يتحكم؟
تجاهلت الدولة أن أموال التأمينات والمعاشات أموال خاصة،
وصدر القانون رقم 119 لسنة 1980 والذى ينص على إنشاء بنك
الاستثمار القومى والذى ألزم هيئتى التأمينات والمعاشات
والتأمينات الاجتماعية بإبقاء فائض أموالهم المخصصة
للاستثمار مودعة فى البنك، وفى نفس الوقت، حرم استثمار هذا
الفائض فى أى وجه آخر من أوجه الاستثمار، كما حرم أصحاب
الأموال من المنتفعين من المشاركة فى إدارة البنك الذى
يتعامل مع مدخراتهم ورواتبهم التقاعدية، وأصبح البنك هو
المتحكم فى أموال التأمينات، مما يمثل إخلالا بنصوص قانون
التأمينات وانحرافا تشريعيا فى أوضح صوره منذ ذلك الحين
استخدمت الحكومات المتعاقبة أموال التأمينات لتمويل
مشروعاتها بسعر فائدة منخفض، وبدون رقابة ولا ضمانات، مما
شجع على عدم سداد أصل القروض ولا فوائدها التى تآكلت بسبب
التضخم وأصبح العائد الحقيقى بالسالب، وبلغت ديون البنك
للتأمينات الاجتماعية المسجلة بالبنك المركزى 219 مليار
جنيه فى يونيو 2005، هذا علاوة على أن الدولة حملت
التأمينات مليارات الجنيهات، كان من المفروض أن تدفعها
الخزانة العامة طبقا للقانون والدستور مثل اضطرار
التأمينات لدفع معاش السادات والعلاوة السنوية لأصحاب
المعاشات وغيرها.
مخرج للتهرب
وبدأت الحكومة فى البحث عن مخرج للتهرب من سداد ديونها
للتأمينات، إلى جانب استمرارها فى إطلاق يد الإدارة فى
التلاعب بأموالها، فأعلن عاطف عبيد عن خطته بمبادلة ملكية
بعض مؤسسات القطاع العام، بالديون المستحقة للتأمينات،
واعترض الخبراء، وأصحاب أموال التأمينات والمعاشات على هذه
الخطة، واتضح أن هذه المبادلة ما هى إلا تلاعب بالألفاظ
ومبادلة على الورق، خصوصا بعد أن اتضح أن حصيلة بيع كل
أصول القطاع العام الذى باعته الحكومة حتى نهاية مايو عام
2003، لم يتعد 6.16 مليار جنيه، فأين هذا المبلغ من مجمل
ديون الحكومة للتأمينات، وهو ما يزيد على 219 مليار جنيه،
انفضحت خطة المبادلة وتعثرت ثم توقفت.
وذهب عبيد وجاء نظيف، وهاجس الاستيلاء على أموال التأمينات
يداعب خيال الحكومة الجديدة، كما داعب خيال الحكومة
القديمة وانحصرت خطة نظيف للاستيلاء على أموال التأمينات
فى دمج أموال التأمينات فى وزارة المالية، وصدر القرار
الجمهورى رقم 424 لسنة 2005 فى 31/12/2005 بتشكيل وزارة
نظيف الثانية والتى تضمن تصفية وزارة التأمينات والشئون
الاجتماعية، ونقل تبعيتها إلى وزارة المالية والتى يرأس
وزيرها فى نفس الوقت مجلس إدارة بنك الاستثمار القومي،
وبذلك نقلت تبعية كل أموال التأمينات إلى وزارة المالية
وأصبح الدائن والمدين هيئة واحدة.
اتهامات بلا رد
وفى مواجهة اعتراضات المختصين والخبراء وأصحاب المصلحة
أكدت الحكومة فى كل تصريحاتها، أنه لا خطر على أموال
التأمينات، وادعى وزير المالية أن ضم الهيئة العامة
للتأمين الاجتماعى للمالية، هدفه الوحيد هو استثمار أموال
المعاشات بشكل أفضل، ونحن لا نثق فى تأكيدات الحكومة ولا
فى ادعاء وزير المالية، والسبب أن أموال التأمينات كانت
ومازالت موجودة فى بنك الاستثمار منذ عام 1980 ووزير
المالية هو نفسه رئيس مجلس إدارة بنك الاستثمار، فلماذا لم
يتم استثمار أموال التأمينات بالطريقة الأفضل طوال الربع
قرن الماضي؟ ولماذا لم يسدد بنك الاستثمار القومى أقساط
الديون للتأمينات؟ ولماذا لم تسدد فوائد هذه القروض
للتأمينات؟ ولماذا سمحت وزارة المالية باستخدام أموال
التأمينات فى مضاربات البورصة، مما أدى إلى خسائر قدرت ب
500 مليون جنيه؟ وما هو رد وزير المالية على اتهامات وزيرة
التأمينات السابقة ميرفت التلاوى له، بمحاولة استثمار
أموال التأمينات فى بنوك أجنبية خارج مصر، فهل هذا هو
الاستثمار الأفضل الذى يقصده الوزير؟.
أموال مهددة بالضياع
إن أموال التأمينات مهددة بالضياع، والحكومة غير أمينة
عليها، ولم تعمل على تنميتها وحمايتها بل بددتها فى قروض
لم تُرد وفوائدها لم تسدد، إن رفض سداد قروض الحكومة
للتأمينات، ومحاولات الاستيلاء عليها، هو نوع من المصادرة
للأموال الخاصة ب 26 مليون مواطن مصري، وتأكيدا على عدم
دستورية ضم أموال التأمينات للمالية يقول د. سيد عبدالمولى
رئيس قسم المالية العامة بحقوق القاهرة: إن نقل أصول وخصوم
صناديق التأمينات إلى وزارة المالية، يكبد صندوق التأمين
خسارة فادحة، ويمثل مخالفة صريحة للدستور الذى يمنع نقل
أموال خاصة إلى أموال عامة.
إننا نؤكد لأصحاب التأمينات والمعاشات، أن الوضع بالنسبة
لأموالهم يتطلب ضرورة تحركهم، وإن تحرك جموعهم الغفيرة هو
الحل الوحيد أمامهم لضمان مستقبلهم ومستقبل أولادهم، إن
هجمة الحكومة على أموالهم تؤكدها محاولاتها المتكررة
للاستيلاء عليها بالمخالفة للقانون والدستور، وعلينا واجب
حماية أموالنا من عبث الحكومة فالقانون معنا والدستور
يحمينا.
المقترحات الأربعة
إننا ندعو جميع المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات إلى التضامن
وتضافر جهودهم من أجل تأسيس اتحاد عام لكل المنتفعين من
أنظمة التأمينات الاجتماعية وأصحاب المعاشات فى جمهورية
مصر العربية يعمل على حماية أموال التأمينات والمعاشات من
عبث الفاسدين والطامعين، ويشارك فى إدارة استثماراتها
والرقابة على ميزانياتها، كما يعمل الاتحاد على تنظيم حركة
المستفيدين لتحقيق عدد من الأهداف العامة التالية:
أولا: العمل على نشر تقارير بنك الاستثمار القومى للكشف عن
الأرقام الحقيقية لديون الهيئات الحكومية للتأمينات طوال
ربع القرن الماضي، تنفيذا للمادة (7) من قانون البنك التى
تنص على تقديم تقرير سنوى يعرض على مجلس الشعب خلال ثلاثة
شهور من تاريخ انتهاء السنة المالية، وعمل لجنة تقصى حقائق
لمراجعة حسابات صناديق التأمينات ومحاسبة المسئولين عن أى
إهمال أو تهاون أو تبديد بشأن هذه الأموال والعمل على
تغيير القانون الحالى الذى يلزم صناديق التأمينات بإيداع
فائض أموالها فى بنك الاستثمار القومي، حتى تتمكن الصناديق
من توظيف أموالها لتحقيق عائد أكثر ربحية.
ثانيا: العمل على إعادة أموال الهيئة القومية للتأمينات من
وزارة المالية إلى الهيئة بشكل كامل، ومنح الهيئة الحرية
فى إدارة أموالها وفق أسس اقتصادية وتوجيهها للاستثمار فى
مشروعات منخفضة المخاطر، فليس من المقبول تبديد أموال
أصحاب التأمينات فى مشروعات فاشلة لا تحقق إيرادات عادلة،
على أن يشرف على إدارة استثمار هذه الأموال خبراء مصريون
موثوق بهم ومشهود لهم بالنزاهة، إلى جانب ممثلين لأصحاب
المعاشات والمؤمن عليهم.
ثالثا: إضافة علاوة سنوية للمعاش تتناسب مع درجة التضخم،
ومع ارتفاع الأسعار بحيث لا تقل عن العلاوة التى تضاف لأجر
الذين مازالوا فى الخدمة وتتحمل الدولة أعباء هذه العلاوة،
مع رفع الحد الأدنى للمعاش الشهرى فى جميع أنظمة التأمين،
بحيث يضمن للمؤمن عليهم مستوى لائقا وكريما فى حياتهم.
رابعا: على الاتحاد العام أن يقوم بدور اجتماعى فعال فى
توفير أنشطة ثقافية وترفيهية، والدفاع عن شروط الرعاية
الصحية الواجبة، ومساعدة المحتاجين وتوفير الخدمات
للمساعدة فى تسوية مستحقات الورثة فى حالة وفاة العائل على
سبيل المثال وغير ذلك من القضايا التى تهم أصحاب المعاشات
من كبار السن على أن يتم الصرف على هذه الخدمات من صناديق
التأمينات الاجتماعية بعد استثمار أموالها لمصلحة أعضائها.
لنتضامن جميعا من أجل ظروف أفضل لأصحاب التأمينات
والمعاشات.