المناخ التكفيرى السائد فى المجتمع وراء الحوادث الإرهابية الأخيرة
نجوى إبراهيم
فى حواره مع جريدة «الأهالي» أكد الشيخ إبراهيم رضا
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف أن المناخ التكفيرى السائد فى
المجتمع هو المسئول الأول عن توليد الشباب المتطرف الذى
قام بالحوادث الإرهابية الأخيرة وأوضح أن كثيرا من
الأدعياء الذين يختبئون وراء عباءة الدين ويلعبون على
أوتار العاطفة الدينية هم سبب رئيسى فى تحريض الشباب
وجعلهم قنابل موقوتة تنفجر فى وجه المجتمع، وأشار إلى إننا
نحتاج فى الفترة القادمة إلى حملة قومية تدعم قيم التسامح
وتغرس الفكر الدينى المستنير وتنبذ التعصب.
وأكد الشيخ إبراهيم رضا أهمية وضع آليات محددة لتجديد
الخطاب الدينى ليتماشى مع المتغيرات العصرية فضلا عن إعادة
صياغة المناهج الدينية بما يظهر سماحة الأديان وقبول
الآخر، وطالب بضرورة تكاتف علماء الدين ورجله من الجانبين
المسلم والمسيحى لمواجهة الإرهاب الذى يزداد يوما بعد يوم.
- هل هناك علاقة بين مناخ التكفير السائد لدى بعض العناصر
المتطرفة وبين الحوادث الإرهابية الأخيرة؟
-- فى الحقيقة أن المشكلة التى نعانى منها فى الوقت الحالى
هى أن الفكر التكفيرى لا يزال قابعا فى المكتبات
الإسلامية، وفى الإصدارات الصغيرة التى ليس عليها رقيب
وأيضا أشرطة الكاسيت المنتشرة على الأرصفة التى تقدم مادة
لرجال أدعياء بعيدين تماما عن رجال الأزهر الشريف.. هؤلاء
الأدعياء يكفرون المجتمع بأكمله، فى حين أن القضية التى
يجب أن يعرفها رجل الشارع - حتى لا يقع تحت سيطرة هؤلاء
الأدعياء - أن فى الشريعة الإسلامية ما يسمى بحد الإسلام
والكفر الذى يعنى إنه لا يجوز لفرد مسلم حتى لو كان إماما
أو عالما أو فقيها فى أمور الدين أن يكفر أخاه هذا على
مستوى المواطن العادى لأن الرسول الكريم قال: «لقد باء به
أحدهما» أما أن تكون صفة الكفر متحققة فيه أو ترد على من
يطلقها، لذلك لا يجوز لنا أن نطلق صفة الكفر على أى مواطن
حتى وإن قام بعمل من أعمال الكفر.
أسلوب الترهيب
- هل فى ثقافة هذا المجتمع ما يغذى هذا الفكر التكفيري؟
-- للأسف الشديد الثقافة تحمل جزءا أخطر من الجزء الدينى
خاصة أن ثقافة الشباب ضعيفة جدا، ويميلون دائما إلى المنهج
الذى أطلقه من قبل بعض الأدعياء وهو اللعب على أوتار
العاطفة الدينية عند الشباب ويستخدمون أسلوب الترهيب فى
الدعوة، وينجح هؤلاء بالفعل فى قيادة الشباب إلى الطريق
الذى يريدونه، والوسيلة هنا ليس الخطاب الدينى المعتدل
ولكنهم يحركون المشاعر الكامنة داخل الشباب ويقومون
بتحريضهم.
تشويه صورة المجتمع
- هل تعتقد أن هذا الفكر المتطرف السائد فى المجتمع قادر
على توصيل الشاب ليفجر نفسه أم هى ظروف الحياة القاسية؟
-- بالطبع الظروف الاقتصادية الصعبة التى نعيش فيها لها
تأثير كبير على الشباب ولكن مصر عاشت أزمات عديدة ولم يقدم
الشباب على هذا السلوك المتطرف، ولذلك أنا أرى أن انتشار
الفكر التكفيرى المصدر إلينا يقصد به تشويه صورة المجتمع
والتأكيد على فكرة أن المجتمع الإسلامى لا يصدر إلا
الإرهاب ولا يؤمن إلا بثقافة التعصب وتكفير الآخر.
- وهل ترى علاقة بين طريقة تفكير الذين ارتكبوا جرائم
كنائس الإسكندرية الثلاث، وبين هؤلاء الذين ارتكبوا جرائم
دهب وشمال سيناء؟
-- أنا من أشد المؤيدين لفكرة أن هناك علاقة وطيدة بين
طريقة تفكير مرتكبى هذه الجرائم جميعا، لأن انتشار كتيب
صغير يتهم الحكومة بالكفر ويتهم المثقفين وجميع أفراد
المجتمع بالخروج على الشريعة الإسلامية.. قادر على جعل
مئات من الشباب قنابل موقوتة يفعلون أى شيء لخدمة الدين،
ولا يجد الواحد منهم أفضل من تفجير نفسه أو الاعتداء على
الأخوة المسيحيين، والمشكلة الخطيرة أن هؤلاء الأدعياء
استغلوا مكانة رجل الأزهر عند المواطنين وأخذوا يقولون..
قال الله وقال الرسول، وأعتقد المواطن العادى للأسف أنهم
يقدمون صحيح الدين.
حملة قومية
- ما الآليات المطروحة للتصدى لهذا الفكر التكفيرى وتجفيف
المنابع المغذية له؟
-- نحن أحوج ما نكون إلى حملة قومية تدعم قيم التسامح
وتغرس الفكر المستنير، وتنبذ التعصب، نحن نجحنا فى حملات
شلل الأطفال وهو مجرد مرض عضوي، وأعتقد أن التعصب مرض عقلى
يتطلب حملة قومية مدعومة من وزارة الثقافة والأزهر ووزارة
الأوقاف والإعلام الذى يقع عليه العبء الأكبر خاصة فى ظل
وجود العديد من القنوات الفضائية الدينية التى تغرس الفكر
الدينى المتعصب فى أذهان المشاهدين.
- هل ترى أن مناهج التعليم الدينية فيها ما يخدم هذا الفكر
التكفيري؟
-- نحن بالفعل فى حاجة لإعادة صياغة مناهج التعليم وخاصة
مادة التربية الدينية، والعودة إلى الأصول والجذور، وأن
نظهر سماحة الأديان، لأن الدعوة الآن تمر بمنعطف خطير..
فكل الأدعياء الذين يتصدون للخطاب الدينى لا يقومون بنشر
الدين إلا من خلال الترويع، وسرعان ما يترك الداعى النصوص
الثابتة فى القرآن والسنة القائمة على قيم التسامح والمحبة
ويعبر عن أفكاره المتشددة، فالمطلوب من رجل الدين أن يرتفع
بمستوى الوعى لدى الجماهير ولكن بعض الدعاة يميلون إلى
الشهرة وذيوع الصيت ولذلك ينزل الداعى إلى المستوى الذى
يتعارض مع الدين ويميل إلى الخرافة ويبذر بذور التعصب بين
الدين والدين الآخر لكى يحظى بشعبية.
- وما الدور المنوط بمجمع البحوث الإسلامية الذى دعا شيخ
الأزهر مؤخرا لعقد جلسة طارئة له بعد الأحداث الأخيرة؟
-- رغم أن المجمع به علماء كبار ولكن عندما طرحت قضية
تجديد الخطاب الدينى طرحت كفكرة ولكن إلى الآن لم نجد
آليات واضحة لتنفيذ تلك الفكرة، وأعتقد أن هذا دور المجتمع
فى الفترة القادمة فلابد من وضع آليات محددة لتجديد الخطاب
الدينى النابع من الكتاب والسنة، خاصة إن الرسول الكريم
قال إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد
لها دينها، والتجديد هنا بمعنى أن يتماشى الخطاب مع
المتغيرات العصرية المفروضة علينا، وأن يكون متماشيا مع
روح العصر وفى ذات الوقت مع روح الكتاب والسنة نظرا
لاستحداث العديد من القضايا التى لم تكن موجودة فى عهد
الرسول الكريم.
الاعتراف بالآخر
- هل ترى أنه من الضرورى تكاتف علماء الدين ورجاله من
الجانبين المسلم والمسيحى لمحاربة الإرهاب الذى يزداد يوما
بعد آخر؟
-- بالفعل، وأعتقد أن هذا دور الأئمة فالإمام يجب أن يكون
خطابه موجها للمسلمين وغير المسلمين، فالقرآن به جزئية
كبيرة موجهة لأهل الكتاب، وللأسف الشديد العزلة التى فرضت
علينا على مدار الحقبة الماضية هى التى وصلت بنا إلى ما
نحن فيه، ولذلك نحتاج الآن إلى أن ينفتح المسلم على الآخر
المختلف معه فى العقيدة وأن يتعرف على العقائد الأخرى من
أهلها وليس من أى فكر آخر.
- هل تعتقد أن إهدار دماء السائحين الذين لم يبادروا بأى
عدوان يعتبر من جرائم القتل العمد؟
-- المشكلة أن أصحاب الفكر التكفيرى يرون أن السياحة حرام
ولذلك يصدرون أحكاما على الآخر من خلال الفكر المتعصب فى
حين أن غير المسلم ليس مطالبا أن تجرى عليه أحكام الشريعة
الإسلامية، ولذلك أقول لابد من الاهتمام بالثقافة مع
الجانب الديني، فالثقافة سوف تدفع المسلم إلى الاعتراف
بالآخر كما هو وليس كما أريد ولذلك فقتل هؤلاء الأبرياء هو
جريمة ومرتكبها آثم فى النار.
دور الأئمة
- ألا توافقنى على أن معظم الشباب لا يجدون مصادر لاستقصاء
الثقافة الدينية المعتدلة؟
-- هذه بالفعل مشكلة كبرى فنظرا لانشغال البعض بالأمور
الحياتية، يجد الشباب أقرب وسيلة للثقافة الدينية الاتجاه
إلى أشرطة الكاسيت أو الإصدارات المجهولة الهوية فى حين أن
وزارة الأوقاف تحدد مواعيد للدروس الدينية طوال الأسبوع
داخل دور العبادة ولكن للأسف بعض أئمة المساجد يهملون هذا
الدور الحيوى ويعتقدون أن دورهم هو مجرد إلقاء خطبة
الجمعة، فى حين أن دور الإمام هو نشر الثقافة الإسلامية
الصحيحة، ولذلك لابد أن يكون ملما بثقافة مجتمعه وعليه أن
يطلع على أحوال المجتمع.