يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1276 ( 3 - 10) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

بعد التمديد للطوارئ للمرة ال 13:

 
 

انهيار نظام الدولة القانونية

 
 

نبيل زكي

 

 
لم تكن مفاجأة أن يعلن الدكتور فتحى سرور، رئيس مجلس الشعب المصري، فى بداية جلسة المجلس يوم الأحد الماضي، أنه تلقى طلبا رسميا من الحكومة بمد حالة الطوارئ للمرة الثالثة عشرة لمدة عامين آخرين اعتبارا من أول يونيو القادم حتى 31 مايو عام 2008 لتستمر حالة الطوارئ 27 سنة متواصلة.
جاء التمديد وسط أزمة حادة مع القضاة عقب الاعتداء الذى قامت به أجهزة الأمن على القاضى محمود حمزة وسحله فى شارع شامبليون والهجوم الوحشى على النشطاء السياسيين المعتصمين تضامنا مع القضاة واعتقال عدد منهم بعد ضربهم بالهراوات.
وجاء التمديد بعد أخطر تقرير فى تاريخ الحياة البرلمانية المصرية قدمته لجنة تقصى الحقائق فى مجلس الشعب، حول غرق العبّارة التى يملكها ممدوح إسماعيل «المقرب من السلطة»، والتى راح ضحيتها ألف مواطن، وتعد من أكبر الكوارث البحرية فى العالم، ويكشف التقرير عن سيطرة الفساد على الحياة العامة فى مصر والتواطؤ الإجرامى بين مسئولين فى هيئة السلامة البحرية والشركة المالكة للعبّارة وتزوير شهادات صلاحية قوارب النجاة وتجاوز عدد الركاب ووجود عيوب فى العبّارة تجعلها غير صالحة للإبحار.
وجاء التمديد عقب الحوادث الطائفية فى الإسكندرية التى كشفت عن سيطرة ثقافة التكفير فى ظل هيمنة الحزب الحاكم على التعليم والإعلام.. كما جاء عقب العمليات الإرهابية فى مدينة «دهب» بسيناء، والتى يجمع المراقبون أنها نتيجة قصور أمنى فاضح وإخفاء معلومات عن تنظيمات سرية وأنشطة إرهابية كانت جارية ومتوقعة.
كذلك جاء تمديد حالة الطوارئ وسط مناخ صدامى بين الدولة من جانب والصحفيين والمهندسين ونقابات مهنية وعمالية متعددة.. حتى قيل إن الحكومة أصبحت فى خصومة مع المجتمع بكل فئاته وشرائحه.
ورغم أن حالة الطوارئ التى ظلت مفروضة طوال ربع قرن لم تفلح فى وقف العمليات الإرهابية أو الحد من تجارة المخدرات «التى تدّعى الحكومة أن حالة الطوارئ ضرورية لمحاربتها».. إلا أن هناك إصرارا عنيدا من جانب الدولة على استمرارها.
وحالة الطوارئ تعنى تعطيل الدستور والحريات وفرض قيود على النشاط السياسى والنقابى والحريات العامة والشخصية والتجمعات والمظاهرات السلمية. والحقيقة أن مصر تعيش حالة طوارئ استثنائية لنحو أربعين عاما دون انقطاع تقريبا منذ عام 1967 أصبح معها قانون الطوارئ أداة كفيلة بالعصف بمجمل الحريات العامة والمنظومة الكلية لحقوق الإنسان.

سلطات واسعة
ورغم اتجاه الدولة مؤخرا إلى إلغاء محاكم أمن الدولة، إلا أنه تم الإبقاء على محاكم أمن الدولة «طوارئ» التى تشكل نمطا شاذا لتدخل السلطة التنفيذية ممثلة فى الحاكم العسكرى أو نائبه فى سير العدالة، فالمعروف أن تشكيل هذه المحاكم يخضع لأوامر سلطات الطوارئ وبقرار منها ودون اشتراط موافقة المجلس الأعلى للقضاء، وقد أجاز قانون الطوارئ لرئيس الجمهورية، بوصفه الحاكم العسكري، أن يضم إلى تشكيل محكمة أمن الدولة «طوارئ» ضباطا من القوات المسلحة، كما أجاز لرئيس الجمهورية، فى قضايا معينة أو فى المناطق التى تخضع لنظام قضائى خاص، أن يأمر بتشكيل دوائر أمن الدولة طوارئ من الضباط.
وقد منح قانون الطوارئ سلطات واسعة لرئيس الجمهورية، بوصفه الحاكم العسكري، للتدخل بصورة صارخة فى شئون العدالة، فهو يملك صلاحية حفظ الدعوى قبل إحالتها إلى المحكمة وحق الإفراج أثناء التحقيق عن المتهمين المحبوسين احتياطيا أو المعتقلين على ذمة الجرائم الخاضعة لأحكام قانون الطوارئ، كما تجيز المادة الرابعة عشرة من القانون لرئيس الجمهورية - عند التصديق على الأحكام الصادرة من محاكم الطوارئ - تخفيف العقوبة أو إلغاءها أو استبدالها أو إيقاف تنفيذها كليا أو جزئيا أو الأمر بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخري.

سقوط العدل
استمرار العمل بنظام محاكم الطوارئ يشكل إخلالا بالتزامات مصر الدولية التى توجب على الدول الأطراف فى العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية أن تكفل لكل شخص، أدين بجريمة، حق اللجوء إلى محكمة أعلى وإعادة النظر فى قرار إدانته وفى العقوبة الصادرة بحقه.
ولما كان قانون الطوارئ قد حدد طائفة واسعة من الجرائم التى استوجب نظرها أمام محاكم الطوارئ ذات الطبيعة الاستثنائية، فإن الإحالة إلى محاكم الطوارئ تشكل فى حد ذاتها - فيما يرى الدكتور عصام محمد حسن - إخلالا بمباديء المساواة فى إقامة العدل بما ينطوى عليه هذا الإجراء من انتزاع طائفة من المواطنين الخاضعين لأحكام القانون العام وحرمانهم من المثول أمام قاضيهم الطبيعي، ومن ثم حرمانهم من العديد من الضمانات القانونية التى يتمتع بها غيرهم من المتهمين.
ويفاقم من خطورة استمرار العمل بقانون الطوارئ ما يرتبه من صلاحيات تجيز لرئيس الجمهورية أن يحيل أيا من الجرائم التى يعاقب عليها قانون العقوبات أو أى قانون آخر إلى المحاكم العسكرية طبقا لأحكام المادة السادسة من قانون الأحكام العسكرية، وهو ما يشكل بدوره نمطا شاذا يجرى بموجبه انتزاع المدنيين من قضاتهم الطبيعيين وإحالتهم إلى محاكم عسكرية ذات طبيعة استثنائية.

الدستور «الثاني»!
منذ وقت مبكر يرجع إلى أواخر الثمانينات، اعتبر خبراء حقوق الإنسان فى لجان الأمم المتحدة - عن حق - أن قانون الطوارئ، بما يتضمنه من صلاحيات استثنائية، يعد بمثابة دستور ثان للبلاد.
وهذا ما يؤكده الدكتور عصام حسن عندما يقرر أن استمرار حالة الطوارئ لنحو ثلاثة عقود يجعل من هذا القانون الدستور الفعلى للبلاد، وفى ظله تبقى الحقوق والضمانات الدستورية للحريات العامة محلا للتعطيل والمصادرة.. فالقانون المذكور يتيح للسلطة التنفيذية صلاحيات واسعة فى وضع قيود على حرية الأشخاص فى الاجتماع والتنقل والحركة والقبض على المشتبه فيهم وتفتيشهم دون أى اعتداد بالقواعد والضمانات التى يكفلها قانون الإجراءات الجنائية، كما يتيح مراقبة الرسائل والصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها، وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طبعها.
ومعنى ذلك.. أنه لا مجال لاحترام حق المواطنين فى الحرية والأمان الشخصى والحق فى التنقل واحترام الخصوصية وحرمة الحياة الخاصة والحق فى التجمع السلمى وحرية التعبير.

بلا رقابة
وكانت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة قد انتقدت بشدة إحالة المدنيين إلى محاكم أمن الدولة «طوارئ» أو المحاكم العسكرية مؤكدة عدم وجود ضمانات لاستقلال تلك المحاكم، وأن قراراتها غير قابلة للاستئناف عن طريق جهة قضائية أعلي، وأعلنت اللجنة أن الخطوات التى تتخذها الدولة لمكافحة الإرهاب ينبغى أن تتوافق بشكل كامل مع أحكام العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية.
والرقابة البرلمانية على التدابير التى تتخذ فى ظل حالة الطوارئ غير متاحة رغم أن مجلس الشعب هو الذى يوافق على إعلان الطوارئ وعلى تجديدها، كما أن الرقابة القضائية غير واردة.

اغتصاب ولاية القضاء
يوضح الدكتور عصام حسن أن استمرار حالة الطوارئ فى مصر على مدى هذه الحقبة الممتدة قد أفضى إلى تآكل الأسس التى يفترض أن يقوم عليها نظام الدولة القانونية، حيث يجرى توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية أو سلطة الطوارئ على حساب السلطتين التشريعية والقضائية، ويتزايد اللجوء إلى اغتصاب ولاية القضاء العادى وسلب اختصاصاته، وتهدر حجية الأحكام القضائية حتى تلك التى تصدرها محاكم الطوارئ ذاتها سواء عند قضائها، بأحكام نهائية، بالإفراج عن المعتقلين إداريا أو عندما لا تروق أحكامها لسلطة الطوارئ.. فترفض التصديق على الحكم وتأمر بإعادة المحاكمة، فضلا عن سلب سلطة القضاء فى إعمال الرقابة على قرارات وتصرفات سلطة الطوارئ عن طريق تحصينها من الطعن عليها.

أسوأ من الطوارئ.
ولا يلوح فى الأفق أن مصر سوف تتحرر من حالة الطوارئ حتى بعد مضى عامين، فالواضح أنه قبل أن تنتهى فترة العامين سيكون ترزية القوانين قد فرغوا من إعداد ما يسمى بقانون مكافحة الإرهاب الذى يحل محل الطوارئ.
والمعروف أن مصر لديها بالفعل قانون لمكافحة الإرهاب هو القانون رقم 97 لسنة 1992، الذى يتبنى تعريفا فضفاضا للإرهاب يمكن تأويله بصورة تسمح بتوسيع إطار تطبيقه على بعض الأنشطة ذات الطابع السلمي.
ورغم أن القانون المشار إليه لا يحمل اسم قانون مكافحة الإرهاب إلا أنه صدر بموجب تعديل مواد قانون العقوبات والإجراءات الجنائية، وأصبح جزءا من قانون العقوبات.
غير أن الحكومة تريد أن تجعل من السلطات الاستثنائية للحاكم العسكرى فى ظل حالة الطوارئ.. مجرد إجراءات عادية مستمرة مما يعنى وضعا أسوأ من وضع الطوارئ.

لا ضمانات
ويرى الكثيرون أن الحكومة تتحايل على الرفض الشعبى لاستمرار حالة الطوارئ الحالية عن طريق ابتداع فكرة قانون مكافحة الإرهاب، رغم أن قانون العقوبات المصرى كفيل بردع ومواجهة الإرهاب والإرهابيين بأكبر قدر من الفاعلية.. أم أن المطلوب هو سلطة الاعتقال لأى مواطن، وسلطة استمرار اعتقاله حتى لو صدر الحكم بالبراءة، وسلطة إهدار حقوق الإنسان المصري.
والقانون رقم 97 لسنة 1992 يحرم المواطنين الذين تجرى ملاحقتهم من الضمانات القانونية والإجرائية التى يتمتع بها المواطن فى ظل قانون الإجراءات الجنائية مما يشكل إهدارا لقواعد المساواة أمام القانون، كما أنه ينتهك الحرية والأمان الشخصى ويهدر حق المحتجزين فى المثول، على وجه السرعة، أمام جهة قضائية للبت فى مدى توافر أدلة كافية توجب الاحتجاز أو تتطلب استمرار الاحتجاز على ذمة التحقيق.
ومما يلفت النظر أن القانون رقم 97 «أى قانون مكافحة الإرهاب السارى بالفعل» لا يتقيد بقانون الإجراءات الجنائية وبالتالى يبيح الإبقاء على المتهمين المشتبه بهم بحوزة الشرطة لمدة 11 يوما قبل العرض على السلطة المختصة بالتحقيق، كما أن القانون المشار إليه أعطى للنيابة أيضا صلاحيات استثنائية تجيز لها حبس المتهمين لمدة تصل إلى 45 يوما باعتبارها قاضيا للتحقيق علاوة على منحها سلطات محكمة الجنح المستأنفة المنعقدة فى غرفة المشورة التى تتيح حبس المتهم دون عرض على القاضى للتظلم فى أمر حبسه لمدة ستة أشهر «وهو استثناء من القواعد العامة»، ومن ثم، فإن القانون 97 يحول الحبس الاحتياطى على ذمة التحقيق إلى عقوبة فعلية، فماذا تريد الحكومة أكثر من ذلك؟.
وإذا كانت كل تلك الإجراءات الاستثنائية الشاذة غير كافية بالنسبة للحكومة.. فماذا ننتظر من قانون مكافحة الإرهاب الذى تعتزم إصداره؟.

النوايا الحقيقية
الواضح أن ربط إنهاء حالة الطوارئ بسن قانون جديد لمكافحة الإرهاب يعنى أن الحكومة لا تكتفى بما تتمتع به أجهزة الأمن من صلاحيات استثنائية بموجب القانون الحالي، وأن النية تتجه لدمج الصلاحيات التى تتمتع بها سلطة الطوارئ وأجهزة الأمن وفقا لقانون الطوارئ، فى قانون مكافحة الإرهاب. وهذا القانون المرتقب يصطدم بالنصوص الدستورية الحالية، وخاصة بعد الصلاحيات الإضافية التى سوف يستحدثها القانون المذكور مما يخلق عوارا دستوريا، ومن هنا نفهم مغزى تصريح رئيس مجلس الشعب، الذى قال فيه إن قانون الطوارئ لن يلغى نهائيا، وأن إنهاء حالة الطوارئ - بما يرتبه من إيقاف العمل بقانون الطوارئ - ينتظر الانتهاء من إعداد قانون مكافحة الإرهاب، والأهم تعديل الدستور بحيث لا يحدث تعارض ما بين الدستور والقانون الجديد.
وهذا يكشف - فى رأى الدكتور عصام حسن - عن نوايا حقيقية لإعادة ضبط الدستور على مقاس قانون الطوارئ، بحيث تدرج صلاحيات المادة الثالثة من قانون الطوارئ، وأى سلطات استثنائية يضيفها قانون مكافحة الإرهاب، إلى نصوص الدستور بما يضمن عدم الطعن عليها دستوريا.

إفساد الحياة السياسية
ورغم أن كلمة «طوارئ» تعنى لحظة زمنية استثنائية مؤقتة فإنها أصبحت حالة دائمة وقاعدة ثابتة ولازمة لا يمكن أن يستغنى عنها الحكم القائم.
واستمرار العمل بقانون الطوارئ يلحق الضرر بالنظام السياسى نفسه إذ يصبح غير قادر على الحكم فى ظل القوانين العادية كما يصيب الحياة السياسية فى البلاد بالشلل ويقطع الاتصالات بين الأحزاب والجماهير.
وقانون الطوارئ يفسد الحياة السياسية والمدنية فى مصر، ويعطى إشارة ورسالة إلى العالم بأن هذا البلد غير مستقر مما يضر بمصالح الوطن الاقتصادية.
وفى ظل حكومات الطوارئ جرى اعتقال عشرات الآلاف من المواطنين ليظل بعضهم فى المعتقل لأكثر من 16 عاما دون إحالتهم للمحكمة.
وفى ظل استمرار الطوارئ يصبح الحديث عن إصلاحات سياسية أو دستورية وتشريعية مجرد كلام أجوف لا علاقة له بالواقع.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة