يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1276 ( 3 - 10) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

جحا ينتقم

 
 

إنفلونزا العبّارات وغرق الطيور

 
 

د. رفعت السعيد

 

 
وما أنا شامت بك حين
تبكى، ولكن ذا بذاكا
.. وبهدوء، دخل جحا إلى مجلس الحكم، كان قد غاب بعضا من الوقت قضاه فى السجن، واستقبله أعضاء المجلس ببرودهم الذى اعتاد عليه، واستمتع به. كان الجميع يجلسون والألم باد على وجوههم، تلك الوجوه البليدة التى اعتادت على ابتسامات مصطنعة، ربما كان الأمر بسبب تلك الخوازيق التى وزعت عليهم يجبرون على استخدامها إن جلسوا.. حتى ولو كانوا فى مجلس الحكم. وإن كانوا من قبيل النفاق يتظاهرون بالعبوس بسبب الموضوعات المدرجة على جدول الأعمال.
رئيس المجلس أطل عليهم من أعلى حيث رأسه يكاد يلامس السقف وبدأ النقاش حول غرق العبارة.. إنفلونزا الطيور.. تناثرت الكلمات، الجميع يرددون ذات الجمل يكررونها دون ملل. دارت رءوس الجالسين من فرط التكرار، ومن الملل الممل وبدأت الكلمات تتداخل الإنفلونزا تأتى للعبّارات والغرق للطيور، ولا أحد يلتفت، وأن التفت فهو لا يهتم فالكوارث تتشابه، وهى تنبع من ذات المصدر.. لكن الكارثة الأكبر كانت فى أن الجالسين يبحثون عن شماعة يعلقون عليها أسباب هذه الكوارث.. فصاحب العبارة يجب ألا تلصق به أى تهمة لا هو ولا شركاؤه ولا شركته، والمسئولون المباشرون لا يمكن أن تلتصق بهم أى تهمة فهم فى نهاية الأمر مأمورون نفذوا ما تم قذفه فى وجوههم من أوامر، أو اعتادوا على ما هو معتاد من فساد وإفساد، وهو فساد متراكم متمترس ما إن تخدش سطحه حتى ينفجر فى وجوه الجميع. والطيور تموت رغم كل الترتيبات والتصريحات والتطعيمات والاحتياطات.
إحتار أعضاء المجلس واحتاسوا وجحا ساكت صامت متعجب من فرط النفاق المخيم على رءوس الجميع حتى ذلك الرأس القريب من السقف.. وفجأة قرر جحا أن يتلاعب بهم.
وقال: يا سادة ها أنتم عن إحقاق الحق تبتعدون، وعن قول الصدق تحيدون، وتزعمون أنكم عن الجانى الحقيقى تبحثون بينما هو واضح ظاهر.. نطق رأس رئيس المجلس فأتى صوته من ناحية السقف، وقال بملل ووجل، متمنيا ألا يشير جحا إلى المتهمين الحقيقيين فيفضح ما لا يجب أن يفضح. لكن جحا أتاهم من حيث لا يتوقعون فقال: ها أنتم تسيرون خلف الغوغاء فتوزعون الاتهامات على المسكين صاحب العبّارات والمسئولين عن تعداد أمواج البحر، وتتهمون من يحاولون إصلاح الأحوال.
ومضى جحا ليدهش الجميع فقال: أما إنفلونزا العبّارات فلا ذنب لنا فيها هى وباء يأتى من البحر، هذا البحر الغادر الفاجر الذى تسلح بأسماك القرش، وهى أسلحة محظور استخدامها، وأهاج الأمواج فى غير موعدها، وغدر بالعبارة البريئة، وأما غرق الطيور فلا ذنب لأحد فيه، إنها الطيور الملعونة التى لا تستمع إلى التعليمات، ولا تنصاع للترتيبات.
انفرجت أسارير جميع أهل المجلس وأخذ رئيس المنادين يدون عبارات جحا ليتخذها كشعارات فى برامج جولات اتباعه من المنادين والتابعين والخاضعين، أما رئيس الشرطة فقد تسلق سلماً خشبيا يحضره معه دوماً حتى يصعد عليه حين يريد أن يهمس فى أذن رئيس المجلس.. صعد وهمس: ها هو الملعون يتأدب بعد أن ذاق السجن والخازوق.
صاح رئيس المجلس: حياك الله يا أخانا العزيز، ولكن كيف الخروج من المأزق؟
قال جحا: الأمر بسيط يا سيدي، والرأى عندى أن ننظم رحلة فى البحر الأحمر نستكشف فيها مواطن الخلل والعلل فى هذا البحر الملعون، ولاشك أن قيامنا بهذه الرحلة سوف يمنح الرعايا من الرعاع الطمأنينة، ويدفعهم إلى التأكد من أننا نقوم بواجبنا خير قيام، بل ونضحى ونغامر من أجلهم.
فصاح أحد الجالسين، وماذا لو أن..؟ قاطعه جحا: لو أن ماذا؟ لا تنطق بما يكمل الجملة وإلا أفسدت كل شيء، فنحن سنختار عبّارة متينة، وجديدة وبها كل الاستعدادات والأجهزة، وسيكون معنا كل ما يمتعنا برحلة ممتعة، وما يقهر هذا البحر المجرم، وعندما نعود سالمين غانمين سيهلل المنادون بأننا قمنا بواجبنا ورتبنا أحوال البحر ونظمنا الأمواج.. وهنا قاطعه المسئول عن الركايب والانتقالات قائلا: الحق عند أستاذنا جحا وأنا كفيل بتنظيم رحلة لكم جميعا تكون غاية فى الإمتاع، وقمة فى الأمان.
ابتسم رئيس المجلس، وقال: وماذا عن مشكلة الفراخ؟
تنحنح جحا، وقال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». ومن ثم فكل من لديه فراخ مريضة يسجن لأنه لم يؤدبها ويلزمها بقواعد النظافة. ابتهج رئيس الشرطة فقد جاءته فرصة سانحة لاعتقال المزيد، ولكن وزير الفراخ سأل: وماذا عن الفراخ؟ تلمس جحا عمامته ليتأكد أنها شامخة كما اعتادت، وقال: تعاقب هى أيضا، فتذبح، وبعد أن تذبح يجرى تجميدها ثم تباع للرعاع، ولم يتمالك الجالسون أنفسهم من فرط اعجابهم بجحا وهو فى حالة «النيولوك».
وأمر رئيس المجلس رئيس الشرطة وكبير المنادين ووزير الفراخ بتنفيذ ما أصدره جحا من قرارات. وخرج الجميع وهم فى غاية السرور والحبور.
وفيما كان رجال البحر يقومون بإعداد سفينة متينة فخيمة ويزودونها بأقوى الآلات وأحدث المعدات ويملأونها بالطعام والشراب، ويتزاحمون على حجز أماكن لأنفسهم وعلى إبعاد الغوغاء من الركاب. بل إن أعضاء مجلس الحكم هم وأتباعهم بدأوا يعلنون أن زوجاتهم وأولادهم وأصهارهم وجيرانهم مصممون على المشاركة فى هذه المهمة الوطنية الجليلة، بينما الزوجات والأبناء والأصهار يعدون قوائم مشترياتهم من السعودية. ثم أتت لتشارك فى الرحلة جماعات من المجتمع المدني، جماعة نفاقستان وغبائستان وفسادستان التى أسرعت فنالت دعماً أجنبيا من مانحين جاهزين للتمويل حتى ولو كانت الرحلات مجانية.
وفيما الشيخ ناصح الكتبى يلوم جحا على اقتراحه كانت الابتسامة ترتسم فى دهاء يليق بجحا.. فقد أرسل واحداً من رجاله إلى الميناء.. وكانت هناك عبارتان، واحدة للأكابر مجهزة بكل شيء وعليها لافتة برقم الرحلة.. وخط سيرها «سفاجا- ضبا» بينما تقبع عبارة أخرى تليق بالرعاع وعليها لافتة بخط السير «سفاجا- العقبة».. فأتى تابع جحا ليرفع اللافتتين ويضع كلا منهما مكان الأخري.
.. وقد كان ما توقعه جحا.
امتلأت عبارة «سفاجا- ضبا» بالكبار وكبار الكبار وزوجاتهم وابنائهم وأقاربهم وتابعيهم تزاحموا فى وقار بينما كبار المنادين يهتفون تحية لهؤلاء الذين يضحون بأنفسهم فى سبيل الوطن ويغامرون فى محاولة لقهر البحر وتأديب أسماك القرش.
أما العبّارة الجديدة بكل ما فيها من معدات حديثة وطعام فاخر فقد فتحت أبوابها بفضل خدعة جحا للفقراء من الرعاع.
وما هى إلا ساعة أو ساعتين حتى وقع المحظور عبّارة الكبار ترسل إشارات استغاثة ولا أحد يهتم بها.. الأجهزة ترسل إشاراتها إلى اسكتلندا واسكتلندا ترسلها للجزائر، والجزائر تنادي.. ولا مجيب فالمركب برقمها وأجهزتها مخصصة للرعاع ولم يكتشف أحد الخدعة.. فنام المراقبون ولم يهتم المنقذون، وابتلع البحر من يستحقون الابتلاع، وداعبتهم أسماك القرش ونالت منهم ما نالت.
وفيما كان المنادون يفركون عيونهم بعد نوم عميق، ويقولون إن أجهزة الإنقاذ قد تحركت فى الوقت المناسب، الذى هو مناسب لراحة النائمين والمالكين والمسئولين.. كانت عبّارة المسئولين ترقد فى القاع.. أما الفقراء والرعاع فقد وصلوا فى رحلة ممتعة لم يحلموا بمثلها.
وعلم الظالمون أى منقلب ينقلبون
كذلك..
«وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون».
.. وأيضا
والشر إن تلقه بالخير ضقت به
ذرعا وإن تلقه بالشر ينحسم
ثم إن مجلس الحكم عاود الاجتماع، الكثيرون كانوا مع العبّارة راقدين فى القاع، لكن المجلس تعزز بالمزيد من الأتباع.. ولكن القدامى والجدد ما لبثوا أن صدمتهم فتنة قام بها مختل عقلياً تسلح بسكاكين وتنقل بين الكنائس فى حرية تليق بزمان لا يعرف غير الخازوق قيداً، والخازوق لا يوزع إلا على من يفكر أو يعارض أو يقول أو يكتب.. من أجل المستقبل وفقط، أما الدعاة الناعقون بخراب الوطن فلهم كل الحرية.. خاصة إذا كانوا من المتأسلمين الذين يسعون إلى جر الوطن إلى الوراء.
وبعد أن استعرض رئيس الشرطة أبعاد الحادث مؤكداً أن فتى مختلا عقليا، حمل سكاكين.. تنقل وقتل، وهو وحده بلا شركاء.. ولا عقاب على المختل عقليا.. وتعالوا نتبادل القبلات مع الأقباط من الإخوة والأخوات.
لكن رئيس المجلس الذى أحنى رأسه المعلق قرب السقف كان طامعا فى حل عبقرى من جحا كحلوله العبقرية الأخري.. فقال: يا عم جحا، أين حلولك العاقلة والعبقرية؟ تنحنح جحا وقال: الرأى عندى أن هذا المختل عقليا لم يدرب تدريبا كافيا، وكان يتعين عليه قبل أن يقوم بمهمته أن يلبس طرطورا وأن يمسك ساطورا وأن يتدرب على الهذيان حتى يمكن أن يقنع هؤلاء الذين يبحثون عن سبيل للتشكيك.. كذلك فإننى طالعت فى الأوراق الموزعة أن المحقق قد تحقق من أنه مسكين وأن عدوا لئيما قد سقاه شرابا قام بتحضيره من يمارس السحر الأسود.. وكان يتعين على السيد المحقق أن يحضر لنا «المعالج الروحاني» الذى أدلى بأقواله فى محضر رسمي، كى نستطيع أن نوظفه هنا فى فك «العكوسات» التى ترتبها المعارضة عبر علاقاتها بالجان.
تململ صاحب الرأس المعلق قرب السقف وسأل: دعنا من «المحقق» فقد أخطأ ولكن كيف نحل الإشكال؟ تنحنح جحا مرة أخرى وقال بوقار: الرأى عندى أن ينتشر المنادون فى الأسواق.. يعلنون بيانا يقول «مطلوب للتدريب وحسن الترتيب، مختلون عقلياً، وسوف يمنحون ضمانا بالبراءة مهما كانت نتائج أعمالهم» ومضى جحا قائلا: وعلينا من الآن أن نستعد بآلاف القبلات لنوزعها بعد كل حادث مؤكدين سلامة النية وحسن الطوية.
ثم إن المجلس ضج بالاستحسان وصاح الجميع «بارك الله فيك يا جحا» أما جحا فقد لملم أطراف عباءته هاتفاً «لا بارك الله فيكم أنتم وكل جماعات نفاقستان وغبائستان وفسادستان.. ألا إنكم تزدادون مع كل خطب غباءً ونفاقاً وفساداً.. والله لا أمل فيكم وأنشد قائلا:
دواؤك فيك ولا تشعر
وداؤك فيك ولا تبصر
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة