يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1276 ( 3 - 10) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

قضية للمناقشة

 
 

مثقفوا العراق

 
 

فريدة النقاش

 

 
إذا كان شعب العراق يعيش فى محنة متصلة منذ ما قبل احتلال بلاده قبل ثلاث سنوات حيث ذاق مرارة الديكتاتورية على امتداد ثلاثة عقود وجاء الاحتلال ليتسبب فى آلام من نوع جديد أولها الافتقار للأمن، فإن المثقفين العراقيين يعيشون محنة مزدوجة وربما أكثر من ذلك، وقد لفت نظرى منذ احتلال العراق أن أصدقائى من المثقفين كتابا وباحثين ومهنيين يعودون تباعا غير عابئين بالمخاطر الجدية التى يتعرضون لها من خطف وقتل وشح فى الرزق، وكان نظام «صدام حسين» بممارساته الوحشية ضد الشعب العراقى قد أدى إلى خرورج ملايين العراقيين بينهم بعض ألمع المثقفين إلى المنافى فى كل أرجاء العالم حيث ذاقوا مرارة المنفى وصعوبة العيش.
وأقول إن محنة المثقفين مضاعفة لأنهم يتعرضون أكثر من غيرهم إلى الاستهداف حيث جرى اغتيال ثمانية وثمانين صحفيا منذ احتلال العراق وهو عدد يفوق من قتلوا من صحفيى العالم على مدى عشرين عاما من الحرب فى فيتنام، ويستهدف الاحتلال وعصابات أبى مصعب الزرقاوى مندوب «بن لادن» فى العراق تصفية علماء العراق وأساتذة الجامعات، تماما كما جرى تخريب المتحف العراقى وسرقة نفائسه وتدمير المؤسسات الجامعية والمعامل على يد الاحتلال حتى يبدأ العراق من الصفر حين يجد نفسه معافى ومتحررا من الاحتلال فى نهاية المطاف، وتتواصل عملية سرقة نفطه.
يواجه المثقفون العراقيون - سواء هؤلاء الذين عادوا إلى العراق أو الذين بقوا فى الخارج يعدون العدة للعودة - مسألتين معا الأولى هى ترميم المؤسسات الثقافية التى جرى تدميرها من سينما ومسرح ومكتبات ودور نشر ومؤسسات تعليم ومتاحف، والثانية هى الصراع الفكرى - الذى يتحول فى ظروف العراق إلى الصراع الفكرى الذى يتحول فى ظروف العراق إلى صراع مسلح ضد الأصولية الظلامية التى تراهن على التقسيم الطائفى للبلاد وعلى زرع الكراهية والضغائن بين العراقيين من كل الديانات والأعراق، والإعلاء من شأن الانتماءات الأولية للمواطن العراقى فى مواجهة المواطنة والديمقراطية والانحدار بالصراع الوطنى ضد الاحتلال والتبعية إلى صراع طائفى ومناطقى بين السنة والشيعة والعرب والأكراد، وهى الصيغة الملائمة تماما للمشروع الإمبريالى والصهيونى فى المنطقة الذى يسعى إلى تفتيتها لأصغر وحداتها، وإعادتها إلى مكوناتها الأولى حتى يقطع الطريق على ازدهار الكيانات الكبيرة على أسس ديموقراطية عقلانية وعلمانية تحتوى كل عناصرها بصورة حرة وعادلة، يحدث ذلك رغم أن المشروع الأمريكى للمنطقة يرفع شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان والتحرير.
فى أسبوع مؤسسة «المدي» الثقافى الذى انعقد فى كردستان العراق برئاسة المثقف العراقى النشط «فخرى كريم» جرى طرح كل هذه القضايا، وناقش المثقفون العرب مع العراقيين القادمين من بغداد ومن المنافى ومعهم آخرون جاءوا من أوروبا مستقبل الثقافة العراقية، وتوافرت لهم مجموعة من العروض السينمائية والمسرحية والفنون الشعبية التى قدمت صورة عن عراق الآن الطامح إلى الحرية والعدالة، والتقوا برئيس البلاد «جلال طالباني» الذى تحدث بصراحة تدعو للاحترام عن أوضاع البلاد وقدم صورة متكاملة للأوضاع التى نتجت عن سنوات الديكتاتورية وعن دور القوات المتعددة الجنسيات التى سميناها نحن باسمها الحقيقى قوات الاحتلال.
ولعل أهم ما توقف أمامه كل المشاركين فى هذا الأسبوع الثرى هو رمزية أن يكون للعراق رئيس كردي، أن يفتح ذلك الباب أمام ترجمة الإسهام الغنى لكل الجماعات القومية والإثنية والدينية والطائفية المكونة للعراق لتكون فاعلة على قدم المساواة فى بناء الوطن الجديد على أساس من إبداع الجميع دون تفرقة واعتماد مبدأ المواطنة كمبدأ حاكم فى عراق ترفرف عليه رايات العدالة والكرامة.
ولكن مثل هذا الأفق ليس إلا واحدا من عدة سيناريوهات ينفتح عليها جميعا مستقبل العراق، إذ إن هذا النفوذ المتنامى للأصولية والعودة - بقوة السلاح - إلى المكونات الأولية تجعل احتمال الاحتشاد الدينى والقومى والعرقى خلف رموز كل فئة إمكانية قائمة خاصة فى ظل عجز الحكومات المختلفة عن تصفية الميليشيات وبعد القرار التآمرى الأمريكى بحل الجيش العراقى الذى أضعف قدرة الدولة على ضبط الأمور.
لا يختلف المثقفون العراقيون رغم تعدد منابعهم وطوائفهم وقومياتهم وانتماءاتهم السياسية وأستثنى فقط هؤلاء الذين سقطوا فى التعصب القومى أو العرقى أو الدينى - وهم قلة - أقول لا يختلف المثقفون كما رأيتهم فى هذا الأسبوع على أن مستقبل العراق المزدهر المتحرر من الاحتلال والإرهاب يكمن فى التفاعل الخلاق بين كل مكوناته - التفاعل الذى ينتج الوحدة من التنوع الهائل، ويشرع الأبواب على عراق ديمقراطى حر وفيدرالى تشعر فيه كل طائفة وقومية وإثنية ومذهب أنها حرة وفاعلة وأصغر عنصر فيها هو ند للأكبر وأنهما يقفان على قدم المساواة.. ولأن الأكبر والأصغر هو حساب كمى تمييزي.
ولكن هذا الطريق ليس مفروشا بالورد والسير عليه مسألة صراعية ونضالية شاقة يدركها المثقفون على هذا النحو وهم - الغالبية العظمى منهم - على استعداد لدفع ثمن مثل هذا المستقبل وإلا فسوف يتمزق العراق.. وهو ما يدركونه أيضا.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة