بعد أشهر من المناورات والضغوط والتهديدات الأمريكية
ورحلات مكوكية لوزيرة الخارجية ووزير الدفاع الأمريكى
للعراق.. استجاب الائتلاف العراقى الموحد (الشيعي) للإرادة
الأمريكية، وتراجع عن ترشيح إبراهيم الجعفرى زعيم حزب
الدعوة الشيعي، لرئاسة الحكومة واختار جواد المالكي، أحد
قادة حزب الدعوة، وأيضا أقرب مؤيدى إبراهيم الجعفري.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من احتلال العراق، فرضت الإدارة
الأمريكية رئيسا جديدا للوزراء فى العراق.. واعتبرته
انتصارا جديدا «للديمقراطية»، وبداية لفرض «الاستقرار
والأمن» فى العراق..
فى أول بيان له، أعلن «المالكي»، أنه سيشكل حكومة (وحدة
وطنية)، استجابة للمطالب الأمريكية، والأهم، أنه سيدمج
الميليشيات الشيعية، ومنها ميليشيات الصدر المعروفة باسم
«جيش المهدي»، دمجها فى قوات الأمن العراقية (الجيش
والشرطة) المالكي، شأنه شأن غالبية القيادات الشيعية،
تعاون مع الاحتلال الأمريكى طوال السنوات الثلاث الماضية.
وكان قد قضى معظم حياته فى المنفي. فقد هرب فى عام 1980،
من العراق بسبب القمع الذى تعرض له حزب الدعوة، واستقر فى
إيران، ليقيم فى ظلال نظام آية الله الخميني، ثم انتقل إلى
سوريا بعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية عام.1981
كما أيد «المالكي» موقف «الجعفري» والعديد من الزعماء
الشيعة، الذين رفضوا تبعية شيعة العراق لإيران، ولذلك
انتقل غالبيتهم لسوريا، فى بداية الحرب العراقية-
الإيرانية.
وفى السنوات الماضية عاد للعراق بعد الغزو الأمريكى
للعراق، وعمل مستشارا سياسيا للجعفري، ومتحدثا باسم
حكومته، ويعد أبرز القيادات الشيعية التى تدعو لإقامة دولة
إسلامية فى العراق ويعارض اشتراك النساء فى الشئون
السياسية.
إلا أن السبب الأساسى فى اختيار الأمريكان للمالكى بدلا من
الجعفري، هو تفهمه الدائم للإملاءات الأمريكية، وسعيه
الدءوب لتنفيذها.. فخلال مشاركته فى لجنة وضع مشروع دستور
العراق، تحت الإشراف الأمريكى الكامل، أيد المطلب الأمريكى
بتقسيم العراق إلى أقاليم، ووضع النفط تحت سيطرة الحكومات
المحلية، والحكومة الإقليمية للأكراد فى الشمال، والشيعية
فى الجنوب الذى يحتوى على 60% من احتياطيات النفط والغاز
فى العراق، وهو الأمر الذى عارضه قادة الشيعة، والسنة
بالأساس، حيث يؤدى إلى إفقار وتهميش المناطق السنية فى وسط
وغرب العراق، ويحقق للأكراد وضعا متميزا فى شمال العراق،
بعيدا عن سطوة الشيعة الذين يشكلون الأغلبية فى العراق.
كذلك فى عام 2003، عارض «المالكي» لجنة مناهضة البعث التى
طردت آلاف الموظفين الذين كانوا موالين لنظام صدام حسين من
وظائفهم. وهو الأمر الذى أثار غضب القيادات السنية،
واعتبروه انتقاما شيعيا، واعتبره الأمريكيون أحد أسباب
تدهور الأوضاع الأمنية فى العراق، وتردى كفاءة الأجهزة
الأمنية، وتفاقم عمليات العصيان المسلحة فى مناطق السنة.
هذا الموقف يتلاقى الآن مع الموقف الأمريكي، الذى يعد
العدة لتصعيد المواجهة مع إيران، ويرى أن وجود حكومة شيعية
فى العراق، وتهميش السنة، خطرا غير مأمون العواقب إذا ما
احتدمت المواجهة مع إيران، وهو الأمر الذى أكده مقتدى
الصدر فى يناير الماضي، عندما هدد باستئناف العمليات
العسكرية لقوات المهدي، التابعة له، ضد القوات الأمريكية
إذا ما شنت أمريكا هجمات ضد إيران.
لذلك، يتحدث الأمريكيون منذ عدة أشهر عن حكومة (وحدة
وطنية) فى العراق، أى حكومة تضم بعض القيادات السنية،
لموازنة النفوذ الشيعى فى العراق، وأملا فى الحد من تمرد
السنة والسعى لخلق أجواء أكثر هدوءا ومواتاة لتصعيد
المواجهة مع إيران.
تلك هى الدوافع الأمريكية وراء اختيار «المالكي» خلفا
للجعفري، وهو رئيس الوزراء الرابع الذى تعول عليه أمريكا
لحل مشاكل العراق وفرض الأمن والاستقرار، بعد أن فشل رؤساء
الوزراء السابقون الذين روجت لهم عن تحقيق المعادلة التى
سيعجز عنها ايضا المالكي، الذى أعلن فى أول بيان له عن دمج
الميليشيات الشيعية فى الجيش والشرطة، وهو ما يعنى إثارة
المزيد من عداء السنة، الذين يتهمون الميليشيات الشيعية
بقتل الآلاف منهم، ويمتد الصراع الطائفى إلى داخل المؤسسات
الأمنية، ويفاقم من حدة الحرب الأهلية فى العراق، ولعله
الممكن الوحيد للسياسة الأمريكية، أن تغرق العراق فى حرب
أهلية، بينما تصعد من مواجهتها مع إيران.