يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1276 ( 3 - 10) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

الصراع الاجتماعى فى فرنسا حول قانون العمل

 
 

إطلاق يد أصحاب الأعمال.. مرفوض من الأغلبية

 
 

د. ألفونس عزيز

 

  مر المجتمع الفرنسى فى الفترة الماضية بهزة اجتماعية شديدة بسبب إصرار الحكومة على إصدار قانون للعمل يسلب الطبقة العاملة الكثير من الحقوق التى اكتسبتها بنضالها خلال الفترة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية، فانتفضت نقابات العمال الرئيسية والاتحادات الطلابية ورفضته، وبعد سلسلة متصلة من الإضرابات والمظاهرات الحاشدة والصاخبة فى كل أنحاء فرنسا، أجبرت الحكومة الفرنسية على سحب القانون، وحققت الجماهير انتصارا تاريخيا، ولكن اليمين الفرنسى الحاكم لن يستسلم بسهولة، إذ سيلجأ إلى المناورة مستندا فى ذلك.. ليس إلى قوته، وإنما إلى تردد يسار الوسط. الصراع الاجتماعى فى أى بلد حول الإطار المؤسسى لسوق العمل وآلياته وقوانينه وسياساته يعد من القضايا المهمة التى تشغل بال الرأى العام لما لها من آثار اقتصادية واسعة مثل آثارها على حجم العمالة وهيكلها القطاعى وطرق الإنتاج الفنية والقدرة التنافسية للاقتصاد القومى فى الاقتصاد العالمى ومعدلات نموه ومستويات الأجور وهيكل توزيع الدخل.. إلخ والأمر الذى له آثاره المتباينة على كل من العلاقات الاجتماعية والاستقرار الاجتماعى والسياسي، وحيث تتباين بشكل واسع مواقع مختلف التيارات السياسية وأطيافها من يمين ويسار.
بداية الصراع
تسود فرنسا منذ خريف العام الماضى فترة من عدم الاستقرار الاجتماعى والسياسى لها آثارها السلبية على المجتمع الفرنسي، وبدأت هذه الفترة من الاضطراب والقلق بما أطلق عليها «أحداث الضواحي»، والتى شارك فيها الآلاف من أبناء الجاليات العربية والإسلامية والإفريقية المهمشة احتجاجا على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية المتردية.
وما أن انتهت هذه الموجة من الاضطرابات فى أواخر العام الماضى حتى بدأت من جديد ومنذ حوالى عشرة أسابيع موجة أخرى من الإضرابات والمظاهرات اشتركت فيها مختلف النقابات العمالية والاتحادات الطلابية احتجاجا على محاولة حكومة «دومينيك دو فيلبان» إصدار قانون جديد هو «قانون عقد الوظيفة الأول» الذى ينص على حق أصحاب الأعمال فى إنهاء عقد العمل خلال السنتين الأوليين بالنسبة للعاملين الذين تقل أعمارهم عن 26 سنة، ودون إبداء أى أسباب.
وقبل أن نتناول التطورات التى صاحبت محاولة إصدار هذا القانون، نود بداية أن نشير إلى أن هذا القانون أثار صراعا سياسيا واجتماعيا واسعا.
أطراف هذا الصراع الثلاثة هى القوى الاجتماعية الرئيسية فى المجتمع الفرنسي: يمين الوسط «الحزب الديجولي/ شيراك وحكومته»، ويسار الوسط «أساسا الحزب الاشتراكي»، يسار الماركسى ذو التوجه الإصلاحي/ البرلمانى «أساسا الحزب الشيوعي».. بالإضافة إلى جماعات اليسار الراديكالية ذات الوزن الضعيف نسبيا.
يرجع التفكير فى إصدار هذا القانون إلى محاولة اليمين الفرنسى الخروج من أزمة البطالة التى يعانى منها الاقتصاد الفرنسى وحيث يقدر معدل البطالة فى فرنسا حاليا بحوالى 10%، وهو يعد من معدلات البطالة العالية فى دول الاتحاد الأوروبي.
ويسعى هذا القانون، كما يقول اليمين، إلى إضفاء المرونة على سوق العمل الفرنسى حيث يرى الحزب الحاكم أن هناك صعوبة تتمثل فى عجز الاقتصاد الفرنسى عن أن يكيف نفسه مع العالم المتغير، ويقول إن المجتمع الفرنسى يحتاج لكسر التعايش مع الماضى وعلاقاته الاجتماعية لكى يتقدم للأمام ويتواءم بدرجة أكبر مع العولمة، وذلك حتى يمكن الارتقاء بدرجة تنافسية الاقتصاد الفرنسى فى الاقتصاد العالمي، إزاء الاقتصاديات المنافسة من أمريكية وأوروبية وآسيوية.
وعلى إثر إعلان حكومة دومينيك عن عزمها على إصدار هذا القانون.. خرجت المظاهرات فى مارس الماضى بأعداد غفيرة من طلاب الجامعات والمعاهد العليا فى مختلف أنحاء فرنسا تجاوزت عدة مئات من الألوف، وشارك فى هذه المظاهرات أكثر من نصف جامعات فرنسا والكثير من اتحادات العمال وخاصة فى قطاعات الطاقة والغاز والكهرباء وعمال السكك الحديدية وعمال المترو، بالإضافة إلى ثمانية اتحادات عمالية تتبع شركة إير فرانس.
تعنت حكومي
وإزاء هذه المظاهرات الصاخبة، طالبت بعض قيادات الحزب الحاكم، رئيس الوزراء الفرنسى بإدخال بعض التعديلات على نصوص قانون «عقد الوظيفة الأول»، مثل تخفيض فترة الاختبار من سنتين إلى سنة واحدة، ليكون أكثر قبولا لدى الجماهير الغاضبة، إلا أن رئيس الوزراء أصر على عدم إدخال أى تعديلات على القانون.
ولقد أدى هذا التعنت من جانب رئيس الوزراء إلى ارتفاع درجة سخونة الموقف، مما حدا بأحد الأعضاء الاشتراكيين البارزين فى الجمعية الوطنية «جان مارك ايروليت» إلى أن يصرح بأن المجتمع الفرنسى يمر بظروف خطيرة، وأن دومينيك دوفيلبان مدفوع بأنانيته يسجن فرنسا فى إطار فكرة الشخص وهو لا يدرك أن فرنسا سوف تتحطم، وأيضا قال النائب الاشتراكى البارز «لوران فابيوس»، معلقا على موقف رئيس الوزراء، «إن دور الحكومة ليس أن تُشعل لهب الأزمة، وإنما عليها أن تهديء الجماهير الغاضبة، وأنه يجب على الحكومة سحب قانون عقد الوظيفة الأول».
وقال وزير الداخلية الفرنسى «نيكولا ساركوزي»، المنافس لدومينيك فى انتخابات رئاسة الجمهورية القادمة، إنه كان يجب على رئيس الوزراء إطلاع نقابات العمال على مشروع القانون قبل عرضه على البرلمان، واقترح وزير الداخلية تقصير فترة الاختبار إلى ستة شهور، وحذر من خطورة أن تؤدى مظاهرات الطلبة والعمال إلى إيقاظ وإثارة العنف والاضطرابات فى الأحياء الفقيرة (فى إشارة منه إلى اضطرابات الخريف الماضى «أحداث الضواحي»)، واستطرد وزير الداخلية قائلا إنه يخشى أن يؤدى ذلك كله إلى تدهور العلاقات الاجتماعية فى فرنسا.
فى ظل هذه الأوضاع أصدرت بعض الاتحادات العمالية، منها «اتحاد العمل للعمل» الذى يسيطر عليه الحزب الشيوعى الفرنسي، و«اتحاد العمل الديمقراطي» بيانا أعربت فيه عن موافقتها على الاجتماع مع رئيس الوزراء، وتنازلت عن الشرط الذى وضعته حول ضرورة إسقاط القانون قبل بدء الاجتماع، وقد تزامن صدور هذا البيان مع خروج حوالى 200 إلى 300 ألف طالب إلى الشوارع فى باريس وبعض المدن الرئيسية مطالبين بسحب هذا القانون، وأظهر أحد الاستفتاءات أن حوالى ثلثى الرأى العام يؤيد إضرابات الطلبة وضرورة سحب القانون.
مزيد من التفاقم
تدهور الوضع السياسى وصار أكثر سوءا بعدما أعلن رئيس الوزراء أنه ليس فى نيته تغيير أى مادة رئيسية فى القانون، إلا أنه أشار إلى أنه مستعد لمناقشة القانون دون شروط مسبقة.
ومما زاد من تعقيد الموقف أنه كان قد سبق الإعلان عن مشروع قانون «عقد الوظيفة الأول»، صدور قانون ينص على حق أصحاب الأعمال فى إنهاء عقود العمل مع العمال فى مختلف الأعمار فى الوحدات الإنتاجية التى يعمل فيها أقل من 20 عاملا، وترجع خطورة هذين القانونين إلى أنهما يسلبان الطبقة العاملة الحماية الاجتماعية التى كفلتها لها التشريعات العمالية السابقة والتى صدرت لصالح العمال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وإزاء تصلب موقف رئيس الوزراء خرج فى الأسبوع الأول من أبريل حوالى 2 إلى 3 ملايين من الطلبة والعمال فى أنحاء فرنسا مطالبين بسحب القانون وتحت ضغط هذه المظاهرات أعلن الرئيس شيراك أنه سيؤجل تنفيذ القانون لحين إدخال بعض التعديلات لتخفيف آثاره، إلا أنه رفض الاستجابة لسحب القانون.
موقف اليسار الراديكالي
ويبرز فى هذا الصدد الموقف المتشدد لجماعات اليسار الراديكالي، حيث أعلنت أن احتجاجات ومظاهرات الطلبة والعمال أضعفتها ونال من آثارها الإيجابية أن بعض القيادات النقابية العمالية انحصرت احتجاجاتها فى سحب القانون فقط، وليس المطالبة بإسقاط الحكومة، ويعتقد اليسار الراديكالى أن العقبة الرئيسية التى تقف فى وجه النضال ضد قانون العمل لا تتمثل فى قوة الحكومة أو قوة المؤسسات الرأسمالية، وإنما تتمثل أساسا فى تردد بعض القيادات العمالية ومواقفها الانتهازية وترى هذه الجماعات أن مجرد قبول الدخول فى مناقشة مع الحكومة حول القانون وحتى مع وجود شروط مسبقة يعنى فى حقيقة الأمر تراجعا عن المطالبة بسقوط الحكومة، بالإضافة إلى أن المفاوضات سوف تتم على أرضية الحكومة اليمينية وتوجهاتها.
وترى أيضا جماعات اليسار الراديكالى أن الحكومة تشجع اتحادات الطلبة والعمال على الدخول معها فى مفاوضات حيث إن الهدف الرئيسى لليمين الحاكم وأحزاب يسار الوسط يتمثل أساسا فى كسر ظهر المعارضة الجماهيرية ومحاولة إخماد الروح الثورية لدى الجماهير الغاضبة.
وتسترسل جماعات اليسار الراديكالى فى نقدها لمواقف يسار الوسط وتقول إنه سبق ليسار الوسط أن لعب أدوارا انتهازية مماثلة فى فترات الأزمات التى واجهت البورجوازية الفرنسية، مثلما حدث عندما تخلت تنظيمات يسار الوسط فى الانتفاضة الطلابية فى عام 1968 وأنقذت بذلك حكومة شارل ديجول وقتئذ وأيضا تكرر حدوث ذلك مع حركات الاحتجاجات الجماهيرية فى عام 1995، وكذلك فى عام 2003 عندما ثارت الجماهير ضد سياسات إصلاح التعليم وإصلاح نظم المعاشات التى أعلنتها الحكومة الفرنسية وقتئذ، وهذا ما يحدث تماما فى الأزمة الحالية حيث تعمل أحزاب يسار الوسط فى حقيقة الأمر على تدعيم حكم اليمين وإعطاء الشرعية لسياساته.
وتذكر جماعات اليسار الراديكالى أن النضال حول قانون العمل أظهر التناقض الواضح بين مصالح الطبقة العاملة ومصالح الطبقة الرأسمالية، ووضح تماما أنه لا يمكن حل هذا التناقض فى صالح العمال إلا بإسقاط النظام السياسى برمته، وليس مجرد الضغط على الحكومة لإدخال بعض التعديلات على القانون، أو حتى إسقاط الحكومة الفرنسية.
تراجع
فى الأسبوع الثانى من أبريل أعلن شيراك ورئيس الحكومة عن إعداد تشريع جديد ليحل محل قانون «عقد الوظيفة الأول»، وسرعان ما أعلنت بعض اتحادات الطلبة والعمال مؤيدة من جانب جماعات يسار الوسط أن هذا التراجع من جانب الحكومة يمثل انتصارا لحركة المقاومة ضد القانون، وبالتالى أعلنت هذه الاتحادات عن عزمها وقف أى تعبئة عامة ضد الحكومة.
ولتدعيم موقف الرئيس شيراك عقد اتحاد العمل الأوروبى والذى يدخل فى عضويته اتحادات العمال الفرنسية «قمة اجتماعية Social Summit مع اتحادات أصحاب الأعمال الأوروبية، وتعهدت اتحادات العمال بتأييد تحديث «النموذج الاجتماعى الأوروبى The Eu Social Model وتنفيذ استراتيجية لشبونة والتى تهدف فى الأساس إلى زيادة «مرونة سوق العمل» والأمر الذى يعنى إطلاق يد أصحاب الأعمال فى وضع قواعد وقوانين العمل بما يتفق ومصالحها دون مراعاة قواعد حماية العمال اقتصاديا واجتماعيا.
فارس اليمين
إن النتائج السريعة لسحب قانون «عقد الوظيفة الأول» صبت أساسا فى تقوية الجناح اليمينى الأكثر تشددا والذى يقوده وزير الداخلية ساركوزي، وحيث استغل هذه الظروف السياسية لتدعيم مركزه فى انتخابات الرئاسة القادمة، ولقد بلغ من الانتهازية السياسية شأنا بعيدا حيث اتجه إلى مخاطبة مؤيدى «الجبهة الوطنية للفاشست الجدد» من خلال الإعلان عن استعداده اتخاذ سياسات أكثر تشددا فى مسألة الهجرة، كما أعلن أنه مستعد لتبنى إجراءات أكثر فعالية لتدعيم «اقتصاد السوق»، ووجه الدعوة لأعضاء الحزب الحاكم للاجتماع يوم 15 مايو القادم لمناقشة سياسات تحديث الاقتصاد الفرنسى بهدف تدعيم قدراته التنافسية فى الاقتصاد الرأسمالى العالمي، كى يتلاءم بدرجة أكبر مع متطلبات العولمة الرأسمالية وتهيئة الاقتصاد الفرنسى لإعادة هيكلته بما يتفق والتطورات التكنولوجية فى القرن الحادى والعشرين، ويرى ساركوزى أنه ليس هناك سياسة أكثر فعالية من المواءمة مع العولمة الرأسمالية لنشر الرخاء والمواجهة الفعالة لمشكلة البطالة، ويرى اليمين الفرنسى أن النظام الرأسمالى ساعد فرنسا لتكون خامس أغنى دولة فى العالم، وساعدت العولمة الرأسمالية على قيام شركات فرنسية عالمية على أعلى مستوى من الكفاءة والتنافسية فى السوق الرأسمالى العالمي.
ولكن هناك وجهة نظر تشكك فى ترحيب الفرنسيين بالعولمة الرأسمالية، حيث أظهرت إحدى الاستفتاءات أنه بينما يؤيد حوالى 71% من الأمريكيين، 66% من البريطانيين، 65% من الألمان العولمة الرأسمالية، فإن هذه النسبة تهبط إلى حوالى 36% فى فرنسا.
وأخيرا فإن الصراع الاجتماعى فى فرنسا حول قانون العمل لم ينته بعد، ومن المتوقع أن يشتعل أكثر فى ضوء التوجهات اليمينية الأكثر رجعية التى يتبناها ساركوزي. ولسوف يكون قانون العمل إحدى القضايا الرئيسية فى انتخابات الرئاسة الفرنسية القادمة فى عام2007.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة