الزراعة في مصر ليست نشاطا هامشيا أو محدودا، بل هي محور
رئيسي من المحاور المجتمعية علي جميع الأصعدة.. فهي لا
تعني فقط الناتج الغذائي، بل تمثل أيضا حوالي 30% من القوي
العاملة و20% من الدخل القومي و22% من الصادرات و60% من
مكونات الناتج الصناعي.
من هنا، فإن دعم الزراعة يعني رفع معدلات التنمية، وإهدار
الزراعة لا يعني سوي تخريب واقع المجتمع.
ثلاثة "إنجازات" مهمة - خلال الشهر الأخير - قام بها
النظام المصري وحكومته الإلكترونية في المجال الزراعي.
القمح الأمريكي علي حساب القمح المصري
تواصلا.. واستكمالا.. لإهدار القمح المصري والفلاحين من
زرّاعه في الموسم الماضي - بما تناولناه تفصيلا في
"الأهالي" في 28/12/2005 - وبما كانت نتيجته الطبيعية
استيراد 9 ملايين طن - بكل ما يعنيه ذلك من أعباء اقتصادية
ومخاطر سياسية - فلقد حرص رجال النظام - مبكرا وبكل حزم
علي تواصل تلك السياسة المدمرة.
حيث صرح د. علي مصيلحي وزير التضامن الاجتماعي - ولا نفهم
ما علاقته بالقمح - بأنه قد تقرر تخفيض سعر توريد القمح من
الفلاحين واقتصار موعد التوريد علي الفترة من مايو إلي
يوليو وهي فترة "راكدة لا تناسب مزارعي القمح علي
الإطلاق"، وفقا لنص تعبير الأستاذ شريف العبد المحرر
البرلماني لجريدة الأهرام الذي وجه إليه رسالة مفتوحة في
4/4/2006 يصف فيها هذا القرار بأنه "كان له أسوأ الأثر لدي
المزارعين"، متوقعا أن الفترة القادمة - بفضل هذا القرار -
"سوف تشهد إحجاما كاملا ومطلقا عن زراعة القمح، وسوف ينشط
بالتالي مستوردو القمح المحظوظون".
وحتي تكتمل الصورة، وحتي لا نتهم بأننا - علي غير حق -
نسيء الظن بالنظام وحكومته وحزبه ولجنة سياساته فيما يتعلق
باستمراء سياسات التبعية "للصديق الاستراتيجي الأمريكي" -
فلابد من الإشارة إلي أنه قد تواكب مع قرارات الأستاذ
مصيلحي الحاسمة ضد القمح المصري وزرّاعه، انعقاد مؤتمر
"القمح الأمريكي لدول الشرق الأوسط وشرق إفريقيا" في شرم
الشيخ يوم 18 مارس وأعلن فيه السيد "آلان تريس" رئيس مؤسسة
القمح الأمريكية أن حجم استيراد مصر من القمح هذا العام قد
وصل - حتي شهر مارس - إلي 3.6 مليون طن.
المزيد من تصفية صناعة الغزل والنسيج المصرية:
كان آخر ما كتبته "الأهالي" - عن سياسة إصرار النظام
وحكومته علي إهدار زراعة القطن وتدمير صناعة الغزل والنسيج
المصرية العملاقة في 10/10/2005 ثم في 25/1/2006، عن
المحاولات الحثيثة لتصفية شركتي كفر الدوار والمحلة الكبري
للغزل والنسيج، محذرة من مغبة ذلك علي اقتصاد مصر وعمالها
وفلاحيها، بل وأمنها الوطني أيضا.
ولكن السادة حكام مصر في هذا العهد "السعيد" - ووفقا للنهج
المريح الذي يتبعونه وهو "قولوا ما تشاءون، ونحن نفعل ما
نريد" - يواصلون بهمة - لا يشكرون عليها - سياسة تصفية
القطن وصناعاته.
وآخر ما يتم في هذا الشأن بيع شركة شبين الكوم للغزل
والنسيج فهذه الشركة الكبيرة (6 مصانع - 842 ماكينة -
حوالي 4 آلاف عامل)، يتم بيعها وإهدار إمكاناتها الإنتاجية
وطاقتها العمالية بأبخس الأثمان.
المهزلة المأساوية في هذا الشأن، أنه علي الرغم من محاولات
تصفية هذه الصناعة المصرية التاريخية، والانهيار المتواصل
والسريع لإنتاجها، فإن الحكومة الرشيدة تصر علي اتباع -
وتوسيع - نطاق اتفاقية الكويز - بكل ما تعنيه من سياسات
تبعية وتطبيع - "بهدف زيادة الصادرات النسيجية المصرية
لأمريكا"، وعلي الحصول علي 90 مليون يورو من الاتحاد
الأوروبي "بهدف إعادة هيكلة شركات الغزل والنسيج"!.
مصالح المستثمرين.. فوق العمال والتقاوي الزراعية:
في تغطية صحفية حية قدمها الزميلان عبدالوهاب خضر وخالد
سلامة في "الأهالي" في 5/4/2006، عن قضية عمال شركة
النوبارية علي بيع الشركة وإهدار مصالح - بل وحياة - آلاف
العمال وأسرهم، حيث قام المستثمر الأمريكي المشتري للشركة
بحل اللجنة النقابية وأغلق الشركة - بعد تغيير نشاطها -
وحرم العمال من أجورهم منذ 8 شهور، هناك وجه آخر لهذا
التدمير.. لعله أكثر خطورة علي مصلحة مصر كلها، يتمثل في
بيع شركة النوبارية لإنتاج البذور "نوباسيد".
فبالإضافة إلي ما لحق هذه الصفقة - منذ بيعها عام 1999
لمستثمر رئيسي - من ضياع لملايين الجنيهات، وما لحق بها من
شبهات جنائية - يتم تداولها قضائيا - فإنها تمثل ضربة
كبيرة لمحاولة مصر - منذ العهد الملكي - لإنتاج البذور
والتقاوي اللازمة للزراعة، والتي أصبحنا - بفضل سياسات
الخصخصة - نستورد منها ما يكلف اقتصادنا أكثر من 2 ملياري
جنيه سنويا، بالإضافة إلي ما قد يحمله بعضها من أمراض
زراعية، ولكن كل ذلك لا يهم حكامنا الذين يضعون الأولوية
دائما لمصالح السادة المستثمرين ولتوجهات الصديق الأمريكي
الذي صرح علي لسان المستر "جيمس سي دبلوش" استشاري التقاوي
بوحدة "إصلاح السياسات الزراعية بوزارة الزراعة المصرية"،
عام 1999 - وفي تقرير مكتوب منه - بأن "موضوع التقاوي خطير
ويجب استبعاد القانون 53 لسنة 1966 كمرجع للسياسة الخاصة
بإنتاج التقاوي وتداولها واستيرادها، وأن تصدر قواعد
قانونية جديدة تعبر عن واقع التحرر الزراعي".
إذا كان الحكم في مصر يعتقد أنه قادر - علي الرغم من
إضرابات العمال وغضب الفلاحين ورفض كل الحريصين علي ما
تبقي من مصر علي مواصلة وتعميق سياساته المهدرة والمدمرة
لمقومات المجتمع ومستقبل الوطن، فإننا ننبهه إلي القراءة -
الصحيحة - لتاريخ الشعب المصري، فقد يدرك المصير.