يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1273 (5 - 12) ابريل 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

المال السياسي في دولة "البازار"

 
 

سليمان الحكيم

 

  لقد أخطأ من يعتقد بأن رفيق الحريري هو الذي أدخل "المال السياسي" إلي لبنان، إذا سلمنا مع القائلين بصحة ذلك فليس ذلك إلا لأن لبنان عرف "المال السياسي" منذ أن عرفت خريطة العالم بلدا اسمه لبنان.. فلبنان والمال السياسي، توأمان، لا بل إن "المال السياسي" هو الأم الرءوم التي رضع لبنان من ثديها ليشب عن الطوق، دولة ذات سيادة!!. وتعالوا لنقرأ في شهادة ميلاد لبنان، التي لا نري فيها غير "المال السياسي" مقترنا بتاريخ الميلاد، ومكانه.
كان الإنجليز قد دخلوا لبنان في أعقاب الحرب العالمية الأولي بقيادة الجنرال "اللنبي"، ليملأوا الفراغ الذي تركته القوات التركية بانسحابها بعد هزيمتها في الحرب، ولم تمض سوي أيام حتي دخلت قوات الجنرال "جورو" الفرنسية إلي لبنان، ليبدأ الصراع بين الحليفين - إنجلترا وفرنسا - علي "ملكية" لبنان، الذي لم يكن أيامها يعرف اسما غير "جبل لبنان"، فالإنجليز يطالبون "بحق الفتح" في لبنان، والفرنسيون يطالبون بحقهم فيه حسب اتفاقية سايكس - بيكو الشهيرة، التي عقدها "سايكس" الإنجليزي و"بيكو" الفرنسي عام 1916 كوثيقة تفاهم علي تقسيم غنائم الحرب، بعد إجلاء القوات التركية عن البلاد العربية التي تحتلها، فكانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا، بينما كانت العراق والأردن من نصيب إنجلترا، وحين دخل "اللنبي" بقواته إلي لبنان طالبه الفرنسيون بالجلاء عنه، وتركه لهم "غنيمة" حسبما تقضي اتفاقية سايكس - بيكو، وتدخل الرئيس الأمريكي ويلسون فأرسل لجنة أمريكية برئاسة "كراين" لتستفتي الشعب اللبناني عن الدولة التي يريدون العيش تحت انتدابها - أو في حمايتها - إنجلترا أم فرنسا؟.. وهنا سارع الشريف فيصل بن الحسين بتعيين شكري الأيوبي حاكما عاما علي جبل لبنان ليضع كلا الفريقين المتنافسين أمام الأمر الواقع، معتبرا لبنان جزءا من سوريا، كما كان في أيام الحكم التركي.
وقبل وصول لجنة "كراين" الأمريكية إلي لبنان، قام المندوب السامي الفرنسي، "ويجاند" بمحاولة لرشوة أعضاء مجلس إدارة المتصرفية اللبنانية ورئيسهم حبيب السعد، وكلفوا عميلهم إسكندر الرياشي بتوصيل مبلغ 25 ألف جنيه مصري، أي ما يعادل مبلغ 25 ألف جنيه ذهب إنجليزي - كدفعة أولي - إلي حبيب السعد ليوزعها بمعرفته علي أعضاء مجلس إدارة المتصرفية ليقروا أمام لجنة "كراين" الأمريكية بقبول الانتداب الفرنسي، ورفض الحماية الإنجليزية، ولكن حبيب السعد رفض أن يأخذ نصيبه من المبلغ، ورفض أن يفاتح بقية زملائه بهذا الشأن، وتعهد بأن يقنعهم بذلك دون مقابل، وحين علم رياض الصلح بذلك قام بالتفاوض مع أعضاء مجلس إدارة "المتصرفية"، وأقنعهم بالذهاب سرا إلي دمشق، ليعلنوا استنكارهم باسم الشعب اللبناني، ورفضهم للوصاية الفرنسية التي يريد الحلفاء فرضها علي لبنان، ويطالبوا بالشريف فيصل أميرا عليهم، في دولة واحدة تجمعهم بسورية، ولكن انكشف الأمر فقام الجيش الفرنسي باختطافهم علي الطريق الموصل بين البقاع ودمشق، وقدمهم للمحاكمة العسكرية التي قضت بنفيهم إلي جزيرة كورسيكا، وقد ثبت من التحقيقات التي أجرتها معهم السلطات الفرنسية، قبل نفيهم أنهم "قبضوا" ثمن ولائهم للشريف فيصل قبل أن يصلوا إليه في دمشق معلنين تمسكهم به أميرا عليهم!!.
ويقول "اسكندر الرياشي" في كتابه "رؤساء لبنان كما عرفتهم" (منشورات المكتب التجاري - بيروت - 1960):
"لم يكن الفرد نقاش غريبا عن الفرنسيين، وهو الذي عمل في بداية الاحتلال في سبيلهم، وكان من الوجهاء العشرة المشهورين الذين حملوا راية الوصاية الفرنسية عالية بطريقة ملحة قوية متحمسة، وألفوا عصبة شبه رسمية، تعمل مع المفوضية الفرنسية، تشركهم في قراراتها وتجعلهم لسان حالها عند الناس، ومن أولئك اميل أده والفرد نقاش وحبيب السعد وشكري الأرقش وألبير قشوع ويوسف عودة، ومن يماثلهم من ذوات بيروت الموارنة.. ولقد لقبهم يومئذ - بكل شفقة وتواضع - واكيم النجار، أظرف رجال عصره، باسم "زبونات الفرنك" ولقب نفسه مع بعض أصدقائه من دعاة الوصاية البريطانية علي البلاد "زبونات الاسترلينية" علي اعتبار أن الإنجليز يحسبون مصاريف الدعاية لهم بالليرات الاسترلينية، في حين أن الفرنسيين يحسبونها بالفرنكات الفرنسية".
ويمضي اسكندر الرياشي فيقول في كتابه متحدثا عن كيفية ولادة لبنان من رحم الفرنك والاسترليني، أو ما نسميه اليوم "بالمال السياسي":
"كان الفرنسيون أكثر كرما وإسرافا وسخاء من الإنجليز فلقد بلغت بالقلم والدفتر القيمة التي دفعها الفرنسيون للدعاية لأنفسهم بين 1919 - 1920 "أي في عام واحد فقط" رقما قياسيا بالنسبة لهم"!!.
وكنت شخصيا - والكلام علي لسان الرياشي - كعامل "عميل" سياسي لهم - اشتركت في هذا الدفع، كما اشتركت في القبض، وأخذت حصتي اللازمة تطبيقا للقول المعروف: "من حضر السوق باع واشتري"!!.
إنها ليست جرأة تصل إلي حد المبالغة - كما يعتقد البعض ممن يقرأون اعترافات الرياشي في كتابه، بل إنها الدليل علي أن الرجل لم يكن يتحدث عن أمر مستهجن، بل كان يتحدث عن "حق" طبيعي يمارسه اللبنانيون بشكل عادي لا يدعو إلي الاستغراب أو الدهشة، فضلا عن الاستنكار أو الاستهجان!!.
ويواصل الرياشي كلامه فيقول:
"لقد بلغت قيمة ما دفعه الفرنسيون خمسة ملايين جنيه ذهبا، فحاربوا بنجاح الدفع الإنجليزي الذي كان شحيحا جدا، ولم يتجاوز المليون ونصف المليون جنيه، ولما جاءت لجنة "كراين" التي بعث بها الرئيس الأمريكي "ويلسون" لتستفتي أهل لبنان عن الوصاية التي يريدون، الإنجليزية أم الفرنسية، فتح الفرنسيون صناديقهم علي مصراعيها، مما لايزال (عام 1960) يذكره أكثر السياسيين والزعماء الذين قبضوا، في حين أن الإنجليز لم يفتحوا غير درفة واحدة من أبواب صناديقهم"!!.
ويختتم اسكندر الرياشي كلامه في الموضوع قائلا: "ونستطيع القول بالمناسبة - وشهد شاهد من أهلها - كما يقول الرياشي":
"إن الذين لم يقبضوا في ذلك "الموسم" فرنكات أو ليرات استرلينية، هم الذين لم يستطيعوا القبض، أو الذين لم يفتكر أحد أن يدفع لهم"!!.
"وليس في كل يوم ينفصل لبنان عن تركيا - أو سورية، وليس كل يوم تتزاحم دولتان كبيرتان منتصرتان - إنجلترا وفرنسا - علي شراء الوصاية عليه من السياسيين الذين احتكروا الحق في المتاجرة بالبلد وبيعه، وليس كل يوم إلي البنك سبيلا"!!.
وكان الشريف فيصل - أمير سوريا - كان قد أرسل جيشه بقيادة الركابي باشا لاحتلال الأقضية الأربعة المتخامة للحدود السورية "راشيا - حاصبيا - زحلة - البقاع" وضمها إلي الإمارة السورية، لوضع القوات الفرنسية أمام الأمر الواقع، ولكن فرنسا كانت تريد ضم تلك الأقضية إلي جبل لبنان، لتأسيس دولة "لبنان الكبير" تحت وصايتها، فأرسل الأمير فيصل مستشاره وصديقه نوري السعيد ليفاوض الفرنسيين بشأن الخلاف الحاصل معهم حول تبعية الأقضية الأربعة، فما كان من الفرنسيين إلا أن عرضوا نصف مليون ليرة من الذهب علي الأمير فيصل ثمنا لها، فرفض الشريف فيصل، وقامت الحرب بين الطرفين في "ميسلون"، وهي الحرب التي فقد فيصل علي أثر الهزيمة فيها حكم سوريا، وهو الذي كان يمني نفسه، "بسوريا الكبري" التي تضم لبنان أيضا كجزء منها، فحمل نفسه وذهب إلي العراق ليعلن الإنجليز اسمه حاكما عليه، تعويضا له عن ضياع حكمه في سوريا.
وبعد رفض نوري السعيد والأمير فيصل للمبلغ المعروض عليهما ثمنا للأقضية الأربعة، رأي الفرنسيون أن يوزعوه علي زعماء تلك الأقضية وعائلاتها وحتي "قبضاياتها" و"زعرانها" قبل وصول لجنة "كراين" الأمريكية التي أرسلها الرئيس ويلسون لاستفتاء اللبنانيين حول اسم الدولة التي يريدونها وصية عليهم، وكان علي فرنسا أن تدفع الكثير من الليرات الذهبية، وغير الذهبية.. "رفض اللبنانيون في الأقضية الأربعة استلام الثمن بالجنيهات الورقية المصرية، وفضلوا الجنيهات الذهبية لارتفاع قيمتها"!!.
وذلك ليقولوا "نعم" لفرنسا وصية عليهم، و"لا" لإنجلترا، التي غلت يدها في دفع الثمن الذي يريدونه للموافقة عليها!! ويقول إسكندر الرياشي: إن العائلات الكبيرة في تلك الأقضية انقسمت علي بعضها بين مؤيد لفرنسا ومؤيد لإنجلترا، وفريق ثالث كان يؤيد الشريف فيصل والانضمام إلي سوريا، فيقول إسكندر الرياشي:
"كان الحيادرة من جهة، والحمادية من جهة ثانية، قد انشطروا بعضهم علي بعض، فمنهم من طلب انجلترا ومنهم من طلب فرنسا، وكان أسعد بك حيدر، والد إبراهيم بك حيدر عضوا في المؤتمر السوري بالشام "مؤيدا للأمير فيصل" وكان معه محمد سعيد باشا حمادة، بينما كان إبراهيم حيدر بك علي صداقة وصلات متينة مع الكولونيل نيجر حاكم المنطقة الغربية بلبنان ومع البعثة الفرنسية رغم صداقته للشام، وكان صبري حمادة الشاب اليافع يومذاك، وابن بنت محمد سعيد حمادة صديق الكولونيل نيجر أيضا، وكان يوسف نمور من زحلة عضوا في المؤتمر السوري "مؤيدا لسوريا" وشقيقه نمور أحد المقربين جدا للبعثة الفرنسية وديوان المفوض السامي ببيروت".
وهكذا لعب "المال السياسي" دوره في التفريق ليس فقط بين اللبنانيين، بل بين أعضاء الأسرة الواحدة.. بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، فالكل يسعي لاتخاذ الموقع الذي يدر عليه أكثر بصرف النظر عن مصدر الأدرار!!.
وهكذا نري أن الخلاف بين اللبنانيين لم يكن بين دعاة الاستقلال ودعاة التبعية، بل كان بين فريقين كلاهما من دعاة التبعية ومريديها، والخلاف فقط كان حول لمن تكون التبعية، فلم يكن الاستقلال اللبناني قضية خلافية كما هو الآن، بل كانت التبعية هي مصدر الخلاف، طالما كان ثمنها مدفوعا مقدما، أما الاستقلال فلم يكن هناك من يريد أن يدفع ثمنه، أو يقدر علي دفعه حتي وإن أراد، كان "المال السياسي" ثمنا للانفصال، وثمنا للتبعية، وثمنا للعمالة، والغريب أنه حين يتحول "المال السياسي" ثمنا للاستقلال، وثمنا للإعمار والإنماء والتطور، وضريبة وطنية يدفعها القادر لغير القادر، يصبح الكلام عن المال السياسي جريمة تستحق العقاب والمؤاخذة، وتستدعي الاستهجان والاستنكار!!.
إن معظم الذين يتحدثون اليوم عن "المال السياسي" في لبنان، يدينون له في تكوين ثرواتهم، وتاريخهم ومكانتهم الاجتماعية والسياسية التي يفاخرون بها الآن، ولو كانت لديهم الجرأة علي فتح الملفات القديمة، لوجدوا فيها أسماء أشخاص يعرفونهم جيدا: لأنهم ينحدرون من أصلاب ذلك "المال السياسي" وأصحابه الذين قبضوه في زكائبهم ثمنا لوطنهم، وليس ثمنا لمجرد عدد من المقاعد في مجلس النواب!!.
لم يدفع الفرنسيون - وليتهم دفعوا - ثمنا لقرار لبنان أو سيادته، ولكنهم دفعوه ثمنا للبنان ذاته، فأين هو المال السياسي الذي دفعته فرنسا، من ذلك المال السياسي الذي يتحدثون عنه اليوم؟ فإذا كان هناك "مال سياسي" يتحدث عنه البعض الآن في لبنان، فهو المال الذي يدفعه لبنانيون للبنانيين، ولا يدفعه مستعمرون أو مستجلبون ثمنا لوطن لا يعرفون عنه شيئا، وجاءوا إليه ليجعلوا منه بقرة حلوب، وضرعا يبتزونه لحساب خزائنهم في لندن وباريس، وعواصم غربية أخري.
ولعل الأغرب من ذلك كله أن نجد من يتحدث عن مال سياسي في بلد، أنشأه المال السياسي، وأسس عليه تأسيسا.. فأصبحوا مثل الذي يعيب علي الحانة التي تبيع الخمر!!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة