يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1273 (5 - 12) ابريل 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

مأساة الحلاق

 
 

 

 

  في عهد الزعيم جمال عبدالناصر نشرت الصحف المصرية خبرا عن مسابقة لاختيار أجمل شاب في مصر، ووصل الخبر إلي عبد الناصر فأصدر أوامره إلي القوات المسلحة باعتقال كل الشباب المشارك في هذه المسابقة وحلاقة شعر كل منهم وتحويلهم إلي أقرب منطقة تجنيد لإلحاقهم بالجيش إجباريا حتي يتعلموا سلوك وأخلاق الرجال0
وفي ذات العهد المذكور شهدت مصر وكل بلدان العالم ظاهرة "الخنافس" و"الهيبز" وانتشرت بين الشباب المصري عادة إطالة الشعر كالنساء وإطلاق اللحية كالرفيق فيدل كاسترو وارتداء الملابس الرثة كالزميل علي حسنين في فيلم "أيس كريم في جليم"0 وعادت السلطات المصرية تستعين بالحلاق للقضاء علي تلك الظواهر، وتقرر إلقاء القبض علي كل المصريين الخنافس أو الهيبز وحلاقة شعر كل منهم علي طريقة الممثل الأمريكي يول براينر والفنان خيري بشارة0 وهو ذات العقاب الذي قررته الحكومة المصرية في عهد عبد الناصر لأي شاب أو رجل يتم ضبطه متلبسا بمعاكسة الفتيات أو النساء0 وكان حلاقو وزارة الداخلية قد توقفوا آنذاك أمام عدة حالات لشباب ورجال مصابين بالصلع الكامل ضمن المتهمين بالمعاكسات النسائية0 وتفتقت عبقرية الحلاق المصري البوليسي عن ابتداع عقوبة حلاقة حواجب المواطن الأصلع المتهم بمعاكسة النسوة والفتيات0
ظل المصريون رهن الوصاية الحكومية الأخلاقية إلي أن آلت مقاليد الأمور إلي الزعيم المؤمن محمد أنور السادات0 ومع الساعات الأولي من حكم الزعيم المذكور زالت دولة الحلاقين وذوت شمس الوصاية الأخلاقية وانطلقت الحريات العامةوالخاصة تعربد في أركان البلاد ووجدان العباد0 بدأ السادات العظيم بنفسه فأزال زبيبة الصلاة من فوق جبينه الطاهر الوضاء، ثم قرر هدم السجون والمعتقلات وشارك بنفسه في عمليات الهدم، ثم وقف أمام كاميرات الصحف والتليفزيون وقام بحرق كل الشرائط التي سجل عليها العسس أسرار الناس، ثم تفرغ فخامته لاستقبال نجوم السينما العالمية وقيادات الهيبز والخنافس والموساد والسافاك والسي أي إيه0 وازدهرت ظاهرة إطلاق اللحية المصرية في عهد السادات كما لم تزدهر من قبل0 أطلقها فريق من المناضلين الإسلاميين تحت رعاية الزعيم المؤمن للقضاء علي المد الشيوعي والناصري في البلاد، وأطلقها فريق من الموظفين والعمال حدادا علي الجنيه المصري الذي بدأ يتدهور ويفقد قيمته، وأطلقها قطاع آخر من المواطنين حزنا علي أموالهم الضائعة في شركات توظيف الأموال، وأطلقها بعض الشيوعيين التائبين الذين انضموا لحزب العمل الاشتراكي الإسلامي، وأطلقها أيضا الناصريون والليبراليون واليساريون والوطنيون والمحاربون القدامي وأصحاب العاهات القتالية عقب إعلان السادات الصلح مع الصهاينة وبيع القضية وافتتاح سفارة إسرائيل الشقيقة في قلب القاهرة0
أدت الحقبة الساداتية إلي خسائر ضخمة للحلاق المصري وشركات الأمواس ومستحضرات الحلاقة0 ولم تعد هذه المهنة إلي سابق عهدها إلا في عهد الرئيس مبارك والكابتن حسام حسن0 فقد أدي قانون الطوارئ في عهد مبارك إلي إقناع كل المصريين تقريبا بحلاقة ذقونهم بانتظام حتي لو كانوا من الأئمة والقساوسة والرهبان، ولعب الكابتن حسام حسن دورا مهما في إقناع الشباب والكهول بحلاقة شعرهم بالكامل كل أسبوع أو كل يوم0 واحتل شعار "البقاء للأصلع" المكانة القديمة التي كان يحتلها شعار "البقاء للأصلح" في العصور السابقة0 ومع بداية الولاية الثانية للرئيس مبارك لم يعد الصلع المقصود في الشعار المذكور هو مجرد فقد المواطن لشعر رأسه أو لحيته، ولكنه صار يعني ذلك الإنسان الأجرودي عديم الإحساس والشعور والموهبة والشخصية0 وتقدم الأصلع الجديد كل الصفوف واحتل كل مواقع القيادة في البلاد0 صار الشخص "الزلنطحي" هو رجل المرحلة، وتطور مصطلح الحلاقة ليصبح معناه الرئيسي هو الطناش أو التجاهل أو اللامبالاة0 وصارت الحكومة هي الطرف الرئيسي والأساسي الذي "يحلق" للشعب وللوطن وللأمة، ودخل الشعب اللعبة وصار هو الآخر يحلق للحكومة ويتبادل معها الرشاوي والفساد وتجاهل القوانين والأعراف والأصول0 صرنا جميعا شعبا من الحلاقين، كل منا يحلق لصاحبه، والحكومة تحلق للجميع0
هذه المقدمة الطويلة سببها تلك الشائعة التي انتشرت الأسبوع الماضي حول إصابة أحد حلاقي الشرطة بشلل الأصابع0 وتقول الشائعة إن الحلاق المذكور كان مكلفا بحلاقة شعر الفنان المطرب تامر حسني عند دخوله السجن0 وبعد عدة أيام من أداء هذه المهمة فوجئ الحلاق بمظاهرة ضخمة من الشبان والفتيات تطوف مدينة نصر وتهتف بحياة الفنان السجين0 وفي نفس اليوم قرأ الحلاق التعس خبرا عن طلاق سيدة في الخمسين من عمرها بسبب رفض زوجها السماح لها بارتداء ملابس الحداد علي الفنان تامر حسني0 شعر الحلاق المسكين بعذاب الضمير ينهش جسده وقلبه وعقله ووجدانه0 كره نفسه ومهنته لأنه تجرأ علي حلاقة شعر الفنان العظيم وتسبب في إيلام سبعين مليون مصري ومائتي مليون عربي0 وقضي الحلاق ليلته يستمع إلي أغاني تامر حسني ويتأمل صورته قبل الحلاقة ويبكي بكاء مريرا علي ما اقترفت يداه0 وفي صباح اليوم التالي استيقظ الحلاق مشلول الأصابع واليدين0 ويقال إن الفنان تامر حسني قد تعاطف بشدة مع الشاب المسكين وقرر تحويل قصته إلي مسرحية غنائية علي غرار الملحمة القديمة المعروفة باسم "مأساة الحلاج"!!
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة