130 مليار جنيه انتقلت من جيوب الغلابة إلي الأثرياء والمضاربين الأجانب
اغتالت البورصة أحلام مئات الآلاف من الفقراء ومحدودي
الدخل، والذين باعوا ممتلكاتهم أملا في الحصول علي أرباح
تمكنهم من تحقيق متطلبات الحياة البسيطة، مثل الحصول علي
شقة أو الزواج، بعد أن بلغت خسائرها حوالي 130 مليار جنيه
منذ الثالث من فبراير الماضي وحتي منتصف مارس الماضي.
كان العام الماضي قد شهد ظاهرة جديدة بدخول حوالي مليون
متعامل جديد في البورصة، معظمهم من البسطاء أو صغار
الموظفين، جاء دخولهم للسوق بعد الارتفاعات القياسية في
أسعار الشركات التي تم طرح جانب من أسهمها للاكتتاب العام
في البورصة، وفي مقدمتها الإسكندرية للزيوت المعدنية
"أموك" وسيدي كرير للبتروكيماويات، مما أدي إلي قيام حوالي
مليون من المواطنين البسطاء إما ببيع قطعة أرض صغيرة، أو
تاكسي أو ذهب الزواج، أو الاقتراض للدخول في اكتتاب
المصرية للاتصالات أو الشراء من الأسهم المدرجة في
البورصة.
وبعد إتمام اكتتاب الاتصالات وبدء تداول السهم، رفع كبار
المضاربين والمستثمرين سعر السهم إلي 30 جنيها وقاموا ببيع
كل ما بحوزتهم لينخفض سعر السهم ويدور حول 16 جنيها،
تاركين أحلام الصغار والبسطاء تتهاوي، ومازال أغلبهم
يحتفظون بالسهم أملا في أن يرتفع مرة أخري.
الطامة الكبري أما الطامة الكبري فهو ما حدث خلال شهر فبراير الماضي،
حيث رفع كبار المضاربين والأموال الساخنة من المستثمرين
الأجانب والعرب أسعار الأسهم إلي مستويات قياسية، ليتجاوز
رأسمال البورصة السوقي الناتج المحلي الإجمالي ويتخطي 560
مليار جنيه، ودفع لوبي من بعض شركات السمسرة وكبار
المستثمرين البسطاء لشراء الأسهم بأعلي مستوياتها عن طريق
استخدام الشائعات، ثم بدأوا بالبيع فجأة في 3 فبراير
الماضي ولمدة شهر لينخفض رأسمال البورصة حوالي 130 مليار
جنيه انتقلت من جيوب الفقراء، الذين اشتروا عند أعلي سعر،
إلي جيوب المضاربين والأجانب.
وهذه الدورة من المضاربات والخروج المفاجيء لكبار
المستثمرين ليست الأولي، بل حدثت أيضا في فبراير عام 1997،
وأدت إلي خسائر فادحة لصغار المستثمرين كانت أعلي كثيرا من
خسائر فبراير 2006، مع وضع القيمة السوقية للبورصة في
التاريخين محل المقارنة في الاعتبار.
وشهد شهر أبريل الحالي دورة جديدة من المضاربين لرفع أسعار
الأسهم، واستخدام نفس الأسلوب وحرب الشائعات بالتعاون مع
كارتيلات شركات وبنوك الاستثمار الكبري في السوق.
الرقابة غائبة وساهم في زيادة أعداد ضحايا البورصة وخسارة مدخرات
العمر للعديد من البسطاء غياب الرقابة في سوق المال
المصري، وتدعيم الاحتكار، والسماح لملاك الشركات بالمضاربة
علي أسهمهم، وكذلك السماح للسماسرة، وهم ذوو مصلحة في
التعامل في السوق، واستخدام وتسريب المعلومات الداخلية
لكبار المستثمرين.
ويتمثل غياب الرقابة الحقيقية عن السوق في عدة ظواهر،
أهمها دخول ذوي المصلحة كأعضاء في الجهة الرقابية وهي هيئة
سوق المال، بعد أن شهدت التوجهات الجديدة نحو إحكام سيطرة
رأس المال ليس علي الوزارات والحكم فقط، ولكن علي بعض
الجهات الرقابية أيضا، حيث سمح بدخول اثنين من الأعضاء
المنتدبين ورؤساء لشركات سمسرة في مجلس إدارة هيئة سوق
المال مع استمرار احتفاظهم بوظائفهم وهو الأمر الذي يضع
أكثر من علامة استفهام! حيث يتاح لهم الاطلاع علي معلومات
خاصة بالسوق وهم من ذوي المصلحة ويمارسون دورهم في شركات
السمسرة التي يملكونها.
والشفافية.. غائبة القانون الخاص بسوق المال رقم 95 لسنة 1992 مازال
مقصورا علي حماية حقوق الأقليات الذين يملكون أقل من 5% من
أسهم الشركات، حيث يقرر الملاك الكبار للشركة في الجمعيات
ما يحقق مصالحهم فقط لدفع الصغار للخروج من الشركة
والسيطرة عليها بالكامل مثل ما حدث مع شركة الإسكندرية
للأسمنت وتخفيض سعر سهمها من 80 جنيها إلي 30 جنيها، رغم
أن البورصة كلها كانت في حالة صعود، وبعد شراء حصة الأقلية
ارتفع السهم إلي حوالي 75 جنيها.
كما تم السماح لملاك الشركات بالتعامل في البورصة علي أسهم
شركاتهم، وهو الأمر الذي يضرب عرض الحائط بقواعد الشفافية
والمساواة في السوق، لأن ملاك الشركات يعرفون مسبقا بتطور
الأرباح والمبيعات والاستثمارات في الشركة.
وكانت الغاية من السماح لملاك الشركات بالتعامل علي أسهمهم
هو تسهيل عمليات نقل الملكية، إلا أن الملاك استخدموها
كوسيلة للمضاربة، وهناك حالات صارخة تكشف التلاعب بأسعار
الأسهم، وفي مقدمتها السهم المعجزة "سوديك" الذي صعد من
83.3 جنيه إلي 265 جنيها خلال 13 شهرا، وبعض عمليات الدفع
تمت بتداول 100 سهم فقط، مع استخدام شائعات عن الاندماج أو
دخول أجانب لشراء حصة في الشركة، وذلك بالتعاون مع شركة
سمسرة كبري في السوق قامت بشراء حصة تصل إلي 33% من أسهم
الشركة.. علما بأن نصيب سهم الشركة من الأرباح لا يزيد علي
25.2 جنيه بعد الطفرة التي حققتها العام الماضي مقابل
خسائر في العام الأسبق.
حرية المضاربة وسمحت البورصة للسماسرة بالمضاربة علي الأسهم والشراء
والبيع لحسابهم، وهو ما أدي إلي استخدام صغار المستثمرين
لمصالحهم ودفعهم لشراء الأسهم التي يستثمرون فيها عن طريق
نشر الشائعات، وقيامهم بعد ذلك بالبيع لجني الأرباح تاركين
الخسائر لصغار المستثمرين.
وانتشر في البورصة استخدام المعلومات الداخلية، وأصبحت
ميزانيات الشركات ومؤشراتها تصل إلي بعض كبار المستثمرين
قبل أن تنشر رسميا في البورصة، وهو ما أدي إلي قيامهم
باتخاذ مواقع بيع أو شراء حسب موقف الشركة المالي، قبل أن
يعرف صغار المستثمرين بميزانيات الشركات، ويتم تسريب
الميزانيات عن طريق إدارات بعض الشركات أو شركات المحاسبة
في ظل غياب الرقابة علي المحاسبين مع العلم بأن الفضائح
الكبري في البورصة الأمريكية وفي مقدمتها انهيار شركة
"إنرون" للطاقة كانت وراءها إحدي شركات المحاسبة
الأمريكية.
من المستفيد؟ البورصة تحولت مثلها مثل برنامج الخصخصة إلي وسيلة
لاغتيال أحلام الفقراء، وإعادة توزيع الثروة وإفقار
الفقراء، لمصلحة الكبار الذين يملكون المعلومات قبل الغير،
في ظل غياب الرقابة علي الأسواق، والسماح للأجانب بدخول
السوق والخروج منه بدون أي ضوابط، مما ساهم في تلاعب أموال
الأجانب الساخنة، وخروجهم منها لجني الأرباح، أو للدخول في
أسواقهم عند أي أزمة في السوق المحلي.