300 مليون جنيه .. خسائر خزينة الدولة في صفقة بيع البنك المصري الأمريكي
فضائح برنامج الخصخصة في عهد نظيف
أحمد نظيف
شهدت الأهداف المعلنة لبرنامج الخصخصة أو إدارة الأصول
المملوكة للدولة كما يسميه وزير الاستثمار الدكتور محمود
محيي الدين تحولات درامية بين بدايته في أوائل حقبة
التسعينيات وحتي الآن.
سبق أن ذكرت الحكومة في أوراق اعتماد البرنامج للشعب أن
أهدافه هي التحول للقطاع الخاص، وتحول الدولة من الدور
الإنتاجي إلي الرقابي وكذلك توزيع الثروة علي الشعب، عن
طريق طرح الشركات للاكتتاب لجمهور واسع من صغار المستثمرين
والمدخرين، وطرح الشركات الخاسرة لمستثمر استراتيجي لإعادة
هيكلتها وتحويلها للربحية .. إلا أن التوجهات شهدت تغيرا
ملحوظا في البرنامج وأصبح التركيز علي طرح الشركات الرابحة
لمستثمر استراتيجي بجانب طرح حصة محدودة للاكتتاب العام،
بينما مازالت الدولة تتحمل أعباء الشركات الخاسرة.
والأهم من ذلك أن البرنامج تحول من إعادة توزيع لثروة
الشعب إلي نهب منظم لهذه الثروة، وذلك وفقا لتقديرات قيمة
الشركات وأسعار بيعها بالمقارنة مع التقييمات الصادرة من
بنوك الاستثمار وشركات الأوراق المالية رغم أن بعضها من
ذوي المصلحة في البيع بأسعار منخفضة.
ولم يقتصر الأمر علي ذلك بل سادت بعض عمليات الخصخصة شبهة
فساد واضحة، وفي حالات أخري فرضت الشركات الأجنبية السعر
الذي تحدده للصفقة، ولم تلتزم بشروط عمليات البيع سواء
بالنسبة لضخ الاستثمارات أو المحافظة علي العمالة.
إذا تجاوزنا عمليات الخصخصة التي تمت في عهد الحكومات
السابقة، وعلامات الفساد البارزة مثل صفقات بيع المراجل
البخارية والفنادق الكبري، والتي تم بيعها بأقل من قيمة
أراضيها، فإن فترة تولي حكومة الدكتور نظيف رئاسة الوزراء
والدكتور محمود محيي الدين لحقيبة وزارة الاستثمار شهدت 3
حالات لخصخصة شركات وبنوك عامة تستحق أن توضع بجدارة في
موضع الشبهة والفشل الحكومي، والنهب المنظم لثروة الشعب.
وتأتي في المقدمة صفقة بيع 5% من الإسكندرية للأسمنت لشركة
لافارج المالكة لشركة بلو سيركل الإنجليزية بسعر 30 جنيها
للسهم، وهناك عدة مفارقات في هذه الصفقة:
أولها: أن الحكومة باعت الحصة الرئيسية قبل حوالي 5 سنوات
بسعر 80 جنيها للسهم لشركة بلو سيركل الإنجليزية وكان سعر
طن الأسمنت أقل من 200 جنيه أي أقل من مستوياته في العام
الماضي وقت بيع الشركة حيث وصل سعر الطن إلي حوالي 350
جنيها. وثانيها: أن البورصة العام الماضي كانت في أفضل
حالاتها، بينما كانت في أسوأ أوضاعها وقت بيع الحصة الأولي
، وأدت الصفقة إلي خسائر مباشرة لخزينة الدولة زادت علي 50
مليون جنيه.
مخالفة لكل القوانين وهنا لابد أن نتوقف عند سلوك الشركة الإنجليزية بلو
سيركل فعندما اشترت الإسكندرية للأسمنت كانت هناك شروط في
التعاقد أهمها التحديث وضخ استثمارات جديدة في الشركة
والحفاظ علي العمالة، واستلمت بلو سيركل شركة الإسكندرية
بعد أن قامت الحكومة بإنشاء خط إنتاج جديد في الشركة،
فقامت بلو سيركل بإنشاء شركة تابعة لها تحت اسم "بلو سيركل
مصر" ونقلت إليها ملكية خط الأسمنت الجديد بالقيمة
الدفترية، لتخالف كل الأعراف والقوانين، كما قامت باستخدام
أرباح الشركة في عمليات التحديث وحولت ميزانياتها إلي
الخسارة ولم تصرف أي أرباح للمساهمين بدعوي أن الشركة
خاسرة ونظرا لتعسف إدارة الشركة الإنجليزية التي تمتلك
أكثر من 90% من أسهم الإسكندرية اعترض المساهمون الأقلية
ممن يمتلكون 5% فأكثر علي قرارات الجمعية العمومية للشركة
الخاصة بنقل الخط الجديد ومنهم الحكومة المصرية باعتبارها
مالكة لنسبة 5% من أسهم الشركة، وتم رفع الشكوي لهيئة سوق
المال التي أوقفت قرارات الجمعية العمومية للشركة، إلا أن
الشركة الإنجليزية رفضت تنفيذ القرار وضربت عرض الحائط
بالقانون المصري.
من المسئول؟ وقامت الشركة بعد ذلك بخفض سعر السهم بشكل متعمد
لإجبار صغار المساهمين علي البيع وكذلك الحكومة للحصة
المتبقية، ووصل سعر السهم في السوق إلي أقل من 30 جنيها،
وحسب رؤية وزير الاستثمار الدكتور محمود محيي الدين فإن
سعر السهم في البورصة ليس مقياسا والدليل علي ذلك أنه في
ذروة صعود البورصة تم بيع سهم المصري - الأمريكي بأقل من
سعره في السوق، وبالتالي كان لابد من تحديد قيمة عادلة
للسهم وهي لا تقل بأي حال عن مائة جنيه للسهم، إلا أن
الحكومة رضخت للشركة الإنجليزية وباعت السهم بسعر 30 جنيها
بخسائر مباشرة 50 مليون جنيه عن سعر البيع الأول
واستثمارية أكثر من 100 مليون جنيه حسب السعر العادل لسوق
وحجم هذه الأموال إذا تم استثمارها منذ وقت إتمام الصفقة
الأولي.
والغريب أن رئيس الشركة القابضة أكد في رد منشور أن
الحكومة اضطرت للحل التوفيقي ببيع الحصة لأن الشركة
الإنجليزية امتنعت عن صرف الأرباح ولم تنفذ قرارات هيئة
سوق المال الخاصة بوقف نقل ملكية الخط الجديد بالقيمة
الدفترية وهناك تساؤل يفرض نفسه هل تعمل الشركة الإنجليزية
وفقا للقوانين المصرية أو وفقا لقوانينها الخاصة؟! وإذا
كانت الشركة الإنجليزية لم تحترم القوانين المصرية واضطرت
الحكومة لبيع السهم بسعر 30 جنيها، فما هو الحال مع صغار
المستثمرين في حالة امتلاكهم لحصص أقلية في شركات مملوكة
لمستثمرين أجانب؟! ومن المسئول عن ضياع أكثر من 100 مليون
جنيه علي خزينة الدولة في صفقة الإسكندرية للأسمنت؟!
والأهم من ذلك لماذا استسلمت وزارة الاستثمار للأوضاع التي
فرضتها بلو سيركل؟ ولماذا لم تدافع عن حقوق الأقلية
ويمثلها حصة الحكومة وصغار المستثمرين في الشركة؟! ولماذا
لم تتم محاسبة الشركة عن عدم ضخ استثمارات خارجية من
الشركة الأم وتوظيفها أرباح الإسكندرية في الاستثمارات
الجديدة وعدم توزيع أرباح؟! والأكثر غرابة أنه بعد استحواذ
بلو سيركل علي باقي أسهم الاسكندرية عاد السهم للصعود بعد
تراجع 4 سنوات ليصل حاليا إلي حوالي 76 جنيه للسهم.
أما الحالة الثانية فهي صفقة بيع البنك المصري - الأمريكي
إلي بنك كاليون الفرنسي ومجموعة المنصور والمغربي
للاستثمار التي يمتلكها الوزيران محمد منصور وأحمد
المغربي، وتم بيع البنك بسعر 45 جنيها للسهم، رغم أن سعره
في السوق وصل وقت الصفقة إلي حوالي 60 جنيها للسهم.
مبررات الحكومة لتحديد سعر السهم أن هناك 5 جنيهات إضافية
للصندوق وبالتالي سعر البيع هو 50 جنيها، وقياسا علي سعر
البيع فإن مضاعف الربحية، وهو سعره السوقي مقسوما علي
نصيبه من الأرباح يصل إلي أقل من 11 مرة، وهو أقل من متوسط
السوق وقطاع البنوك بحوالي 30% كما أن السعر العادل للسهم
حسب تقديرات شركات السمسرة يتراوح بين 58، 65 جنيها، مع
العلم بأن كل جنيه أقل يتسبب في فقدان 60 مليون جنيه علي
خزينة الدولة، وبالتالي خسرت خزينة الدولة من صفقة المصري
الأمريكي علي الأقل 300 مليون جنيه والغريب أنه تم طرح مصر
للألومنيوم بعد ذلك بسعر 54 جنيها للسهم وبمضاعف ربحية يصل
إلي حوالي 16 مرة أي بمستوي سعري يزيد 40% علي المصري
الأمريكي وفقا لمعدلات الربحية وقت الطرح، ونتيجة للمقارنة
بين سعر طرح المصري الأمريكي ومصر للألومنيوم وبالإضافة
لظروف الطرح .. فشل الطرح فشلال ذريعا.
بيع عشوائي أما الحالة الثالثة فهي طرة للأسمنت وتم بيعها للسويس
للأسمنت، علي اعتبار أن الجانب الأكبر من رأسمال السويس
وقتها كان مملوكا لشركات وبنوك مصرية بالإضافة لحصة
تمتلكها "سيمنت فرانسيه" وكانت الشركة تمتلك سيولة نقدية
توازي أكثر من نصف قيمة الصفقة، إلا أنه لم يتم الاعتراض
عليا لأنه تم بيعها لمصريين، وكانت مبررات الحكومة لبيع
الشركة للسويس هو إحداث توازن في سوق الأسمنت الذي يسيطر
عليه الأجانب، ثم قامت الحكومة بعد ذلك ببيع السويس إلي
إيتا ليسمنتي بما تمتلكه من شركات ومنها طرة.
وكانت نتيجة عمليات البيع العشوائي هي سيطرة الأجانب علي
أكثر من 70% من سوق الأسمنت المصري، وهو ما خلق احتكارا
جماعيا للسوق سيتم تناوله بشكل مفصل في مقالات لاحقة ..
ورفع الأجانب سعر طن الأسمنت من 130 جنيها إلي 350 جنيها
في أقل من عامين باتفاق علي توزيع مناطق النفوذ للشركات
وهو اتفاق تناولته كثير من الدراسات البحثية لشركات
الأوراق المالية قبل أن تنكره شركات الأسمنت بعد ذلك.
وبررت شركات الأسمنت الأجنبية رفعها لأسعار الأسمنت
بارتفاع الأسعار عالميا، رغم أن أي سلعة منتجة في أي دولة
يجب أن تراعي ظروف السوق في حالة التسعير فالمنتج يحصل علي
عمالة رخيصة وخامات رخيصة، وكهرباء وطاقة بأسعار أقل من
المستوي العالمي، وبالتالي فإن تسعير هذه السلعة بأقل من
مستواها عالميا هو أمر منطقي.
نتائج عكسية الإسراع في عمليات الخصخصة كان أحد أهدافها هو رفع
قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، ورغم حدوث ذلك فإن
أغلب هذه الاستثمارات كانت في أصول قائمة فعليا ولم تضف أي
أصول جديدة بل والأكثر من ذلك أنها لم تراع بنود التعاقد
بضخ استثمارات جديدة للأصول القائمة بل وظفت أرباح الأصول
القائمة في تمويل هذه الاستثمارات.
كما أن برنامج الخصخصة قام ومازال ببيع أفضل الشركات
وأكثرها ربحية، ومازالت الدولة تتحمل أعباء الشركات
الخاسرة وإعادة هيكلتها، واتجه البرنامج إلي نحو البيع
لمستثمر رئيسي أو استراتيجي بدلا من طرح الشركات الناجحة
للاكتتاب العام، وأصبح كل طرح عام للشركات الكبري الناجحة
يتم طرح نسبة أكبر موازية لمستثمر استراتيجي بينما الشركات
التي تعاني من مشاكل تحتاج معها لإعادة هيكلة مازالت
تتحملها الميزانية الحكومية، ويتم ضخ جانب كبير من حصيلة
بيع الشركات الناجحة لعمليات الهيكلة.
أين الاستثمارات؟ ورغم عمليات "التساهل" في بيع الشركات بأسعار منخفضة
لجذب استثمارات أجنبية مباشرة، والتساهل أيضا مع هذه
الشركات في تطبيقها والتزامها لشروط البيع، إلا أن
الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة إلي مصر مازالت أقل
كثيرا من بعض الدولة العربية، لأن الاستثمارات الأجنبية
تقيم المخاطر في كل سوق قبل الدخول إليه ومن بينها المخاطر
السياسية والاقتصادية والشفافية والإفصاح ومعدلات الفساد
.. وبالتالي مازال الكثير من المؤسسات العالمية يمتنع عن
دخول السوق المصري نظرا لارتفاع معدلات الفساد، وغياب
المعلومات ووصولها لكبار المستثمرين فقط بالإضافة إلي أن
الإصلاح السياسي هو أكذوبة كبري في ظل سيطرة الحزب الحاكم،
واستمرار قانون الطوارئ وحبس الصحفيين، كما أن تعديلات
المادة 76 من الدستور الخاصة بانتخاب الرئيس بدلا من
الاستفتاء وضعت متطلبات جعلت المادة في مضمونها لا تختلف
كثيرا عن الاستفتاء.
جذب الاستثمارات المباشرة يتطلب إصلاحا حقيقيا علي كل
المستويات والقضاء علي الفساد، وهو ما سيؤدي إلي جذب
استثمارات أجنبية، حتي لو احتفظت الدولة بجانب من القطاع
العام مثل التجربة الصينية في الإصلاح، والتي فتحت الباب
للاستثمارات الأجنبية في كل القطاعات، مع احتفاظ الدولة
بجانب كبير من القطاع العام.
دور الدولة الرقابي علي الأسعار والاحتكارات وهو دورها
الجديد في ظل الاقتصاد الحر - لم يتحقق مطلقا والدليل علي
ذلك الاحتكارات في قطاعات الأسمنت والحديد، وارتفاع
مستويات التضخم والأسعار بدون مبرر حقيقي أحيانا إلا
مجموعات المصالح..