يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1273 (5 - 12) ابريل 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

عودة جحا

 
 

ديمقراطية الخيط والعصفور.. والخازوق

 
 

بقلم: د. رفعت السعيد

 

 
ذئاب تسوس الأسد شر سياسة
ما ساس أسداً قبل ذاك ذئاب
اندفعت زوجة جحا في حالة من حماقاتها المعتادة، خرجت إلي الشارع وهي تجري حافية القدمين، شعرها منكوش، عيناها مبللتان بما يشبه الدموع.. صرخت في رجل وقور يجلس أمام محله المليء بأرفف مشحونة بالكتب القديمة، إنه الشيخ ناصح الكتبي صديق جحا.. صرخت في وجهه "صديقك أصبح مجنونا" قال الشيخ بهدوء.. "هو مجنون دوماً"، ثم قام بهدوء وقور ليلحق بجحا في بيته، لم يلتفت جحا للضيف00 كان مستغرقا في متابعة عصفوره المحبوس في قفص، وعصفور آخر يتألق بحرية فوق غصن يتدلي بالقرب من عمامته، لم يجب جحا علي تحية الضيف، أشار بيده إشارة من يرفض أي مزاحمة مع أفكاره.
وقف الشيخ صامتا، وظل جحا مستغرقا.. يدون شيئا ما في كراس، ينصت لحظة إلي القفص وتارة إلي الغصن.. وأخيرا نطق، وجه حديثه إلي الفضاء.. هذا يغني وأشار إلي الغصن.. وهذا يبكي وأشار إلي القفص.
ولأن البصاصين والشرطة يلاحقون كل فعل لجحا، وكل ما يحدث في الأسواق.. انتقل الخبر سريعاً إلي السلطان، وهنا اكتشف الجميع في مجلس الحكم أن جحا متغيب منذ فترة، ولم يلحظ السلطان ذلك لأنه متغيب هو أيضا، مشغول أو متشاغل بمشاغل أخري.
أمر السلطان بأن يأتوه بجحا وبالعصفورين.. دخل جحا حاملا القفص وبه العصفور الباكي وعلي طرف عمامته عصفور يغرد بعد أن منحه جحا أمانا وحرية.
حكي جحا حكايته صارخا: يا مولاي استمع معي، هذا يبكي.. وهذا يغني، قال السلطان: لماذا؟ فأجاب جحا :هذا مسجون وهذا طليق، أبدي السلطان قدرا من دهشة وقال: أنت يا جحا مجنون، فهل هناك عصافير تبكي وأخري تغني؟ رد جحا بحدة: هاك يا مولاي.. أنصت واستمع، لكن السلطان قال له : فلنجرب.. أعطني العصفور من فوق عمامتك، لكن جحا تردد: أريد الأمان لهذا العصفور يا مولاي، فأعطاه السلطان الأمان، وأمسك بالعصفور في يده، فما إن فعلها حتي تغير اللحن ليصبح شبيها بلحن القفص.
وصرخ جحا: ألم أقل لك يا مولاي.. الفارق بين البكاء والغناء هو الحرية، امتعض السلطان وقرر أن يجرب.. أتي بخيط ربطه في ساق العصفور وأطلقه.. تحرك الطائر قدر مساحة الخيط.. عاد إلي الغناء قليلا ثم اكتشف الخديعة فاستأنف البكاء، زاد غضب السلطان فأنقص طول الخيط.. صرخ العصفور، أنقصه أكثر.. وفيما يتأهب لافتراس العصفور أخرج جحا من كمه مقصا أخفاه عن الأعين وقص الخيط.. فانطلق العصفور حرا ومغردا من جديد.
عاود جحا حديثه عن الحرية.. والعصفور والخيط وظل يردد الحكاية لكل من يلتقيه في السوق، والشيخ الكتبي يحذره دون جدوي، فأتي أمر الشرطة ليدعو جحا إلي مجلس الحكم، ذهب جحا مترددا ووجد أهل المجلس يموجون بالغضب، وصاح كبيرهم: أنت يا جحا تثير الرعاع والعامة يجب أن تصمت، ورفض جحا أن يصمت فتدخل السلطان: ما هي حكاية الحرية التي تتحدث عنها، وتتاجر بها، الناس أمامك أحرار، ولا أحد يحرمهم حق الكلام شريطة أن يتحدثوا بأدب واحتشام وأن يلتزموا بالنظام، فنحن في بلد الأمن والأمان، ولا يقصف قلم ولا يكبت رأي.. قال جحا: يا مولاي تفضل وتمش في الأسواق ستجد الناس صامتين لأن آمر الشرطة وضع علي أفواههم كمامات بحجة أن حالة طارئة استوجبت ذلك، فرد آمر الشرطة: نحن نحمي النظام والحالة الطارئة تستوجب أن ينطق الناس بعقل ويتصرفوا بتعقل حتي لا يضللوا العامة ويثيروهم، قال جحا: وهل تستمر الحالة الطارئة أكثر من ربع قرن يا مولاي؟.
تذكر السلطان وقال لرئيس المجلس: ألم أقل لكم أن تنزعوا الكمامات عن الأفواه والقيود التي تشل حركة هؤلاء المشاغبين وتصنعوا بدلها بديلا فينتهي بذلك ادعاء هؤلاء المثيرين للفتن بأن قيود الحالة الطارئة تقيد حركتهم وتشل إرادتهم؟، نهض كبير المجلس حتي أوشك رأسه أن يلامس السقف وقال: لقد أعددنا كل شيء يا مولاي، سننزع الكمامات وسنلغي القيود وأعددنا بدلا من ذلك أداة جديدة لعلها تحل المشكلة تماما وإلي الأبد بحيث يكف جحا وأمثاله من مثيري الفتن عن الشكوي من القيود التي تفرضها الحالة الطارئة طلب السلطان أن يري هذه الأداة.. فأسرع آمر الشرطة وأحضر خازوقا مصنوع بعناية وقال: سنعطي لكل واحد من الكتاب والعلماء ومن يدعون أنهم يفكرون، وكل من ينضم جماعة من هذه الجماعات المشاغبة واحدا ونجلسه عليه إلي الأبد.. وبهذا نلغي الحالة الطارئة وينتهي صراخ هؤلاء الغوغاء.. أما صديقنا وحبيبنا جحا فقد أحضرنا له هذا.. وحمل بين يديه خازوقا ضخما، وقال: وله أن يختار.. هذا أو الكمامة.
صرخ جحا هائجا.. لا هذا ولا الكمامة.. أريد حرية كاملة.
تململ السلطان قائلا : "أنت ممل يا جحا، ولا يعجبك شيء، ويبدو أنك فعلا مشاغب ومعاد للنظام ومثير للفتن"، هاج جحا أكثر وقال.. يا مولاي.. الأمن ومواجهة الفتن واستقرار النظام يأتي مع الحرية.. صدقني.
أشاح السلطان بوجهه وقال: أنت ممل يا جحا.
فقال جحا: أنا فعلا ممل وسأظل مملا حتي تستمعوا، والملل يبعث علي القلق، ولعل القلق يبعث علي التفكير والتفكير علي إعمال العقل.
وبإشارة من يد السلطان خرج جحا.
وبعد فترة عاد جحا بناء علي إلحاح من البعض، وكان السلطان حاضرا.
وكان جميع أهل المجلس يتضاحكون في بهجة غامرة، قال جحا بصوت نصف مرتفع: "اللهم اجعله خيرا".
صاح كبير العلماء: طبعا خير يا جحا، ألم تسمع بما حدث داخل هذه الجماعات التي تزعم أنها معارضة لمولانا ولسياسات الحكم؟ أرأيت كيف أطاحوا ببعضهم البعض، واستخدموا سلاحا ضد بعضهم البعض، وسجن البعض والبعض ينتظر، والناس تتفرج عليهم وتهزأ بهم؟.
قال جحا في صوت خفيض : "يقتل القتيل ويمشي في جنازته" غضب رئيس المجلس وكان واقفا لم يزل ورأسه محشور في السقف وقال: ماذا تقول؟ قال جحا بصوت امتلك قدرا من الشجاعة أو قدرا من القرف: "يقتل القتيل ويمشي في جنازته" وقبل أن يسأله أحد عما يقصد اندفع قائلا: أنتم تحاصرونهم، وتفرضون عليهم قيودا ما أنزل الله بها من سلطان، وتحرمونهم من أي قدرة علي التخاطب مع العامة، وكبير المنادين يقيد ألسنتهم ويكمم أفواههم لينفرد هو ورجاله وحدهم بالحديث إلي العامة، ثم إنكم شكلتم لجنة من بينكم تفرض عليهم وصايتها، وتمنحهم ترخيصا كأنهم يفتتحون محل بقالة، ولا حيلة لمن يختلف إلا أن يتنازع علي ملكية الترخيص وكأنهم يتنازعون علي "سبوبة" فيتحول ما ه وسياسي إلي ما هو شخصي، ويتخطي الأمر حدود العقل والمعقول، تفعلون ذلك كله ثم تشعلون بأيديكم وبأيدي "المنادين" التابعين لكم نيران الفتنة بينهم، بل وتفتعلونها ثم تتشفون فيهم، كي تفرقوا شملهم، وتسعدوا بذلك ناسين أنكم بهذا تسيئون إلي أنفسكم وتهدمون قلعتكم، وتفتحون أمام البلاد والعباد أبواب جهنم، صدقوني قلعتكم بهذا تهدمون فعلتكم فوق رءوسكم.
صاح رئيس المجلس ورأسه لم يزل معلقا قرب السقف: أنت تدافع عن حفنة من مثيري الشغب، الناس انفضت عنهم، ولا أحد معهم.. قال جحا : "يؤتي الحكمة من يشاء" والحكمة غائبة والعقل مفتقد، صدقموني أنتم واهمون، بل في الوهم غارقون، فحالكم أسوأ من الجميع، وحتي من يتملقونكم يسخطون عليكم في جلساتهم وهمساتهم وسينفضون عنكم في أول منحني، ولكنكم تستمتعون في بلاهة بحالة من التسلط الخائب، لا تخيف أحدا ولا تفيدكم، وأنتم سادرون في غيكم وكأنكم تحفرون قبركم بأيديكم ولا تدرون بما يجري لا وسط الناس ولا حتي داخل قلعتكم وجماعتكم فهي أكثر سخطا عليكم من الآخرين.
أتي صوت رئيس المجلس من حافة السقف: كأنك وحدك الذي تعرف، ونحن لا نسمع ولا نري؟، فتمتم جحا في القرآن الكريم "فأغشيناهم فهم لا يبصرون" وفي الإنجيل "ها أنت ذا تري القشة في عين أخيك، ولا تري الخشبة في عينك".
انتفض أهل المجلس غاضبين ساخطين، وأتي آمر الشرطة ليأخذ جحا من قفاه صائحا : "إلي السجن يا ملعون" وجحا يهتف طوال الطريق : "الحرية كاملة.. بلا كمامة ولا خازوق".
بينما العصفور الطليق يرفرف فوق رأسه مغردا معزوفة حزينة، تختفي وسط أصوات تتكاثر تهتف : "الحرية كاملة.. لا الخيط، ولا الكمامة، ولا الخازوق".
و.. لم يزل جحا سجينا، لكن صوت الناس يعلو ويعلو وسيعلو أكثر فأكثر..
جحا ينشد:
لئن قيدوا مني اليراع وأوثقوا
لساني فقلبي كيفما شئت ينطق
والناس تتكاثر وتنشد:
وبعد قليل ينتهي الأمر كله
فما أول إلا ويتلوه آخر
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة