تتزايد مع الصعود المتوالي لجماعات الإسلام السياسي في
الانتخابات في عدد من البلدان العربية الدعوة لاستعادة
الخلافة الإسلامية، وقد وردت هذه الدعوة نصا في مبادرة
المرشد العام للإخوان المسلمين السيد "محمد مهدي عاكف"
التي أطلقها في مارس 2004 ثم تحولت بعد ذلك إلي برنامج
انتخابي لجماعة الإخوان في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وتصور هذه الدعوة عصور الخلافة الإسلامية باعتبارها عصور
ازدهار وانسجام بين كل مكونات المجتمعات الإسلامية في
زمانها، وهذا التصوير هو أحد مكونات الوهم الذي تروجه
الجماعات الإسلامية في مجتمع مأزوم وفي أوساط شعب سدت في
وجهه طرق التطور الديمقراطي من أجل تغيير حياته بعد أن
أصبح العيش الطيب مستعصيا في ظل الفساد والاستبداد
والاستغلال الكثيف والنهب المنظم والإحباط.
وفضلا عن أن هذا الوهم يتجاهل تغير الزمان والأحوال،
واستحالة استعادة الماضي أو العودة له فإنه يتجاهل أيضا
حقيقة أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين قد ماتوا قتلا وهو ما
يعني أن الصراعات الضارية في المجتمع الإسلامي الأول حول
الثروة والسلطة قد نشبت رغم نبل وإنسانية الرسالة
المحمدية، ولم تنشب هذه الصراعات الدامية بين الذين آمنوا
بالرسالة والذين لم يؤمنوا بها فحسب بل كانت أساسا في
أوساط المؤمنين أنفسهم.
وفي كتابه "الوجه الآخر للخلافة الإسلامية" يقدم الباحث
والروائي "سليمان فياض" مسحا تاريخيا موضوعيا وأمينا منذ
بداية نظام الخلافة بعد موت الرسول - صلي الله عليه وسلم -
حتي سقوطها في بداية العقد الثالث من القرن العشرين
بانهيار الخلافة العثمانية وهي رابعة الخلافات الإسلامية
الكبري التي عرفها تاريخ المسلمين بعد خلافة الخلفاء
الراشدين.
ويتتبع الكتاب في فصوله الستة ممارسات خلافات القهر
الإسلامية في ميادين الاقتصاد والسياسة والحريات ويقدم
سجلا حافلا ومركزا للفتن والثورات التي اندلعت ضد هؤلاء
الخلفاء الذين مات عدد كبير منهم قتلا وأحيانا علي أيدي
أقرب الناس لهم من الأبناء والآباء بعد أن كانوا قد ساموا
العذاب للرعية وحتي لهؤلاء المقربين أنفسهم، وكان الموضوع
هو دائما الثروة والسلطة، وقد مات مثلا من الخلفاء
العباسيين علي فراشهم ثلاثة وعشرون خليفة، وقتل أربعة عشر
خليفة، وكان الغدر وإخلاف الوعد ونقض العهد ممارسات طبيعية
بررها لهم بعض الفقهاء من المطبلين والمزمرين الذين عرفتهم
كل العهود، بينما لقي فقهاء وكتاب وفلاسفة حتفهم لأنهم لم
يقبلوا أن يكونوا أدوات في أيدي الظالمين فقتل من قتل
ببشاعة ومن كان محظوظا أفلت بالمنفي أو صمت أو هرب، وقتل
عبدالحميد الكاتب بوضع طست محمي تحت رأسه.
وتحمل سجلات حروب خلفاء القهر كما سماهم الباحث ضد الثوار
وقائع تشيب لها الولدان كما يقولون من سحل وسمل للعيون
وتمثيل بالجثث ودفن الأحياء، وقد بلغ عدد القتلي في ثورة
الزنج التي طالب فيها العبيد بالعدالة مليونا وخمسمائة ألف
قتيل من العبيد والسادة معا.
وإذا كانت نظم القهر والاستبداد هي التي سادت في جل عصور
الخلافة الإسلامية فإن هناك استثناءات باهرة يتوقف الباحث
أمامها.. خليفتان من بني أمية كان أمرهما عجبا، "معاوية
الثاني بن يزيد" الأول الذي بويع خليفة وهو صبي مريض فأبي
علي نفسه وعلي الناس أن يكون خليفة وكان صادقا مع نفسه
وحاول ترشيح رجل للخلافة بدلا منه مثلما فعل أبوبكر،
والثاني هو عمر بن عبدالعزيز بن الحكم الذي أشبه في خلافته
عند الناس خلافة جده لأمه عمر بن الخطاب في عدله وفي زهده،
فقد رفع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، وخفف الضرائب عن
عامة المسلمين واسترد الإقطاعيات الممنوحة من خلفاء القهر
لأمراء بني أمية وولاتهم وعمالهم وردها إلي بيت المال،
فسارع الناس من جميع الأديان إلي الدخول في الإسلام.. وكان
شعاره "إن الله قد بعث محمدا - صلي الله عليه وسلم - هاديا
ولم يبعثه جابيا" ولم يعش أي من معاوية أو عمر بن
عبدالعزيز طويلا ويقال إن بني أمية تخلصوا منهما بالسم.
وقد كانت "رسالة الصحابة" "لابن المقفع" باعتباره أول مفكر
سياسي واجتماعي في تاريخ الإسلام سجلا دامغا لسوء أحوال
العصر خلافة ومستخلفين وقادة وجندا وقضاة وجباة جزية وعمال
خراج كانت الرسالة بمثابة برنامج للإصلاح الشامل ولبناء
مجتمع جديد وذلك بعد أن ترجم عن الفارسية "كليلة ودمنة"
التي ناقشت علي لسان الحيوانات قضية الحكم وقضية المحكومين
فعالم الحيوانات عالم غابة وعالم خلافة بني العباس كان
أيضا عالم غابة، ومصير "ابن المقفع" الذي ابتغي إصلاح
الخلافة معروف للجميع إذ قطع والي البصرة أوصال جسده وهو
حي ينظر وقام بإلقائها في النار أمام عينيه في فرن كبير
ليكون عبرة لكل من يجرؤ علي معارضة الخليفة حتي ولو بدهاء
وحذر كما فعل ابن المقفع.
إذا كانت المعرفة إذن هي أول الطريق إلي الحقيقة فإن
الجمهور المخدوع بفكرة العودة إلي الخلافة عليه أن يسعي
إلي هذه المعرفة حتي يصل للحقيقة، فلم تكن عصور الخلافة
عصورا ذهبية هانئة ولم يعرف العدل طريقه إليها فلو كان ذلك
قد حدث حقا فربما كان التاريخ الإسلامي قد تغير، لكنه لم
يتغير ووصلنا إلي ما نحن فيه.