يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1273 (5 - 12) ابريل 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

الماغوط:

 
 

الكمان والعاصفة

 
 

حلمي سالم

 

  غاب الشاعر السوري العربي الكبير محمد الماغوط عن اثنين وسبعين عاما، وبغياب الماغوط تفقد القصيدة العربية المعاصرة ركنا ركينا من أركانه القليلة، ويفقد شعر النثر رائدا كبيرا من روّاده البارزين.
ولد الماغوط في قرية السلمية بمحافظة حماة عام 1934، ولم يكمل دراسته الثانوية، ففر من بؤس النظام التعليمي التقليدي، وانخرط في تعليم الحياة ومعرفة الخبرة الحية، اعتقل وهو في العشرين من عمره بتهمة الانضمام للحزب القومي السوري، وكانت تجربة السجن تجربة كاسرة للروح، لازمه ظلها الأسود طيلة السنوات.
ترك الماغوط مجموعات شعرية عديدة منها: حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس مهنتي، سأخون وطني، شرق عدن غرب الله، البدوي الأحمر، كما ترك مسرحيات كثيرة منها: العصفور الأحدب، المهرج، ضيعة تشرين، غربة، كاسك يا وطن، خارج السرب، قيام جلوس، ورواية: "غيمة" وكتب فيلمي: "التقرير" و"الحدود". كان ديوانه الأول "حزن في ضوء القمر" (الذي صدر عام 1959، أثناء انخراطه في جماعة "شعر") تجربة فاتحة في مسيرة قصيدة النثر العربية الحديثة، وتوالت بعده التجارب "من أنسي الحاج وتوفيق صايغ وأدونيس" والأجيال الجديدة التي مثل لها الماغوط شرعية ومرجعية عميقتين.
كنت، منذ بضعة أيام، أستعد لكتابة كلمة موجزة أحيي فيها فوز جائزة العويس بمحمد الماغوط، وأحيي فيها قصيدة النثر التي جعلها الماغوط تفوز بأكبر الجوائز، علي غير ما يهوي العموديون والسلفيون وأهل النقل، لكن الماغوط، صاحب المعاكسة والمخالفة، عاكسنا وفاجأنا، بآخر ما في جعبته من مخالفة ومباغتة.
الماغوط هو الشاعر العربي الوحيد الذي بدأ مشواره الطويل بقصيدة النثر، وأنهي مشواره الطويل بقصيدة النثر، فلم ينزلق إليها - كما فعل كثيرون - بعد إقامة قصيرة في نص العمود، أو بعد إقامة قصيرة في نص التفعيلة، من هنا، فهو عندي واحد من أكثر الشعراء مبدئية في تاريخ الشعر العربي الحديث.
والماغوط هو شاعر النثر الوحيد الذي يستثنيه من الهجوم خصوم قصيدة النثر التقليديون، حينما يصبون طوفان اتهاماتهم الجائرة علي شعراء قصيدة النثر: مثل ركاكة اللغة أو التغرب أو الاستسهال أو العجز أو انعدام الأصالة، في كل هذه التهم "بصرف النظر عن صدقها أو كذبها" فإن التقليديين يخرجون الماغوط من دائرة الاتهام، لأنه تجربة أصيلة عميقة غائرة، ولأنه "نسيج وحده".
أعلم الآن، كم سيحزن دريد لحام (الذي شاركه "التقرير" و"الحدود" و"كاسك يا وطن")، وكم سيحزن أبوحيان التوحيدي، فهو مثله غريب في وطنه، وقال منذ قرون: "هذا غريب لم يتزحزح عن مسقط رأسه/ ولم يتزعزع عن مهب أنفاسه/ وأغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه/ وأبعد البعداء من كان بعيدا في محل قربه".
وكم سيحزن سعدالله ونوس وممدوح عدوان وأمل دنقل، فقد كانوا جارحين مثله، ومجروحين.
سلاما لمحمد الماغوط، الرجل الذي قال، في حواره مع عبده وازن: "إنني أحترم كل قصيدة، حتي لو كانت فاشلة، ولا أهزأ من أي قصيدة".
وقال: "أنا شاعر مقاومة، ولكن ليس علي طريقة الشعراء المنبريين الذين يصيحون ويصرخون".
ووصل عشقه المرير للشعر إلي أن صاح به: "سئمتك أيها الشعر، أيتها الجيفة الخالدة".
سلاما للشاعر الذي غني "خارج السرب"، وكان يتقدم إلي منصة استلام جائزة العويس، وهو يردد في سره:
"أخذوا سيفي كمحارب،
وقلمي كشاعر،
وريشتي كرسام،
وقيثارتي كغجري،
وأعادوا لي كل شيء،
وأنا في طريقي إلي المقبرة،
ماذا أقول لهم
أكثر مما يقوله الكمان
للعاصفة".

الحصار
شعر: محمد الماغوط
دموعي زرقاء
من كثرة ما نظرت إلي السماء
وبكيت
دموعي صفراء
من طول ما حلمت بالسنابل الذهبية
وبكيت
فليذهب القادة إلي الحروب
والعشاق إلي الغابات
والعلماء إلي المختبرات
أما أنا فسأبحث عن مسبحة
وكرسي عتيق
لأعود كما كنت
حاجبا قديما علي باب الحزن
مادامت كل الكتب والدساتير والأديان
تؤكد أنني لن أموت
إلا جائعا، أو سجينا.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة