هل من الوارد أن يشارك تنظيم سياسي في انتخابات دون أن
يكون واضعاً نصب عينيه الفوز بها كهدف أساسي من وراء دخوله
هذه العملية الانتخابية؟ و هل من يشارك في عملية سياسية من
الممكن ألا يكون معترفاً مسبقاً بشرعيتها التي منحته حق
المشاركة فيها و التي تعني ضمنياً موافقته علي هذه العملية
برمتها؟ أسئلة كثيرة أثارها فوز حركة حماس الذي كان
متوقعاً من خصومها قبلها هي نفسها،بعدما أسفرت الانتخابات
البلدية التي سبقت الانتخابات البرلمانية عن تحقيق الحركة
لنجاح كبير نافست به حركة فتح، رغم كل ما وضعته حركة فتح
الممثلة في السلطة -وقت إجراء هذه الانتخابات- من عراقيل.
السؤال الأكبر الذي يضع علامات استفهام متقاطعة و كبيرة
تكاد تغطي المشهد الفلسطيني برمته، هل لم يكن لدي حركة
حماس خطاب تواجه به الشارع الفلسطيني و المجتمع الدولي في
حالة انتقالها من صفوف المعارضة الرافضة للعملية السياسية
برمتها، إلي صفوف الحكومة؟ و هل ليس لدي الحركة بعد تصور
لخطاب سياسي واضح بشأن موقف الحركة من مختلف القضايا
السياسية الفلسطينية بعد مرور ما يقارب الثلاثة شهور علي
إعلان فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية؟
نتيجة لمقدمة قرر الاتحاد الاوروبي تعليق المساعدات المالية
المباشرة التي يقدمها الي الحكومة الفلسطينية، و أعلنت
الولايات المتحدة انها ستجمد مساعداتها الي الحكومة
الفلسطينية بعد ساعات من اعلان المفوضية الأوروبية
لقرارها، و أكدت الولايات المتحدة انها ستزيد من حجم
مساعداتها الانسانية للفلسطينيين من خلال وكالات وكالات
الاغاثة التابعة للأمم المتحدة بدلا من تلك التي كانت
تقدمها للسلطة الفلسطينية. وقال شون ماك كورماك المتحدث
باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن المساعدات الانسانية
التي تقدم للفلسطينيين ستزيد بنسبة 57% لتبلغ 245 مليون
دولار بينما سيذهب مبلغ 42 مليون دولار إضافية لمساعدة
المجتمع المدني والمؤسسات المستقلة.
علي الفور استنكرت حكومة حماس قرارات المفوضية الأوروبية و
القرار الأمريكي و اعتبرتها قرارات مجحفة وغير منطقية و
تسعي لإفشال حكومة الحركة و منعها من تنفيذ خططها و
برامجها. و اعتبر رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية
قرارات قطع المساعدات او تعليقها بأنها "متسرعة وفيها
اجحاف للشعب الفلسطيني وعقاب للشعب علي خياره الديمقراطي،
وفيها تناقض مع الأدبيات التي تطالب بها المجتمعات
الغربية". واعتبر هنية ان "هذه القرارات فيها تجاوز لقواعد
اللعبة الديمقراطية"
نعم كل هذا حدث بالفعل، لكن لماذا حدث ذلك؟ هذا هو
السؤال.. رفضت حركة حماس الاعتراف علانية بإسرائيل و هذا
موقفها، و قررت التراجع عن قرارات سابقة اتخذتها السلطة
الوطنية الفلسطينية التي سبق و أن انتخبها أيضاً الشعب
الفلسطيني مثلما انتخب حركة حماس. بذلك خرقت حماس ما هو
متفق عليه في قواعد اللعبة السياسية التي يتحدث عنها هنية
و سبق له أن وافق عليها. فطالما قررت الحركة خوض
الانتخابات البرلمانية التي يشكل الفائز بها الحكومة
الفلسطينية أي يكون حاملاً لتفويض من الشعب الفلسطيني
لإدارة شئونه، فإنها قد شاركت في العملية السياسية التي
بدأت بتوقيع كل من الفلسطينيين و الاسرائيليين لاتفاقات
تقضي باعتراف كل منهما بالآخر، هذه مقدمة، و نتيجتها هي
اعتراف ضمني من حركة حماس بإسرائيل.
حرج الخطاب علي مدار سنوات طويلة اكتسبت حركة حماس قسماً وافراً
من شعبيتها من خلال استخدامها لخطاب شعبوي قائم علي إلقاء
إسرائيل في البحر، و تخوين الجالسين علي مائدة المفاوضات،
و تحميل حركة فتح و السلطة الفلسطينية كل جرائم الاحتلال
ضد الشعب الفلسطيني، و متهكمين علي مناشدات المسئولين
الفلسطينيين للمجتمع الدولي لوقف العدوان الإسرائيلي علي
الشعب الفلسطيني. بهذه المقدمات حصدت حماس نتاج يأس الشارع
الفلسطيني، و استثمرته بخطاب قومي- ديني، و كانت النتيجة
وصولها إلي مقاعد السلطة. لكن المصيبة أنها وصلت إلي
السلطة دون تكوين خطاب سياسي واضح للداخل قبل الخارج،
لأنصارها قبل خصومها، خطاباً تكون قادرة به علي إدارة
الملفات الموكولة إليها.
أين كتائب القسام: بعدما وصلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلي مقاعد
السلطة ماذا حدث؟ هل من باب المصادفة ألا تنفذ فصائل
المقاومة الفلسطينية أي عمليات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي
منذ تولي حكومة حركة حماس للحكومة،فيما عدا عملية يتيمة،
نفذتها كتائب شهداء الأقصي التابعة لحركة فتح. ألا يدفع
هذا الأمر لسؤال مشروع: أين ذهبت الأذرع (و الأرجل)
العسكرية لحركة حماس؟!. عندما كانت حركة فتح في السلطة
كانت حركة حماس تقيم الدنيا ولا تقعدها بعد كل عدوان
إسرائيلي و تخرق أي هدنة يتفق عليها من أجل تحقيق مكاسب
لها في الشارع بغض النظر عن مصلحة الشعب الفلسطيني، و كم
من مرة وصل الأمر إلي الاقتتال الداخلي بين مقاتلي الحركة
و بين السلطة الفلسطينية.
العودة إلي المربع صفر يتساءل محمود الزهار وزير الخارجية الفلسطينية في
حواراته مع كل وسائل الإعلام عمّا سيحصل عليه الفلسطينيون
لو اعترفت حماس بإسرائيل، كما لو كانت سنوات من المفاوضات
الشاقة التي تمت بين السلطة الفلسطينية السابقة و بين
الإسرائيليين لم تكن تسعي للإجابة عن هذا السؤال.
كل المؤشرات تقول إن الحركة لم تطور بعد خطاباً تواجه به
الشارع الفلسطيني الذي سبق و عبأته بخطاب شعبوي وطني حول
الاستقلال التام، و استغلالها مشاعر الناخب الفلسطيني في
مصلحتها دون أن يكون لديها ما تقدمه له فعلياً من كل ما
قطعته علي نفسها من وعود في الشأن الوطني. وبالنظر إلي
تراجع حماس عن موقفها الواضح من عدم الاعتراف بإسرائيل إلي
خطاب الدولتين و الحلول الوسط، ألا تثير هذه السرعة الشكوك
في احتمال انتقالها بالسرعة نفسها للتخلي عن ملفات أخري
أكثر مصيرية في حياة الشعب الفلسطيني؟
إن سؤال وزير الخارجية الفلسطينية محمود الزهار و الذي بات
علي لسان جميع الناطقين باسم الحكومة الفلسطينية الجديدة
حول "ما يمكن أن يقدم لهم لو اعترفوا بإسرائيل؟" يعود
بالأمور إلي المربع رقم صفر مجدداً، لما قبل اتفاقات أوسلو
التي سبق و وقعها ممثلون منتخبون أيضاً من الشعب
الفلسطيني. بل و يعطي إسرائيل الحق في التنصل من كل ما سبق
أن وقعته من اتفاقات مع السلطة السابقة.
بعد كل هذه المقدمات لا يصبح السؤال هو هل فوجئت حماس
بقرار الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة بقطع مساعداتهم
عن حكومتها؟ بل يتصدر المشهد سؤال واحد "هل تعيد حماس
القضية الفلسطينية إلي المربع رقم صفر؟"