نجاح التنمية في الإمارات يتوقف علي توفير أبعاد سياسية وثقافية واجتماعية أوسع
مؤسسة اتصالات الإماراتية تدخل السوق المصري حتي إذا لم تربح رخصة المحمول الثالثة
رسالة أبوظبي - دبي: مصباح قطب
تسود دولة الإمارات العربية المتحدة في الوقت الراهن،
حالة من الزهو الوطني، يصعب تجاهلها، ويسهل تفهم دوافعها،
هنا حديث يتنامي، عن "الحلم الإماراتي"، تم تتويجه مؤخرا
بإعلان رسمي عن طموح الإمارات لأن تكون "أكبر قوة اقتصادية
في المنطقة خلال ال 25 عاما المقبلة"، هناك مخاطر في
التجربة التنموية الإماراتية لا يمكن التعامي عنها، لكن
اللغة الغالبة حاليا، هي لغة الحديث عن أن "لدينا":
"الأضخم" - "الأعلي" - "الأول" - "الأكبر" - "الأفخم"،
سواء علي مستوي الشرق الأوسط "يستبعدون منه إسرائيل بشكل
تلقائي" غير أن المبهر حقا، هو ما يتعلق بصفة خاصة
بالحيوية الدافقة وسرعة الإنجاز في تنفيذ المشروعات.
ومن الاختزال الشديد أن نعيد ما يجري في الإمارات إلي
الفلوس وحدها، فالاحترافية الشديدة في الكثير من الأعمال،
هي رؤية وقرار قبل أي شيء آخر، كما قال لي د. دعاء فارس
مدير أكاديمية "اتصالات" هنا، وأحد أقطاب مجموعة الاتصالات
والمعلوماتية في مركز معلومات مجلس الوزراء المصري "مع د.
نظيف ود. هشام الشريف وغيرهما".
وفي اعتقادي، وكما لمست خلال زيارة سريعة للإمارات، بدعوة
من مؤسسة "اتصالات" (60% حكومة + 40% مساهمات خاصة) أن
النموذج التنموي الإماراتي لو استطاع عبور فجوات التشكيلة
الإنمائية المعتمدة علي الخدمات المالية والتسويقية
والعقارية والقليل من الصناعة، وتمكن من إضفاء أبعاد
سياسية وثقافية واجتماعية أوسع، علي التجربة، وشمول كل
القائمين عليها من مواطنين ووافدين فسيقيم لنفسه حائط صد
دفاعيا قويا ضد اي أطماع، من خلال ترسيخ صورته في المخيال
العالمي كملتقي للتنوع وكنموذج للسلام مع النفس والآخرين،
في كل خطوة كان من الصعب علي - أنا وزملائي - أن نري
محدودية الدور المصري في تشكيل ما يجري هنا، لكن تجاوز هذه
الحالة إلي فهم أوسع لما يجب أن يكون عليه دور المركز
"مصر" الجديد، في إقامة تكامل عربي من نوع جديد أيضا، قائم
علي جدلية الوحدة والتنوع، يمكن أن يمنحنا كمصريين، فرصة
أفضل لفهم ما يجب علينا عمله تجاه أنفسنا، وتجاه عالمنا
العربي، بلا استعلاء وبلا دونية أيضا، لقد أدخلت الإمارات
من خلال "اتصالات"، خدمة الهاتف الجوال عام 1982 أي قبل
مصر بنحو 14 عاما، وفي مواجهة شيء كهذا ليس يكفي أن نقول
إن أول حاسب آلي دخل المنطقة كان في مصر (في معهد التخطيط
القومي عام 1968)، أو أن أول قسم لهندسة الاتصالات في
المنطقة أقيم في مصر "جامعة الإسكندرية"، ولكن المرء يتصور
أن علي مصر، بثقلها الثقافي الحضاري، أن تقدم - مثلا -
نموذجا قيميا جديدا يليق بالعصر المعلوماتي.
كان واضحا لي خلال جولات في الشوارع وتفحصات أن ثمة
محاولات من جانب دول عربية أخري لاستقطاب الاهتمام
الإماراتي، ولو علي حساب العلاقات المصرية - الإماراتية،
وأظن أن أول زيارة خارج مجلس التعاون الخليجي سيقوم بها
رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد سيكون لها ألف مغزي.
علاقات حكيم العرب المرحوم الشيخ زايد بمصر، لن يعاد
إنتاجها كما هي، وإن ظل أبناء الشيخ وأبناء الإمارات عموما
علي حبهم لمصر والمصريين، فالزمان اختلف، حيث علاقات الجيل
الجديد الحاكم في مصر الآن مثلا بالعام العربي، ليست
علاقات ناصر أو السادات أو حتي مبارك بالعرب.
ما كان يقدمه الشيخ زايد من عون في صورة منح لإنشاء مدن أو
ترع يطلق عليها اسمه، سيأخذ الآن شكل إبداء الرغبة في
الاستثمار في مصر في مجالات تحقق للجانب الإماراتي هو
الآخر ربحا، إنه شكل أفضل لو أحسنا التعامل معه، إحدي نقاط
البدء في تدشين العلاقة الجديدة قد تكون زيارة من الشيخ
خليفة لوضع حجر الأساس لمشروع إماراتي كبير في مصر
"استثماراته بمليارات الدولارات" أو للاحتفال بفوز شركة
اتصالات بالرخصة الثالثة للمحمول إذا حدث.
والتنافس علي الشبكة الثالثة مستعر، وسيفوز بها الأجدر
ماليا وفنيا، لكن محمد عمران رئيس الشركة الإماراتية خريج
هندسة القاهرة قال لنا: إن "اتصالات" ستدخل السوق المصرية،
سواء ربحت رخصة الثالثة أم لا، لأنها تعلم يقينا أن
النافذة المصرية لا غني عنها بالنسبة لطموح اتصالات لأن
تكون من بين أكبر عشر شركات محمول في العالم خلال خمس
سنوات (يوجد في العالم العربي الآن 46 مشغّلا).
لقد نشأت اتصالات عام 1981 تحت اسم "الإمارات تليكوم"، ثم
تحولت إلي الاسم العربي عام 1986بتوجيه من الشيخ زايد..
نشأت جنبا إلي جنب مع تطلعاتها العابرة للمحلية وهي تعمل
حاليا في 14 دولة في آسيا وإفريقيا، ورغم أن معدل انتشار
المحمول في الإمارات يصل إلي 100% من العدد الكلي للسكان
تقريبا، إلا أن المؤسسة، تراهن، ومع فتح الباب للتنافس في
السوق المحلية اعتبارا من أول يوليو المقبل، علي توسيع
السوق وتقديم خدمات جديدة، خاصة في مجال الجيل الثالث،
والجيل الثالث ونصف، وخدمات رد الاعتبار للتليفون الثابت،
بإدماجه في خدمات "المالتي ميديا"، وتوسيع السوق، حتي لو
استفاد منه الجميع، هو رهان "اتصالات" في مصر أيضا، وقد
طبقت الفلسفة في السعودية "موبايلي" وكسبت الرهان، رغم أن
كثيرين قالوا إن المبلغ الذي دفعته للرخصة الثانية للمحمول
هناك ضخم، وأن العائد المتوقع هزيل، لقد سمعنا خلال
جولاتنا داخل المباني الرئيسية ل "اتصالات" "المترعة
بالفخامة" ووحداتها ومراكزها المختلفة، عبارة: الأولي في
الشرق الأوسط - الوحيدة في كذا - الكذا علي مستوي العالم
في كيت، بل والأولي علي مستوي العالم في تشغيل الهواتف
الجوالة عبر الأقمار الصناعية "الثريا"، سمعنا ذلك أكثر من
ثلاثة عشر مرة، لكن من مناقشات مع د. عثمان لطفي، علم
أعلام أساتذة الاتصالات بعد عودتي، ومع آخرين، لتقييم
تجربة "اتصالات"، أوضحت جوانب أخري.. صحيح أن الرقعة
الجغرافية الصغيرة وعدد السكان القليل نسبيا والدخل العالي
في الإمارات، كلها لا تقلل من حجم إنجازا الإمارات
الداخلي، ثم الخارجي، لكن أمام اتصالات تحدي الحفاظ علي
الحيوية في ظل كونها مؤسسة حكومية عرضة لضغوط بيروقراطية،
وتحدي دخول الأسواق المستقرة التشبع "مثل أوروبا" حيث إن
وجودها في إفريقيا (7 دول) حتي في الوقت الذي ينسحب فيه
نجيب ساويرس نسبيا منها محكوم عليه، رغم نجاحه، بأن يكون
مرحلة انتقالية.
وفي هذا الصدد أود فقط أن أشير إلي أن دخول مؤسسة إماراتية
رسمية بهذه القوة إلي إفريقيا، حتي بدون الحاجة إلي معهد
الدراسات الإفريقية المصري العتيد شيء يشد الانتباه ويقرع
الأجراس.
ستواجه "اتصالات" أيضا تحدي الاستمرار في أهم مغامرتين
قامت بهما، "وهي ناجحة حتي اللحظة" الأولي هي الثريا
بتقديم الخدمة عبر الأقمار الصناعية في المدارات المرتفعة،
بعد أن أفلست "الإيريدويوم" "خدمة من خلال أقمار منخفضة
المدار وعرضت لمشاكل بسبب الإشعاع وبقايا الهواء"،
والثانية هي شركتها لتقديم خدمات مد وصيانة كوابل الألياف
البصرية تحت البحر، وهي للحق من الشركات القليلة جدا في
العالم، وستضطر اتصالات لمراجعة بالضرورة، حيث إنها من
شركات الاتصالات القليلة في العالم التي يدور في فلكها مثل
هذا العدد من التوابع "شركة تليفزيون كيبل - كوابل بحرية -
مصنع بطاقات إلكترونية - الثريا - أكاديمية - غرفة مقاصة
بيانات - مقسم إنترنت" إلخ وفي كل الحالات، فإن المواطن
المصري، سيحكم علي اتصالات بمعايير مختلفة، وهو ينتظر من
شركة عربية، ما لا يتوقعه من شركات أخري، وأعتقد أن قضايا
الأسعار وإعادة تدوير الأرباح وتشغيل المصريين، والعلاقة
مع المجتمع، ستكون حاكمة في هذا الشأن، وقد لاحظت أن ل
"اتصالات" مبادرات اجتماعية قوية وذكية ومختلفة في بلدها،
لكن ذلك غير ملحوظ في الدول الأفريقية التي تعمل بها، وقد
قلت ذلك لمحمد عمران، وأعتقد أن لديه ما يجيب به عمليا،
سواء في مصر، أو في غيرها، وقد تحدث هو مليا عن دور
"اتصالات" البارز في تجسير الفجوة الرقمية، ضمن مبادرة
للاتحاد الدولي للاتصالات وآخر في مجال التعليم للجميع،
ضمن مجموعة ال 77 في الأمم المتحدة، وفي اعتقادي - المحرر
- أن الصراع الطبقي المعلوماتي والمعرفي، أصبح يسبق الصراع
الطبقي التقليدي الذي ارتبط بحقوق العيش والأكل والشرب
والأرض والسكن، ولذلك فإن أي شركة، مصرية أو عربية أو
أجنبية، تتجاهل ذلك، أو تسهم في تعميق المسافات الطبقية
المعرفية، بتقديم خياراتها وخدماتها للقادرين فقط، أو عدم
المشاركة المجتمعية في نشر التعليم والمعرفة الرقمية
للجميع، لن يكون مرحبا بها، مهما كانت كفاءة القائمين
عليها.