يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1273 (5 - 12) ابريل 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

د. شبل بدران:

 
 

هل هناك إصلاح سياسي؟!

 
 

 

 

  لم نسمع عن الإصلاح بالمعني المتداول الآن سوي منذ عقود ثلاثة مضت، وكان الإصلاح الذي نسمع عنه ونعيشه هو: إصلاح بوابير الجاز حينما كان يمر شخص يعرف بعض المباديء الأولية لإصلاح بوابير الجاز وتنحصر مهمته الأساسية في إصلاح تلك البوابير المعطلة بصورة تساعدها علي العمل من جديد وبنفس الهمة السابقة، ولكن ومنذ العقود الثلاثة الماضية أخذ مفهوم الإصلاح علي جميع الأصعدة يملأ الفضاء السياسي في وطننا فسمعنا عن الإصلاح بدءا من الانفتاح الاقتصادي مرورا بإعادة الهيكلة، وتحرير الاقتصاد، وآليات السوق، والخصخصة، والذي كان يهدف في التحليل الأخير إلي تخلي الدولة عن دورها في مجال الخدمات التعليم، الصحة، الإسكان.. إلخ، وأصبح مفهوم الإصلاح السائد في الخطاب السياسي هو مزيد من الرسملة والتوجه نحو آليات السوق.
وعلي الصعيد السياسي انحصر ذلك المفهوم في التحول الديمقراطي وإعطاء الجماهير المزيد من الحريات في التعبير وتكوين الأحزاب، والشفافية والمحاسبية، وهبطت علينا الأجندة الأمريكية بعد حرب الخليج الأولي وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق بأولويات نحو الإصلاح السياسي في عالمنا العربي وفي القلب منه مصر بالطبع، وشهد الواقع السياسي المعيش بعض الحراك السياسي نحو فكرة تعميق الديمقراطية وحرية التعبير والتي تمثلت في خروج الجماهير إلي الشارع بعد حرمان طويل لها من إمكان الفعل السياسي المباشر، ولقد تجسد ذلك في ظهور بعض الحركات الاحتجاجية التي كان ظهورها أمرا طبيعيا لحالة الحراك السياسي.
ولقد تبنت مكتبة الإسكندرية التي ظلت تمارس نشاطها الثقافي والأدبي والسياسي بشكل نخبوي بعيدا عن الجماهير صاحبة المصلحة والتي تسعي كل الأنشطة التي تمارسها المكتبة إلي الارتقاء بتلك الجماهير وتحسين أحوالها ووعيها من خلال دراسة الواقع ومشكلاته وقضاياه، وتأتي مبادرة مكتبة الإسكندرية بوصفها منارة للحضارة للربط بين الشمال والجنوب، وتقديم صورة الحضارة المصرية والعربية إلي العالم الخارجي، كانت مبادرتها في مارس 2004 مع بعض مؤسسات المجتمع المدني في إقامة أول مؤتمر عربي حول الإصلاح السياسي والثقافي، وتمخض المؤتمر عن وثيقة الإسكندرية مارس 2004 للإصلاح العربي، وقد دعمت القيادة السياسية المصرية ذلك المؤتمر بحضورها ومساندتها لكل الأجندة التي تم الاتفاق حولها من الهيئات والمؤسسات التي أقامت المؤتمر والتي جمعت لفيفا من كل ألوان الطيف السياسي والثقافي العربي من كتاب ومفكرين ومبدعين.
وتوالت مؤتمرات مكتبة الإسكندرية حول الإصلاح السياسي، ففي مارس عام 2005 تم عقد المؤتمر الثاني للإصلاح، وأخيرا في مطلع الشهر الجاري من 1 - 3 مارس 2006 عقد المؤتمر الثالث للإصلاح السياسي، ولقد تم المؤتمر وانتهي في صمت غريب وكأن العالم المحيط بنا والناس والبشر المستهدفين من ذلك المؤتمر لا علاقة لهم بهذا الأمر من قريب أو بعيد وكرست المكتبة مفهومها حول الإصلاح السياسي بوصفه عملا نخبويا، تقوم به النخبة نيابة عن الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقية في ذلك الأمر، ولم تناقش المكتبة في مؤتمرها الثالث حول الإصلاح السياسي، ما تم إنجازه في المؤتمرين الأول والثاني وإلي أين وصل؟ وما المعوقات التي حالت دون تنفيذ أجندة الإصلاح العربية والمصرية؟ هل المعوقات ترجع إلي طبيعة الجماهير التي ترفض الإصلاح؟! أم إلي طبيعة النظام السياسي الذي لا يرغب في عمل إصلاح حقيقي يحقق نقلة نوعية في الحياة السياسية والثقافية؟!.
إن مؤتمرات الإصلاح التي تنصرف إلي الحديث حول الإصلاح السياسي من خلال جمع لفيف من الكتاب والسياسيين والمبدعين والمثقفين لا يعني أن هناك إصلاحا يتم أو يمكن أن يتم، إن الأمر الذي كان في أمس الحاجة إلي الفهم والإدراك والمناقشة والبحث هو ماذا تم في أجندة الإصلاح الأولي والثانية؟ وما المعوقات التي حالت دون تنفيذ ما ورد بالأجندة وتم الاتفاق حوله، أما أن تفتح المكتبة أو أي مكان آخر أبوابه سنويا للحديث حول الإصلاح بوصف الأمر مكلمة سنوية أو طقسا سنويا أو شعائر تمارس دون إدراك حقيقي للفعل والإنجاز، فهذا أمر غريب ومتناقض وغير جاد.
وفي الصورة المعيشة يعج المجتمع بظواهر للفساد غير مسبوقة، حتي أصبح الفساد في وطننا قانونا اجتماعيا له آلياته ونظمه، ولم يقتصر الفساد علي الأفراد، بل امتد إلي فساد المؤسسات فمحرقة الفنانين الشبان للمسرح في بني سويف، ونهب أموال الناس من البنوك، وسيطرة مافيا الإعلام في جهاز الإعلام، وعبارة السلام 98، وإنفلونزا الطيور، إلي حبس الصحفيين الشرفاء، إلي سيطرة رجال العمائم ورجال المال علي البرلمان والوزارة.. إلخ.
من هنا فإن حديث المؤتمرين للإصلاح في مكتبة الإسكندرية في مارس 2006 حول الفساد والشفافية ونزاهة الحكم وتداول السلطة، وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة، والطفولة المهددة، وإلغاء حالة الطواريء، والإفراج عن المعتقلين دون تهم للآن، وتداول السلطة وحرية التعبير، وتكوين الأحزاب، وإصدار الصحف، وحرية الصحافة، حديث في الهواء ولا يعدو إلا أن يذكرني بالرجل العجوز الذي كان يمر في شارعنا ينادي علي إصلاح بوابير الجاز.
لقد آن الأوان لكي ينصرف الحديث لا عن الإصلاح ولكن عن معوقات الإصلاح، والقوي صاحبة المصلحة في الإصلاح، وتلك صاحبة المصلحة في بقاء الحال علي ما هو عليه، إن كشف التناقض ورفعه أمر جوهري مقرون وملامس للحديث حول الإصلاح، فلا إصلاح دون تشريع سريع، وقوي اجتماعية واعية تسعي ليل نهار نحو رفع التناقض وكشف المصالح حول من يريد الإصلاح الحقيقي، ومن يقوم بتزييف وعي الناس.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


[articles/inc-foot.htm]