يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1273 (5 - 12) ابريل 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

طوق النجاة من أفكار الغلاة

 
 

عماد طه

 

  ظهرت النبوءات والرسالات والفلسفات لتحديد الإطار العريض لمشروعية التقدم الفكري للإنسان نحو تحقيق ذاته الحضارية، وحقه في حرية الممارسة العقلية، لتشكيل البناء المعرفي بما يكفل سعادته، مادام محافظا علي جذوره المعرفية والوجدانية الأصلية داخل الإطار المشروع.
يمثل الفكر العقلي والوجداني الدعامة المحورية في توجيه إرادة الإنسان وتشكيل حركته - وتارخيه وتحديد مستقبل وجوده إيجابا وسلبا - ولعل تاريخ الإنسان خير شاهد علي أن الحضارات التي تشكلت عبر القرون، كانت نتيجة طبيعية للتدافع الفكري والوجداني للعقل البشري نحو استقراء التجربة الحياتية للإنسان، والكشف عن الحقوق والممارسات الفطرية من الحرية والعدل لتنمية الحياة.. وتفعيل القيم الذاتية لدي الكينونة الإنسانية لتطوير منظومة التفاعل بين المواهب العقلية والنفسية لديه.. وبين المؤشرات الإيجابية لحركة الكون حوله، واستثمار الأدوات المعرفية في النفس والكون.. لتحقيق أعلي معدل لرفاهية الإنسان والارتقاء به من الارتكاس الفكري في ثقافة الطين، بما فيها من جمود وثبات ودونية في الممارسة، إلي السمو العقلي والوجداني، لملامسة حدود الغاية الكريمة التي جاء الإنسان - بما يحمل من طاقات وقدرات - لتحقيقها.

مشروعية التقدم الفكري
ظهرت النبوءات والرسالات والفلسفات لتحديد الإطار العريض لمشروعية التقدم الفكري للإنسان نحو تحقيق ذاته الحضارية، وحقه في حرية الممارسة العقلية، لتشكيل البناء المعرفي بما يكفل سعادته، مادام محافظا علي جذوره المعرفية والوجدانية الأصلية داخل الإطار المشروع.
ولقد ظل الأنبياء وعقلاء الفلاسفة مرابطين علي الأدوات المعرفية، التي تحقق التوازن الحضاري التنموي بين الإنسان والطبيعة، فكانت الحضارات السعيدة هي التي اعتمدت مبدأ التفكير العقلي والوجداني، الذي حافظ علي العقل الحر وحدوده الطليقة، دون اعتداء علي الحقوق الفطرية للإنسان وحقه في حياة رفيعة سقفها الحرية والعدل، والمساواة.. فكانت منارات معرفية مقروءة منظورة، واندثرت حضارات غابت عنها الممارسة العقلية للحقوق الفطرية المشروعة للإنسان، وتاهت في صحراء فكر خرج عن الإطار العريض المعتمد للتطور الوجداني والمادي لقوانين الكون، فدخلت في صراعات نفسية وخارجية، وخرجت من الكتاب المنظور.

القيود المانعة للتقدم
وكانت حضارة المسلمين.. بما تمتلك من جذور عميقة للفكر العقلي التحرري من أوهام القيود المانعة للتقدم النفسي والمادي، هي الخيط الرفيع الممدود في بطن جميع الحضارات المقروءة والمنظورة!! وتشهد بذلك مكتبات قرطبة وروما والكونجرس!، إلا أنه من المؤسف أن الخيط الحضاري في ثقافة المسلمين الذي ارتفعت به ثقافات طينية جامدة في أوروبا، لأن العقول به اشتغلت هناك!، قد انتقل عند المسلمين من القلوب والعقول إلي الأفواه والأشداق، وأصبحت الممارسة العقلية للحقوق الفطرية لسقف الحياة الكريمة، تحركات نزوية لستائر البطون والفروج!! فانتفخت عروش وكروش باسم الإسلام!!، وأصيبت العقول بالظمأ الفكري، وتكلست الطروحات تحت الجمود والتقليد، وغابت الأحلام خلف الأمنيات والأوهام، وكانت إصابة العقل الإسلامي الحضاري في مفاصل فطرية حاكمة.. أصابت مستقبل المسلمين بالوهن رغم النتوءات التنويرية التي ظهرت كبقع فكرية علي ثياب التخلف والاستبداد والانحدار الأخلاقي، وكان التمزق الوجداني، والفكري!!

الجهاد الأدبي والمادي
تحت جلباب الخلافة الموهومة كالسوس ينخر في ثقافة الأمة ليصل التآكل الجسدي والروحي، إلي منتهاه بعد التآكل العقلي منذ قرون طويلة!! إن الذوبان والانهيار الحضاري للمسلمين اليوم هو نتيجة حتمية.. لغياب الممارسة العقلية للحقوق الفطرية المشروعة، داخل الإطار العريض الذي دشنه الأنبياء والأوصياء ونجباء الفلاسفة، عبر تاريخ ضخم من الجهاد الأدبي والمادي للتنويريين الأحرار، والذي حل محله فكر الارتزاق! بأفواه فاغرة امتلأت بحروف وعظية! ربما أبكت العيون لكنها لا تحرك قلوبا أو عقولا؟!، اتسعت البطون، وانتفخت حروف دعوية لاستقطاب العامة وتغييب الوعي وتكريس الجمود والديكتاتورية، وتشدقت الألسن بعودة الخلافة الراشدة.. وأستاذية العالم باسم الإسلام وهم وأجدادهم يعلمون فقدان الأدوات الموضوعية لذلك بعد طي الخطوط الحضارية الأصيلة في الثقافة الإسلامية، خلف ثقافة الأسرة والقبيلة!! وإقصاء العقول المستنيرة الحاكمة.

إخفاء معالم الجريمة
ومع تقديري واحترامي لمقام مفكرين وفقهاء وكتاب في الأمة الإسلامية.. إلا أنني أصاب بالدهشة للطريقة التي عالجوا بها تاريخ المسلمين بعد وفاة النبي - صلي الله عليه وعلي آله وسلم - بالشكل الذي أخفي معالم الجريمة الحضارية لعلماء وخلفاء! لطمس الحقوق الفطرية من الحرية والعدل للشعوب المسلمة وغير المسلمة، ففي الوقت الذي حاول أبوهريرة.. الصحابي، نقل كلامه وأفكاره في صورة أحاديث نبوية! تكرس التبعية للاستبداد! والمحافظة علي سلطان الظالمين، وتغييب الحقوق المشروعة لشيعة آل البيت النبوي؟؟ في قيادة الأمة نحو الحرية السياسية والعلمية، لتحقيق التماسك الحضاري لكيان الأمة من الانفراط، وهو ما حدث بالفعل من تشتت للأمة بالصراعات الدموية بين من يسمون الصحابة!! وبين القيادة الفعلية الشرعية المختارة شرعا وشعبا من آل البيت النبوي الكريم.. يوضع الفكر الهريري - نسبة لأبي هريرة - في موضع القداسة بزعم أنه صحابي؟! مهما خالف العقل والمنطق، فأين العقل النقدي المغروس في الثقافة القرآنية؟ وعندما يقرر محمد الغزالي - رحمه الله - أن ما فعله يزيد بن معاوية بالمسلمين عموما وبشيعة آل البيت خصوصا يفوق ما فعله بختنصر باليهود، ويعترف الغزالي أن هذا اليزيد الناقص الفاسق ربيب الديكتاتورية لا يصلح لإدارة مدرسة ابتدائية!! يذكر بعض المفكرين أن يزيد بما فعله من قمع للحريات، وتدمير للأخلاقيات، مشهود له بالصلاح والجنة؟!! من المستفيد من هذا الفكر التغييبي لوعي الأمة؟.. لتثبيت الاستبداد السياسي الذي هو عصب تخلف الأمة وموتها التاريخي، إن الفكر التلميعي عندما يقوده مفكرون لهم مكانتهم الإعلانية لتحسين صورة المسخ السياسي، والانحراف العقائدي، وقطع أواصر الأمة، هو الذي يضع أقفالا صدئة علي عقول شباب يموت ساعة ميلاده، بفعل التلوث الفكري، وسرطنة التاريخ!.

تفكيك الثقافة الموروثة
وليس أعجب من بعض الكتاب الذي يدفعهم هذا العور التاريخي في سيرة بعض الحكام إلي افتعال الصدام بين جناحي الأمة من السنة والشيعة، بتفكيك ثقافة موروثة حول بعض الأبطال التاريخيين بما يكرس ثقافة الفرقة والكراهية في وقت نحن في أمس الحاجة لصناعة تاريخ جديد لأمة عظيمة بعد أن تكالب عليها الأعداء من كل ناحية، ومن أسف أن هؤلاء الكتاب لا يبحثون عن مصلحة الأمة في الاتحاد ونسيان الماضي ومحاولة بناء مستقبل جديد إنما تشغلهم أسماؤهم بحبر مطبوع علي ورق منشور، وجيوب تمتلئ بورق مدفوع، في القرن الرابع الهجري حكم العراق رجل يدعي ببجكم التركي من قبل الخليفة العباسي، وكان يفهم العربية ولا يتكلم بها!! فدخل عليه وسط جلسائه رجل واعظ يجيد استعمال مفردات الثقافة الغرضية..! فوعظه بكلام بليغ من نوعية كلام بعض الكتاب والمتحدثين اليوم في التاريخ الإسلامي!! فبكي الأمير بجكم التركي.. متأثرا بموعظة الشيخ، وعندما خرج الواعظ تحرك الحس السياسي للأمير، فأراد أن يعرف هل الرجل الداعي للثقافة الإسلامية يريد إحياء معالم الحضارة الرشيدة أم هو وعظ ارتزاقي.. من أجل المواطنة ولقمة العيش؟! فأرسل في أثره رجلا يحمل له مائة ألف درهم مكافأة علي إجادته فن الوعظ، وقال لجلسائه.. أظن أنه لن يقبلها؟ وعندما عاد الرسول بغير المال، ضحك الأمير السياسي الداهية وقال كلنا صيادون.. ولكن الشباك مختلفة، البداية والنهاية ابن كثير بتصرف.

نصب الشباك الوعظية
وبهذه العقول سقطت الخلافة الأموية، والعباسية وتآمروا علي الخلافة الفاطمية، واستبد العثمانيون بمفردات الثقافة! وزيفوا وعي الأمة باسم وحدة الخلافة وأصبحنا رعايا لا مواطنين، وجاء الإخوان المسلمون لاستكمال المسيرة الاستئصالية لعقل الأمة، وتغيب وعيها، وإحياء سياسة يزيد الفاسق؟ وسليم الأول المنتهك لحرمات المسلمين سنة وشيعة، والبناء علي أطلال صلاح الدين وقلعته للاختباء من الشعب؟! وطالما وجد في الأمة من ينصبون الشباك الوعظية لاصطياد عقول شبابها لتفريغها من قيم الحرية العقلية وملئها بالأساطير وثقافة المعابد من السمع والطاعة.. فلن يكون لنا مكان ولا مكانة - بتركنا المرتزقة يعبثون بالساحة الثقافية والسياسية والاقتصادية ولا أظنهم يستطيعون بفعل الوعي النامي الآن، إن الثقافة القرآنية الحية بيننا الآن كما أنزلت، تحتاج إلي ترابط عقول مخلصة متجردة قلبيا من الغرض والهوي، لتفعيل ثقافة قبول الآخر مهما كان، والوقوف علي أرضية جدلية تنطلق من فرضيات واقعية يحكمها العقل الحر لتحقيق التنمية المستدامة لتطوير واقع مرير لأمة عظيمة - إذا أجادت التعامل مع أدواتها المعرفية النفسية الكونية، وكما كنا سوف نعود.. إذا أهملنا مفكري الارتزاق المكرسين لتمزيق وحدة الأمة وأفسحنا المجال لكل صاحب عقل حر، وقلب حي، لا هوي له إلا الجنة.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


[articles/inc-foot.htm]