كانت الساعة قد قاربت علي منتصف الليل عندما هبطت في
مطار تونس.. سرت في الممرات بين جدرانها الرخامية التي
ازدانت بمساحات من الفسيفساء الملون، خارج الحاجز في صالة
الانتظار لمحت رجلا أدركت من نظراته أنه جاء للقائي، لم
أكن أتصور أنني سأجد كل هذه الحرارة والمودة والجو
العائلي.
مربع الجسد أسمر البشرة لمعت عيناه بابتسامة ترحاب وهو
يتقدم نحوي، وقال أنا اسمي مختار ابن حفصة أرسلني الأصدقاء
لاستقبالك، هل كانت رحلتك مريحة؟
قلت: الحقيقة كانت متعبة وطويلة، جئت إلي تونس عن طريق
ميلانو .
قال : سآخذك إلي منزل الأستاذ فتحي الشامخي، وهناك
ستستريح، لكن علينا أن ننتظر في المطار قليلا لاستقبال
زميل قادم من اليونان اسمه يانس توليوس فهو سيقيم أيضا في
دار الصديق فتحي ومعكما ثالث من أمازيج المغرب يدعي محمد
أجغوب.
خطر في بالي أن إقامتي في تونس ستكون مرهقة، إننا قد نبيت
نحن الثلاثة في غرفة واحدة، تذكرت أنني أقمت لمدة سنوات في
زنازين السجن مع أربعة عشر من زملائي في السياسة، لكن
سرعان ما تبخرت هذه الخواطر ففي تلك اللحظة لمحنا يانس
توليوس مقدما علينا، وهو خبير اقتصادي ينشط في الحركة
اليسارية اليونانية تعرفت عليه في قبرص أثناء اجتماع لجنة
التنسيق الدولية الخاصة بالمنتدي الاجتماعي للبحر الأبيض
المتوسط.
هذا المنتدي مثل غيره من المنتديات الاجتماعية الإقليمية
متفرع من المنتدي الاجتماعي العالمي وهي جميعا عبارة عن
فضاءات شعبية يجتمع فيها ممثلو الحركات الاجتماعية في
القطاع المدني من مختلف البلاد للتشاور، والتباحث وتنسيق
النضال ضد العولمة الرأسمالية الليبرالية، ومن أجل نظام
عالمي جديد تسود فيه العدالة الاجتماعية والديمقراطية
والسلام. عندما خرجنا من المطار كان الجو بارداً، وكان
المطر يسقط من السماء في سيول فحشرنا أنفسنا بسرعة في
سيارة صديقنا التونسي. قرب الساعة الواحدة بعد منتصف الليل
وجدنا أنفسنا أمام فيلا بيضاء محاطة بسور عال، أخرجنا
الحقائب من السيارة وضغط صديقنا مختار علي مفتاح الجرس
فانفتح الباب فورا لنجد امرأة تنتظرنا أعلي السلم عند باب
من الزجاج الملون والحديد المشغول، كانت ترتدي جلبابا
طويلا وشالا من الصوف المطرز.
قالت الحمد لله علي السلامة، تفضلا ثم أضافت: هل تريدان
تناول شيء قبل النوم؟.
قلت: فيما يتعلق بي أفضل أن أنام فورا فرحلتي كانت طويلة
ثم التفتت إلي يانس اليوناني فهز رأسه موافقا وقال
بالإنجليزية: وأنا كذلك أريد أن أنام.
صعدنا السلالم الرخامية البيضاء ترتفع في شكل حلزوني إلي
الدور الأعلي، قالت مضيفتنا: سنوقظكما صباحا في الساعة
السابعة، فالاجتماع سيكون في التاسعة، والمكان بعيد من هنا
وفي تلك اللحظة خرج زوجها من أحد الأبواب وعلي وجهه علامات
النوم، أخذ كلاً منا بالحضن قائلا: الدار داركم واطلبا ما
تشاءان، لكل منكما غرفته ثم فتح أحد الأبواب وأشار إلي
بالدخول: سنراكما في الصباح، وأرجو أن تستمتعا بنوم مريح.
الدفء العائلي لم أعد إلي اليقظة سوي في الصباح عندما التقطت أذني
نقرا خفيفا علي الباب ورأيت وجه فتحي الشامخي الأسمر
المبتسم يطل منه قال الساعة السابعة والربع ثم أغلقه، فتحت
السواتر فتسربت الشمس المشرقة صعدت في زرقة السماء فوق
البيوت، في الغرقة المكتبية ازدحمت رفوفها بالكتب، روايات،
ومسرحيات ، وشعر، وقواميس، وكتب عن الرياضيات، وعن العلوم،
التقطت عناوين عربية، وفرنسية، وإنجليزية ومن بينها سيرة
حياة تروسكي مؤسس الدولية الرابعة، تزيد صفحاتها عن
الستمائة، إلي جوارها المكتب وضع عليه كومبيوتر، وآلة
تصوير مهنية، وأدوات للكتابة كثيرة ومتنوعة، ومساحيق
للزينة نسائية قليلة العدد، علي عتبة النافذة حلق للأذن،
وعقد من الفضة فيه فصوص حمراء صغيرة، وعلب مستديرة للعدسات
اللاصقة، ومن تحتها منضدة صغيرة وضعت عليها زهرية فيها
زهور جافة، وعروسة. تناولت دشاً ساخناً وحلقت ذقني، ارتديت
ملابسي وهبطت إلي الدور الأرضي وجدت أفراد الأسرة في
المطبح جالسين حول مائدة مستديرة ومعهم الضيفان الآخران،
كانوا يتناولون طعام الإفطار فانضممت إليهم، وعلي الفور
سار بنا الحديث سهلاً بسيطاً وأنا أرتشف القهوة السوداء
الساخنة وآكل خبزا مغموساً في زيت الزيتون، أو أضع عليه
مربي التين، إلي جواري الابنة عزة فتاة مرتفعة القوام،
بيضاء مثل أمها تدرس الرياضيات، وتعشق العلوم، ولكن في
الوقت نفسه مهتمة بالأدب، وعلي الأخص المسرح وكتاباته، أما
الابن صدري فقال لي إنه مغرم بلعبة كرة القدم التي يريد أن
يصبح أحد نجومها ويحصل علي مال كثير عن طريق ممارستها.
أحسست بالراحة منذ أول لحظة وسط هذه الأسرة التي تركت لنا
غرف نومها لكي نبيت فيها، بجو الدفء والتعامل التلقائي
الذي لا مبالغة، ولا افتعال فيه، الجميع يشاركون في الحديث
كأننا التقينا منذ زمن بعيد، أدركت أنني كنت أحتل غرفة نوم
عزة ظلت تنظر إلي والبريق يضيء عينيها عندما علمت أنني
روائي، وزاد البريق عندما قلت لها أن ابني عاطف مخرج
سينمائي وأن غرفتها المليئة بكتب العلم، والفن، والتاريخ،
وأن تمثال الوجه الإفريقي المنحوت في الخشب، ولوحة المرأة
الفلاحة التونسية، وأن الكمبيوتر الذي غطت شاشته بفانلة
رياضية،و أن المشغولات الفضية البسيطة، والأقلام الملونة
الكثيرة كلها تعبير عن شخصية هذه الفتاة التونسية المتطلعة
إلي المستقبل، إلي المعرفة، والاكتشاف، إلي الارتباط بما
يحدث في العالم عن طريق إجادة أكثر من لغة أجنبية، فإلي
جانب اللغة الفرنسية والإنجليزية فوجئت بها فيما بعد أثناء
حفل العشاء تجلس أمام أحد أعضاء اللجنة التنسيقية حضر من
برشلونة وتسأل عن كلمات باللغة الكتالونية. أما الابن صدري
المولع بلعبة الكرة وكسب المال فقد استغرق في التفكير بعد
أن لفت نظره إلي اضطرار لاعب الكرة الاعتزال وهو لا يزال
في سن الشباب وأن هناك مهنا أخري يستطيع أن يجد فيها مجالا
للكسب مثل الطب، أو العلوم الإلكترونية أو البيولوجية
الحديثة وأن يمارس فيها حياة فكرية ومعرفية غنية.
بعد تناول الإفطار توجهنا إلي محطة للسكة الحديدية قريبة
لنستقل القطار الذي سيحملنا إلي وسط مدينة تونس حيث مقر
الاجتماع في المنظمة التونسية لحقوق الإنسان، كان الجو
صحوا يملأ رئتي بهواء نقي ويطرد التلوث الذي حملته معي من
القاهرة، جلست أطل من نافذة القطار علي المساحات الخضراء
تتلألأ فيها قطرات المطر، تذكرت رحلات الطفولة إلي قريتي
في قطار الدلتا علي الجانبين يتهادي بين الحقول تحت سماء
صافية زرقاء.
كنت جالسا إلي جوار ماجدة الشامخي فسألتها عن حياتها، وعن
طفولتها، وكيف التقت بشريك العمر فتحي منذ ما يزيد علي
عشرين عاما، فحكت لي أن أسرة فتحي كانت جارة لأسرتها،
إنهما كانا يلعبان سويا مع الأطفال وإنه قامت بينهما صداقة
عميقة، ثم سافر هو إلي فرنسا، وظل هناك عشر سنوات، إلي أن
نال الدكتوراه لكنهما كانا يتبادلان الرسائل طوال هذه
المدة، ولما عاد عرض عليها الزواج فوافقت، قالت إنه منذ
ذلك الحين أصبحا يتعاونان في كل شئون الحياة، في الإتفاق،
في العمل داخل البيت، وفي رعاية الأطفال، إنهما يتقاسمان
المسئوليات علي قدم المساواة. يعمل هو أستاذا في الجامعة،
وتعمل هي مديرة مدرسة ابتدائية في مدينة سليمان تبعد عن
الحي الذي يسكنان فيه مسافة ثمانية كيلومترات.
علي جانبي خط السكة الحديد امتدت البيوت التي لا تعلو عن
دورين أو ثلاثة فالعمارات في تونس نادرة للغاية، البيوت
كلها ناصعة البياض، والسواتر الزرقاء في لون البحر مما
يضفي جمالا علي العمران، بين الحين والحين يتوقف القطار في
محطة فيصعد منها الناس، وجوههم جامدة تبدو علي ملامحها
أثقال الحياة، فلا ضحك ولا ابتسام، وإنما صمت شبه كامل،
توقف القطار في محطة كتب علي لافتتها حمام الشط فمال علي
فتحي الشامخي، وقال: هنا عاش الفلسطينيون عدة سنوات، أغارت
عليهم الطائرات الإسرائيلية في محاولة لقتل ياسر عرفات،
فشلوا لكن مات تحت القنابل عشرات الناس البسطاء، خطر في
بالي أن الخيانة والسم نجحت في تحقيق ما فشلت في تحقيقه
القنابل والطائرات. وصلنا إلي مكان الاجتماع في الميعاد،
كان عدد الحاضرين فيه أربعة وعشرين من بينهم ثمان من
النساء، حضر خمسة ممثلين وممثلات من تونس ينتمون إلي
منظمات حقوق الإنسان والنقابات العمالية والمنتدي
الاجتماعي التونسي كما شاركت رئيسة اتحاد النساء التونسي،
أما باقي المشاركين فقد جاءوا من المغرب واليونان وأسبانيا
وإيطاليا وفرنسا، وجئت أنا من مصر .. غاب السوريون
والجزائريون والأتراك لأنهم واجهوا عراقيل في الحصول علي
فيزات فالنظام التونسي شأنه شأن بقية النظم العربية تغلغلت
إليه الأساليب البوليسية في كل المجالات، الأجانب الآتون
من أوروبا يمنحون الفيزا في المطار بينما العرب مرغمون علي
تقديم طلب قبل السفر بثلاثة أسابيع، أو شهر وهو ذات النظام
الذي يطبق في مصر.
كان هدف الاجتماع الإعداد للدورة التحضيرية الأولي الخاصة
بالمنتدي الاجتماعي للبحر المتوسط والتي ستعقد في أثينا في
بداية شهر مايو القادم.
عقد المنتدي الاجتماعي للبحر المتوسط الأول في شهر يونيو
سنة 2005 في مدينة برشلونة وحضره أكثر من ستة آلاف مشارك
ومشاركة من بينهم عدد من المصريين، ومن بلاد عربية مختلفة،
والنظام الذي يتبع في الإعداد للمنتدي يعتمد علي عقد خمس
أو ست دورات تحضيرية يحضرها ما بين 150 و300 مشارك
ومشاركة، أما المنتدي نفسه فيجري تنظيمه كل سنتين ويتم
توزيع الدورات التحضيرية علي قدر الإمكان بالتساوي علي
بلاد شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط، لكن حتي الآن لم
يتحقق هذا بسبب العراقيل المختلفة التي تضعها حكومات الدول
العربية في وجه المعارضين لسياسات الرأسمالية
النيوليبرالية، والاستعمار الجديد وبسبب ضعف وتشتت الحركات
الاجتماعية في هذه الدول. عقد اجتماع اللجنة التنسيقية
الدولية يوم السبت 25 فبراير الماضي من الصباح حتي نهاية
النهار، اتفق في هذا الاجتماع علي مشروع جدول أعمال لعرضه
علي الدورة التحضيرية في أثينا يشمل ميعاد ومكان عقد
المنتدي الاجتماعي للبحر الأبيض المتوسط، عدد الدورات
التحضيرية، صعوبات التمويل ووسائل الحصول عليه، الميزانية
المطلوبة، ومشكلة الفيزات، وأخيرا المحاور السياسية التي
يقترح أن تكون موضوعا للحوار، ثم تم توزيع المهام المتعلقة
بهذه البنود علي أعضاء اللجنة. اخترت أنا ومشارك من
برشلونة يدعي لويس بلانكو أن نتعاون في اقتراح المحاور
السياسية، ولويس بلانكو هو أمين عام إحدي النقابات
المستقلة في برشلونة توثقت علاقتي به أثناء جهودنا السابقة
في عقد منتدي سنة 2005،. وفيما يتعلق بهذه النقطة اتفق علي
أن نكتب مقدمة للمحاور التي سنقترحها تتناول تقييم الوضع
في حوض البحر الأبيض المتوسط، ومدي التقدم أو التخلف الذي
أصاب الحركات الشعبية في نضالها ضد الرأسمالية الليبرالية،
واتفاقات المشاركة التي عقدت في برشلونة سنة 1999 وكذلك
تحليل الآثار التي ترتبت عليها في بلاد الشاطئ الجنوبي
للبحر الأبيض المتوسط، وفي هذا المجال من المهم التفرقة
بين نشاط المنتدي الاجتماعي للبحر الأبيض المتوسط والنشاط
الذي تقوم به عديد من منظمات القطاع المدني باسم
الأورومتوسطية من بينها منظمات في مصر، فهذا النشاط الأخير
يتم في إطار اتفاقات المشاركة التي ووفق عليها في برشلونة،
والذي تباركه، وتموله بلاد الاتحاد الأوروبي بهدف استخدام
القطاع المدني في البلاد العربية لصالح سياسات السوق
الحرة، والخصخصة، والاستثمار الأجنبي المتعدد الجنسيات
الآتي من بلدان أوروبا.
المتعة بعد العمل حرص صديقي فتحي الشامخي وزوجته ماجدة علي أن تكون
إقامتنا في تونس مثمرة، وممتعة في آن واحد، ففي ليلة الأحد
قاما بدعوة جميع أعضاء اللجنة علي العشاء في بيتهما، تعاون
أفراد الأسرة في إعداد الكسكسي المشطط والمعكرونة بحيوانات
البحر، والحساء، وأعدت مختلف أنواع السلطات، تناولنا
الطعام علي مائدة طويلة مع أصناف من الشراب التونسي
المصنوعة من العنب، والبلح، والتين لا أتذكر من أسمائها
سوي النوع الأخير واسمه بوخا، قضينا ساعات مفعمة بالدفء
الإنساني والفرحة، التقي أثناءها رجال ونساء من مختلف
البلدان مخترقين حواجز اللغة، والدين، والقومية، والعمر،
والجنس، كانت جلستنا صورة مصغرة من عالم يولد بالتدريج رغم
الصعوبات، ونموذجا للتضامن والأخوة بين الشعوب.
في اليوم التالي بعد الإفطار توجهنا أنا، ويانيس اليوناني،
ومحمد الأمازيجي وفتحي وماجدة في سيارة الأسرة العتيقة إلي
مدينة قرطاج، عبرنا البحر علي عبارة معدية وتنزهنا وسط
البيوت الجميلة، ومساحات الخضرة، والأشجار، والزهور البرية
ترقص في الريح كالأجراس الصغيرة الصفراء اللون، توقفنا عند
شاطئ البحر نستنشق الهواء ونملأ عيوننا بزرقة الماء ثم
عدنا لنتناول وجبة من لحم الضأن المجفف ثم طهيه بالبصل،
وعيش الغراب، والفول الأخضر الحراتي، ومعه أطباق من
الكسكسي.
في الليل ذهبت مع فتحي الشامخي في سيارة أحد أصدقائه إلي
مدينة سليمان التي أهدي سليمان باي موقعها للعرب الذين
هاجروا من الأندلس إلي تونس، هربا من اضطهاد الإقطاع
والكنيسة الكاثوليكية بعد أن أصيب العرب بهزائم متتالية
علي يد حكام وجيوش فرنسا وأسبانيا.
سرت علي قدمي في الشوارع بين البيوت تزدان جدرانها بمربعات
ودوائر من الفسيفساء الأحمر، والأزرق والبرتقالي اللون،
وتعلو أبوابها ونوافذها الأقواس الأندلسية، في المدينة جو
من الهدوء والسلام، الناس يجلسون علي دكك من الحجر في
الميدان العام، ويتسامرون، والشباب يتجمعون في محلات
الحلاقة، ألمح أحدهم وهو يجلس منتصبا في المقعد أمام
المرآة متأملا ما يحدث له في اهتمام، وعجوزا تحمل أكياس
الخضراوات وتسير ببطء فوق ساقين استهلكهما الزمن، والعمل
الشاق، أقف في محل العطارة أستمع إلي صاحب المكان يشرح لي
بالتفصيل أنواع البذور، والبهارات التي يقوم بإعدادها في
البيت، أستشعر في صوته رنة من يعتز بأصالة المهنة الموروثة
التي تجاهد لكي تبقي حية في عصر التكنولوجيا والآلات حيث
تفقد الأشياء طعمها الخاص لتصبح كلها سيان، أبتاع منه علبة
كبيرة من البلح التونسي بثمانية دينارات هدية لنوال
السعداوي حيث تعشق التمر بمختلف أنواعه.