احتفلت وسائل الإعلام بعيد الأم بشكل كبير - كالعادة -
حيث أفردت القنوات التليفزيونية والمحطات الإذاعية والصحف
والمجلات مساحات كبيرة قبل عيد الأم وبلغ الاحتفال ذروته
يوم عيد الأم، متجاهلين الكثيرين ممن يشعرون باليتم في هذا
اليوم، فإذا كان اليتم معني مرادف للحرمان فكل من فقد
والدته وكذلك كل من فقد ابنه وكل من حرم من الحياة داخل
أسرة مستقرة يتيم، ولهذا تتسبب الاحتفالات الضخمة بعيد
الأم في جرح وألم للكثير ممن فقدوا أمهاتهم سواء أطفالا أو
كباراً هذا إلي جانب الكثيرات من السيدات ممن تركهم
أبناؤهن للعيش بمفردهن أو العمل بالخارج أو اللاتي لم
تنجبن أطفالا برغم أن الاحتفال الصاخب بالأم مهم وضروري
ومن حق كل أم لكن لماذا لا نفكر في كيفية الاحتفاء بمن
يسبب لهم هذا اليوم ألما؟!
إحساس بالخوف تقول مي مصطفي 16 سنة طالبة بالثانوية العامة إنها لا
تحب يوم عيد الأم وما يذاع من برامج وأغان طوال شهر مارس
احتفالا به لأنه يسبب لها ضيقا نفسيا وحزنا كبيرا فهي فقدت
والدتها منذ ثلاث سنوات وكانت مرتبطة بها جدا وبالتالي فكل
ما تراه أو تسمعه في الإعلام من أغان وبرامج وإعلانات،
يجعلها تذكر ما مرت به والدتها من ألم سبق وفاتها، كما
يشعرها بعمق احتياجها لها، ويشعرها بخوف من المستقبل
فاحتياجها لوالدتها يزيد يوما بعد الآخر.
وتكمل مها نور 19 سنة طالبة بكلية التجارة، إنها تعيش مع
والدها وإخواتها بعد وفاة والدتها منذ عشر سنوات وتقول إنه
كلما جاء عيد الأم تشعر وكأن والدتها توفيت في هذا اليوم
ولهذا تحاول الابتعاد عن الناس والإعلام والكلية، منذ
منتصف مارس تقريبا محاولة منها لتخفيف شعورها بالألم
والضيق وتقول إن الأم أهم ما في حياة الإنسان فكيف يتجاهل
الإعلام لشعور الكثيرين ممن فقدوا أمهاتهم، فلا مانع من
الاحتفال بعيد الأم ولكن مع مراعاة شعور الآخرين، كيف يتم
هذا؟! لا أعرف ولكنه ما أتمناه.
وتروي هدي فتحي 38 سنة قصة ابن شقيقها وهي باكية فتقول:
توفيت شقيقتي منذ ثلاث سنوات، وتركت لي محمد والذي يبلغ من
العمر سبع سنوات والتحق بالمدرسة وهو هذا العام في الصف
الأول الابتدائي، ومنذ أيام عاد إلي المنزل حزينا وعندما
سألته عن سبب حزنه قال: إن المدرسة قالت لهم لابد أن يدخر
كل منكم جزءا من مصروفه لشراء زهور لوالدته في عيد الأم،
سألني أين والدته ومع من سيحتفل بعيد الأم، ولمن يشتري
الزهور فهو مازال طفلا لا يدرك معني الموت.
هجر الأبناء وعلي الجانب الآخر تقول نادية مراد 68 عاما والتي تعيش
في إحدي دور المسنين إنها أنجبت ثلاثة أبناء وعندما كبر
أبناؤها انشغل كل منهم بحياته وعمله وأسرته الصغيرة،
وتركوها بمفردها فلم تجد بديلا عن الحياة داخل دار المسنين
كي تجد من تتحدث معهم، ومن يشعر بها إذا تألمت وتقول إنه
مع الاحتفال بعيد الأم وما تسمعه من أغان تتذكر حياتها مع
أبنائها منذ نعومة أظفارهم وحتي أصبحو شبابا، وتتألم
لفراقهم وتخشي أن تفارق الحياة دون رؤيتهم.
وتكمل كاميليا عبد الجواد 59 عاما فتقول إنها أنجبت ولدا
وبنتا وبعد تخرجهم من الجامعة هاجروا للخارج وهي الآن تعيش
بمفردها وما يذاع من أغان في عيد الأم يجعلها تشعر بأنها
لم تفعل شيئا في حياتها خاصة بعد تقدم العمر بها، فهي لا
تري أبناءها إلا كل ثلاثة أو أربع سنوات مرة، فلم تجني
ثمار تربيتها لهم وكفاحها من أجلهم وكل ما تخشاه الموت
وحيدة بعيدا عنهم.
ذكري الأم ويقول مصطفي نور الدين 69 سنة إنه يعيش مع زوجته
وأبنائه حياة طبيعية ومستقرة، ومع ذلك يسبب له الاحتفال
بعيد الأم آلاما كثيرة حيث يتذكر والدته والتي كان لها
عظيم الأثر في حياته.
حرمان وتقول عالية رءوف 56 عاما إن عيد الأم يجعلها في حالة
نفسية سيئة للغاية فهي لم ترزق بأطفال وعاشت حياتها مشغولة
بالعمل وعندما تشاهد التليفزيون في عيد الأم وما يذاع عن
دور الأبناء في حياة أبائهم المسنين، تشعر بالخوف من
المستقبل، خاصة بعد انتهاء فترة عملها وتصل إلي سن التقاعد
فتفكر ماذا ستفعل بدون عمل أو أبناء وتشعر بالخوف مما
ستأتي به الأيام.
احتفال رمزي
وتقول د. جيهان رشتي أستاذة الإعلام المتفرغة بكلية
الإعلام جامعة القاهرة: إن الاحتفال بعيد الأم تقليد
أمريكي ابتدعه بائعو الزهور لزيادة مبيعاتهم من الزهور
فقاموا بنشر فكرة يوم للأم يشتري كل فرد زهرة لوالدته فيه،
وأخذ الإعلام الفكرة وطورها علي نحو ما نراه حاليا فالفكرة
هي احتفال رمزي بالأم كرمز للعطاء والتأثير في حياة
أبنائها ومن المفترض أن يكون الاحتفال علي هذا النحو.
وتضيف د. جيهان إن ما يحدث من تكثيف للأغاني والبرامج
احتفالا بعيد الأم شيء مبالغ فيه، فلابد من مراعاة شعور
الكثير من الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم، والسيدات اللاتي
فقدن أبناءهن أو حرمن من نعمة الإنجاب، هذا بالإضافة إلي
أن الاهتمام بالأم لابد أن يكون مغروسا في الأبناء، وليس
يوما واحدا في العام.