يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1273 (5 - 12) ابريل 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

يا نزيف باشا

 
 

انكسفت الشمس .. فمتي تنكسف حكومتك؟

 
 

بقلم: د. رفعت السعيد

 

 
تُهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت
فإن تولت فبالأشرار تنقاد
لست أتمني علي حكومة د. نزيف أن تنكسف بمعني أن تشعر بالخجل فهذا أمر - فيما أعتقد - مستحيل، فرجال هذه الحكومة يرتكبون من الأخطاء والخطايا الكثير، ويتمادون.. دون أي إحساس بالخجل، فهم مأمورون مدفوعون مكلفون، طائعون للتعليمات التي تأتي من غرفة التحكم الآلي في الحزب العتيد، تلك المسماة لجنة السياسات، وهي لجنة تمتاز بأنها غارقة في الوهم، تنقل من الكتب أو من التعليمات الآتية عبر البحار دون ترو أو إعمال للعقل أو نظر لما يترتب علي تعليماتها من أخطاء وكوارث، وهكذا تعيش حكومة نزيف تحت وطأة أوهام وأخطاء.. تفعل ولا تري، تقول ولا تسمع، تخطيء ولا تصحح، وتنزف آخر قطرات مصداقيتها فتنهار هذه المصداقية ركاما؛ وينهار معها كل ما تبقي من مصداقية للحكم بأسره وللحزب بأكمله، ليس المقصود إذن أن تنكسف الحكومة بمعني أن تخجل وإنما المقصود أن تختفي وأن ترحل غير مأسوف عليها.
ولعل القائمين علي أمر الحزب العتيد يعيشون هم أيضا في الوهم بأنهم يبنون حزبا حقيقيا وليس مجرد كيان ورقي، لعلهم فخورون بغرفة العضوية المليئة بالكمبيوترات والديسكات والمعلومات، ولا يعرفون أن أقسام حزبهم في القاهرة مثلا - وهي الأقرب إلي متناول أيديهم - قد لاقت الأمرين في إيجاد أشخاص يقبلون مبدأ الترشيح في عملية التجديد الأخيرة، بما يعني أن الأرقام وهمية والولاء المفترض غير قائم. كما أن نظرة ولو سريعة علي مجريات النقاش في مجلسي الشعب والشوري تكشف لأي متابع كيف أن أعضاء الحزب في المجلسين يتنصلون ليس فقط من أداء الحكومة وإنما من مقتضيات الانتماء لحزبهم.
نحن إذن أمام ركام حقيقي يتهاوي.. لكنه يتهاوي ليجثم علي صدر الشعب وعلي كاهل الوطن.. وإذ يتهاوي فإن مصداقية الحكومة والحكم والحزب.. تتهاوي، تنزف حتي تتلاشي.
ويظل الحكم سادرا في غيه.. يصدر قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، قوانين ترتدي ثياب الجد فإذا هي هزل، وتمنح نفسها أسماء بينما الواقع الفعلي والنص المكتوب يأتي معاكسا للأسماء، يحاولون خداعنا وما يخدعون إلا أنفسهم.. لأنهم ينسون أن الناس قد سئمت هذه الأضاليل الكئيبة التي عاشوا زمنا يصنعون نكاتا وحكايات مضحكة ومبكية حولها، مثل المسئول الذي يقود سيارة فيعطي إشارة الاتجاه إلي اليسار ثم يجده الجميع وقد اتجه يمينا.
هكذا يكون الأمر مع حكامنا وحكمنا.. والأمثلة عديدة مثل: تعديل المادة 76 وتعديلات قوانين الأحزاب والانتخابات وغيرها، ولكن، وكأن ما نزفوه من مصداقية لا يكفيهم، وكأنهم ليسوا قادرين علي إدراك حقيقة السخط الجماهيري المتراكم، والذي ينذر الجميع بخطر تفجر غير محسوب، أو بالدقة وكأنهم في غيبوبة تشعرهم بنشوة مصطنعة وغير حقيقية فتقتادهم خطوة خطوة نحو هاوية سحيقة من المكابرة المجدبة وغير المجدية.. فينساقون وبلا تروٍ في اصطناع قوانين جديدة تزيد الهوة والغُمة وتزيد في عزلتهم عن الشعب، وتضاعف من المشكلات الخانقة التي يصنعونها.
والأمثلة عديدة وبغير حصر.. ولنأخذ أمثلة محدودة من فيض لا ينتهي:

قانون جودة التعليم:
ويقول هذا القانون إنه يستهدف الارتقاء بمستوي التعليم إلي المستوي العالمي، لكنه ويا للغرابة يرطن بكلمات ومواد كأنها منقولة عن بلد فيه تعليم حقيقي يمكن الانتقال به إلي مرتبة أعلي، ثم هو ويا للغرابة لا ينص علي أي واجب حكومي لتطوير التعليم لأعلي.
سواء في مستوي المدرسة أو المدرس أو المنهج أو جوهر الأداء التعليمي.. ثم وفجأة وكأن عصا سحرية سوف تطور التعليم، دون أي مجهود حكومي يأتي في المادة 13 منه ليقرر في نوع من الاستهبال المصطنع أن المؤسسة التعليمية لا تستطيع أن تحقق المستوي المطلوب، أي المستوي العالمي تدمج في مؤسسة تعليمية استطاعت أن تصل إلي هذا المستوي، هكذا وبهذه البساطة، وقد حاولت أن أسأل المسئولين المتحمسين لهذا القانون ما معني كلمة تدمج هل تعني تباع أو تؤجر أو تعطي مجانا علي سبيل الهدية، ولم أجد إجابة مقنعة ولا حتي غير مقنعة، وإنما مجرد ابتسامات باهتة لا تنم عن شيء.
ولنتخيل أوضاع مؤسساتنا التعليمية الحكومية وهي تمثل الأغلبية الغالبة، لنتخيل حالها وأحوالها ولنتأمل كيف تصل إلي المستوي العالمي دون تدخل حكومي فاعل لا ينص عليه القانون ولا يلزمها به لنكتشف أن كل المؤسسات التعليمية الحكومية سوف تعجز أو يفرض عليها أن تعجز عن الوصول إلي المستوي العالمي ف.. تدمج في مؤسسات وصلت للمستوي، أي مؤسسات تعليمية قطاع خاص.. وترفع الدولة يدها نهائيا من التعليم، وعلي الفقراء أن يمتنعوا عن التعليم.
قلت لنتخيل أوضاع مؤسساتنا التعليمية.. ولكن لماذا نتخيل وأمامنا واقع واقعي مخيف بل ومقرف أذكر منه نموذجا واحدا لأهديه إلي وزير التعليم، وإلي نزيف باشا، وإلي لجنة السياسات صاحبة فكرة هذا القانون الخبيث والساذج.. خبيث لأنه يحاول تمرير خصخصة التعليم كله.. وساذج لأنه كالمعتاد لا يدرك حقيقة ما يرتكب ولا ما سوف يترتب علي ذلك من تداعيات، ولا أقول تفجرات عندما يكتشف أولياء الأمور أن المدرسة المجانية أو المفترض أنها مجانية سوف تدمج في مدرسة خاصة وأن عليهم أن يدفعوا مصروفات كاملة، أو أن يدفعوا بأولادهم إلي كارثة الأمية.
قلت سأهدي السادة الحكام المتحكمين الذين يروجون لنا أوهاما متفجرة بما تحمله من افتقاد للذكاء ولمحبة الوطن نموذجا نموذجيا لأوضاع مدارسنا التي يراد لها أن تصل إلي المستوي العالمي..
مدرسة طارق بن زياد الابتدائية بمنطقة الزلزال بالمقطم.
عدد التلاميذ والتلميذات 2500.
كثافة الفصل: 60.
حالة الفصول: يجلس التلاميذ متلاصقين علي دكك - مجرد دكك - ويسندون كراساتهم علي سيقانهم كي يستطيعوا الكتابة.
حالة المدرسة يرثي لها، بها 9 دورات مياه، 8 معطلة تماما، لأن مواسير الصرف الصحي غير موجودة، دورة مياه واحدة فقط تعمل وهي مغلقة كي يستخدمها المدرسون والمدرسات، أما التلاميذ والتلميذات فيقضون حاجتهم في الحوش في حالة من الاستباحة الجنسية غير المسبوقة.
ليس بالمدرسة أي عمال للنظافة، والمدرسون والمدرسات يجمعون قروشا كي يستأجروا كل فترة من يقوم بقدر ضئيل من تنظيف المكان.
والآن يا أصحاب هذا القانون الغريب والمريب ماذا تريدون بالضبط؟، ومن سيرتقي بمدرسة كهذه لتصل إلي المستوي العالمي دون إكراه للحكومة كي تدفع تكلفة ذلك؟ وأكاد أقول إن عديدا من المدارس الخاصة بالمقطم تتلمظ في شره شرير كي تأتي الحكومة لتدمج مدارس عديدة مثل مدرسة طارق بن زياد وأسوأ منها حالا.. معها فيتحول العام إلي خاص، والمجاني إلي مدفوع الأجر، ولنتصور امتداد الأمر علي استقامته أو بالدقة علي إعوجاجه فيحدث الأمر مع جامعاتنا العريقة التي تحتاج إلي مليارات عديدة حتي تكاد وبالكاد أن تصل إلي ما يقارب المستوي العالمي.
فهل هذا ما تريدون؟ أم أنكم تتخبطون وتنساقون إلي حيث لا تدرون وتقتادون الوطن إلي هاوية لن يحتملها أحد، والويل كل الويل عندما يستيقظ المتناوم.. ولا أقول النائم، فالشعب ليس نائما.. وإنما يتناوم.. أحذركم.. أنذركم أنه يتناوم وأنه لم ينم أبدا.

حول قانون حماية المستهلك
وتزف الحكومة ومعها حزبها - وفي ضجيج إعلامي صاخب - ما أسمته قانون حماية المستهلك.. ونكتشف من النظرة الأولي أنه قانون خواجاتي يتحدث عن حقوق مستهلك أرستقراطي فيعطيه حق الاختيار للسلعة وحق إعادتها إذا لم تطابق المواصفات، وحق التقاضي لاقتضاء التعويض، وحقوق أخري عديدة إلا حقه في أن يستطيع شراء السلعة ومهما كان مستوي جودتها.
والسادة صانعو أو بالدقة مترجمو هذا القانون ينسون أن مشكلة الشعب هي الفقر والإفقار المتزايد الذي يدفعه إلي البحث المضني عن سلعة رخيصة حتي ولو كانت رديئة، أفواه الأطفال الجوعي تريد أي شيء، أي نوع، أي مستوي فقط تحتاج البطون إلي أن تمتليء، هذا إن امتلأت، ونطالب بأن يضاف إلي الحقوق المرفهة حق الحصول علي السلعة بالسعر العادي فيتمنعون ويتحججون بما يسمي السوق الحر وآلياته ناسين أن الجوع كافر وأنه إذ ينفجر فسوف يزداد كفرا، والويل كل الويل إذ ينفجر.
ونلح ونطالب بأن يضاف إلي القانون أي نص ضد الاحتكار، يتململون، يتهربون بل يتوسلون فهم لا يستطيعون، بل هم وبأيديهم يصنعون هذا الاحتكار، ولقد أثار أحد قادة الحزب الحاكم مسألة الإسراع بخصخصة مصانع الأسمنت، وكيف أن احتكارات الأسمنت تكسب وفق موازناتها الرسمية والمنشورة بالصحف ربحا صافيا يصل إلي 80% نعم ثمانين بالمائة من إجمالي ثمن المبيعات!! أرأيتم هذا الجنون الاحتكاري؟ ثمانون بالمائة من إجمالي سعر البيع أرباحا، هذا جنون غير مسبوق ومعناه أننا نعيش في زمن تدوس فيه فئة من الأثرياء علي رقاب الجميع.. الجميع بمن فيهم هؤلاء الخاضعون الخانعون أو المشاركون والمتربحون من الحكام.
وبالكاد ينجح مجلس الشوري في إضافة عبارة عن السعر العادل ومجرد إشارة إلي الاحتكارات.. ويتم ذلك رغم أنف الحكومة التي تتقبله علي مضض وكأنها تتجرع دواء مريراً أو مسموماً، ولعلها فعلته فقط تلافيا لثورة أعضاء المجلس، ونأمل أن ينجح مجلس الشعب في أن يجرعها مزيدا من الدواء المرير سواء فيما يتعلق بقانون جودة التعليم أو قانون حماية المستهلك.

حول حالة الطوارئ:
ويتجدد الأمر كلما مر الوقت كي يتجدد فرض حالة الطوارئ، وتزعم الحكومة أن الأمر مرهون ومتعلق وفقط بمواجهة الإرهاب، ولو كان ذلك كذلك لهان الأمر، ولقبلنا نقاشا أو حوارا حول صياغات تضمن أن يفي القانون بمتطلبات مواجهة الإرهاب، لكن المشكلة هي أن الحكومة تستخدم هذه المسماة حالة الطوارئ لقمع كل المعارضين السياسيين وحرمانهم من حقوق التظاهر والاجتماع ومن عقد المؤتمرات الجماهيرية ومن .. ومن، فمكافحة الإرهاب إذن هي مجرد ستار يستهدف أن يخضعنا لقبول ما لا يمكن قبوله، ولست أعتقد أن أحدا يتجاسر فيشكك في موقفنا ضد الإرهاب، فنحن، وربما نحن وحدنا الذين خضنا، ولم نزل، معركة فكرية وسياسية ضد الإرهاب المتأسلم، لكن مشكلتنا مع الحكم في هذه المسألة تبدأ وتنتهي بأننا لا نعتقد أن الإرهاب يمكن أن يهزم وفقط عبر الإجراءات الأمنية، لكنها معركة فكرية وتعليمية وإعلامية ومجتمعية وثقافية تتطلب تحركا مجتمعيا شاملا يبدد فلول الظلامية وينقي المناخ المصري من ضباب الظلامية، والإجراءات الأمنية تأتي بعد ذلك أو في تزامن معه، وليس وحدها.
كذلك فإننا نعتقد أن الإرهاب والإتجار بالدين يتسببان في فعل مزدوج مضاد للديمقراطية.. فالتأسلم يرفض الرأي الآخر ويحارب العلم والعقل والديمقراطية وحرية التعبير والإبداع ومن ثم فهو يخنق الديمقراطية وممكناتها.. لكنه أيضا يستخدم بواسطة الحكم كفزاعة يخيفنا بها فإن أردتم حرية أو ديمقراطية أو انتخابات حرة سيأتي غول التأسلم ليفترسكم.. وبهذا يتحكم الحكم في رقابنا بزعم حمايتها.
كذلك فإن رئيس مجلس الشعب قد انتهز الفرصة ليفتي بأن قانونا جديدا للإرهاب لا يكفي، ناسيا أو متناسيا أن هناك قانوناً لمواجهة الإرهاب بالفعل، وأن به من المواد ما يكفي ويزيد لقمع أي فعل إرهابي، بل هو يطالب بتعديل في الدستور يسمح لجهاز الإدارة باحتجاز المواطنين دون قرار قضائي لأمد طويل.. فهل هذا منطقي؟.
خلاصة الأمر، انكسفت الشمس، حتي الشمس تنكسف أما حكامنا فلا ينكسفون لا هم يخجلون ولا هم يرحلون.. لكنهم حتما سيذهبون طائعين أو مرغمين فالناس لم تعد تحتمل ما يفعلون ولا حتي ما يقولون، وقد استنزف د. نزيف هو ورجاله آخر قطرات المصداقية في الحكومة والحكام.
و...
لا يصلح الناس قوم لا خلاق لهم
ولا بقاء الأمر إذا أشرارهم سادوا
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


[articles/inc-foot.htm]