في كل يوم تعلن الجهات المعنية عن اكتشاف ما استقرت
علي تسميته ببؤر جديدة لإنفلونزا الطيور، مع الإعلان عن
إعدام مئات الآلاف من الطيور الداجنة والبيض بطول البلاد
وعرضها، وهذا يعني أن في مصر وباء أصاب الطيور وقد ينتشر
بين البشر.
فكيف تتعامل حكومتنا مع هذا الوضع بعد موت الحالة الثانية
وتعدد الإصابات بين البشر وفي ظل ثقافة ونمط حياة ربما لا
يكون معروفا للسادة الجالسين في القرية الذكية أمام أجهزة
الكمبيوتر والصارخين عمال علي بطال بأننا نعيش زمن ثورة
المعلومات.
فهل يعرفون أن المصريين يعيشون منذ قرون في المربع نفسه مع
دجاجاتهم ومواشيهم، وهل يعرفون أن الفرخة كائن عزيز جدا
فمنها البيضة التي تؤكل وتباع وهي الستر عندما يعز الستر
ويختفي من البيوت، ربما عرفوا وهم يحملون الضحية الأولي
التي ماتت مصابة بإنفلونزا الطيور مسئولية موتها بإخفائها
الدجاج أسفل سرير نومها.
هل أجهدوا عقولهم وفسروا دلالات تمسك هذه السيدة بدجاجاتها
حتي وهي تعرف أنها تحمل الوباء القاتل في صدرها وبين
أجنحتها؟
وهل يقفون علي فهم ثقافة الشعب المصري -وفقرائه- تحديدا
التي هي نتاج خبرة الحياة وتجاربها والبيئة والحاجة
والعمل، ثقافة معجونة بعهود الاستغلال والنهب التي أنتجت
الجهل والفقر والمرض ومع ذلك تعاملت حكومتنا الذكية كرد
فعل وبمنطق واحد وهو المنطق الأمني الذي تمثل في مداهمة
البيوت والتهديد بالغرامة أي باستخدام عصا السلطة في قضية
شديدة الخطورة والحساسية لأنها تتعلق بثروة وبأكل العيش وب
2 مليون عامل في المزارع وبمصدر رزق يكاد يكون وحيدا يعيش
في العشش وفوق أسطح البيوت وملاصقا لحجرات النوم والمعيشة،
وهل بلغ إلي علمهم أن أحد العاملين في محل بيع دجاج قطع
شرايينه بعد أن أغلق المحل الذي يعمل به وفشل في الحصول
علي فرصة عمل أخري!!
خلف الكارثة الكثير الذي تتعامل معه الحكومة بهذه الرخاوة
وبهذه الفهلوة الإعلامية والارتجال العشوائي الذي أدي إلي
إبادة ثروة دون التمييز بين السليم والمصاب بشكل علمي وأدي
إلي أن تحولت الشوارع إلي مقابر مكشوفة للنافق أو أصبحت
مرتعا لطيور أطلقها أصحابها في الشوارع خوفا من الاقتراب
منها.
ولأن الكارثة بهذا الشكل قادمة لا محالة وسوف يدفع ثمنها
بالتأكيد فقراء هذا الشعب سكان الأحياء العشوائية والحجرات
المشتركة - فالأوبئة لا تخترق أسوار القصور - فهناك ضرورة
لأخذ الأمر مأخذ الجد علي أن تشارك كل القوي في وضع خطة
حقيقية للتوعية والمقاومة والانتقال للأماكن الأكثر
احتياجا، وفي القلب من هذه القوي الأحزاب السياسية ومنظمات
العمل الأهلي، ولنطمئن النظام الذي يجرم خروج الأحزاب
ونشطاء العمل الأهلي من مقارهم، نطمئنه إنه ليس هذا ظرف
الخوف علي المقاعد فليس في نية أحد الاستيلاء علي الحكم،
بل وبقليل من الذكاء مع تغييب الفزع الأمني ربما نستطيع
إنقاذ البلاد وخاصة فقراءها من الإبادة القادمة.