ثمة كتب تمتكلها كأنك امتلكت كنزا ثمينا، وثمة كتاب يكتبون
قليلا بل نادرا لكنهم يقدمون للقاريء أضواء مبهرة تخطف
البصر والعقل معا لتمنحهما متعة بلا حدود، ومعرفة جديدة
تماما.
من هذه الكتب كتاب في التاريخ أسماه صاحبه تسمية ماكرة
وكأنه يقارن الحاضر بالماضي ليكتشف أننا كنا في الماضي
وحتي في زمن الاحتلال والقهر أكثر احتراما..
الكتاب: تاريخ أقل قبحا
الكاتب: شريف سيد عفت
الناشر: دار المركز المصري العربي
ونبدأ بكلمة الغلاف لم يكن التاريخ يوما أنيقا، فالتاريخ
كما هو، وكما حدث، مزيج من الحزن والفرح والغيظ والكمد
والسخط والغضب، والنصر والهزيمة، إنها الحياة بحلوها
ومرها، ومن النادر رغم الحيدة التي يتحدث عنها كل المؤرخين
أن نجد من يكتب التاريخ كما هو، لكنه يكتب في أفضل الأحوال
كما يراه المؤرخ وفي أغلب الأحوال كما يراه الحكام، وعندما
حاول الجبرتي أن يسجل ما يحدث في عصر محمد علي بحياد قتل
جند الوالي ابنه خليل وربطوه برجل حماره.. وحزن الجبرتي
علي ابنه وبكاه، حتي فقد بصره وترك الكتابة ولزم داره حتي
أتاه اليقين، وبعد أن رحل أحرق مجهولون منزله بالصنادقية
ومكتبته خوفا من تسرب كتابات معادية لنظام الحكم.
أما الكتاب فهو تحفة تاريخية تستحق الاقتناء والقراءة
بتمهل.. وتأن فأنت إزاء كاتب ماكر قال كل شيء.. كل شيء
ومضي هادئا وكأنه لم يقل شيئا.
وقد شرفني الكاتب بزيارتي صحبة الصديق الأستاذ ماجد نور ثم
كشف سر كتابة هذا الكتاب، كان في باريس ووقعت أمام بصره
نسخة من مجلة قديمة صدرت عام 1893 علي غلافها صورة مهينة
لمصر، جندي بريطاني مدجج بسلاحه يضع قدمه علي صدر الخديو
عباس حلمي المطروح أرضا وتحت الصورة كلمة الحماية تأمل
الصورة وتأمل ما نحن فيه وكتب لنا هذه الكتابة الماكرة
والرائعة.
والكتاب يقدم لنا برقة تشبه نسيج الدانتيل صورا قلمية
وفوتوغرافية لمصر في الماضي.. مع وخزات رقيقة لكنها نافذة
ومؤلمة لمن يتفهمها.. هو لا يقول أي كلمة عن المقارنة بين
ما كان وما هو كائن لكن إيراد الأمرين معا يجرعنا مرارات
مؤلمة عندما نكتشف كم انحدرنا وكم أصبحنا نعاني أكثر بكثير
من أسلافنا.
والكتاب يستحق أن يقرأ حرفا حرفا وأن يتأمله القاريء الذي
يترك له الكاتب حرية وواجب المقارنة.. ولكن لابأس من أن
نشير ولو بشكل عابر إلي بعض من هذه المقارنات.
(بتاريخ 5 - 1 - 1946 كتب.. في أخبار اليوم يصف حفلة رأس
السنة التي أقامتها الأميرة شويكار وحضرها الملك فاروق
يقول: كانت البوفيهات تحوي ما لذ وطاب من طعام وشراب
واقتصر شراب الملك علي عصير الليمون وعصير البرتقال كعادته
دائما، وقد لفتت هذه الظاهرة أنظار الأجانب جميعا ودهشوا
حينما علموا أن جلالته لم يذق في حياته المشروبات) (ص294).
وبعدها نقرأ وقامت ثورة يوليو وذهب الملك إلي منفاه وأصبحت
الموضة هي الولوج في سيرته وكشف مباذله وظهرت كتب مثل
ليالي فاروق قصة ملك وأربع وزارات ملك ضد شعب ليالي ونزوات
فاروق ثم يتركك الكاتب كي تتذكر بنفسك أن الذين كتبوا
لتمجيد الملك هم أنفسهم الذين كتبوا أنهارا من السباب
والأقاويل ضده.. ثم نموذج آخر من الكتابة يروي فيه المؤلف
كيف حوكم عرابي وحكم عليه بالإعدام ثم خفف الحكم إلي النفي
والتجريد من الرتب ثم وبكل مظاهر الاحترام تم تخصيص قطار
لعرابي وذويه وصحبه وسافر الجمع إلي السويس حيث كانت
الباخرة مريوط في انتظارهم وكان محجوزا لهم بالدرجة الأولي
(ص295).
ثم يتركك المؤلف ليحكي حكاية أخري وكأنها لا علاقة لها
بالحكاية الأولي: في كتابه كنت رئيسا لمصر يقول محمد نجيب:
أنهي جمال عبد الناصر الأزمة بيني وبينه بكلمة نقلها عبد
الحكيم عامر: إن مجلس قيادة الثورة قرر إعفاءكم من منصب
رئيس الجمهورية، وخرجت وحيدا إلي معتقل المرج الذي قضيت
فيه 29 عاما، ولقد تمنيت أن يعاملني تلاميذي لحظة التخلص
مني كما عاملت أنا الملك فاروق الفاسد حين طرده خارج مصر
ويمضي نجيب ليصف كيف تصرفوا معه: سارع ضباط وجنود البوليس
الحربي بقطف ثمار البرتقال واليوسفي من حديقة الفيلا،
ونهبوا ما بالفيلا من أثاث وسجاجيد وستائر ولوحات وتحف ..
كما صادروا أشياء لا يملكونها في بيت لا شأن لهم به،
صادروا أوراقي وتحفي وسيوفي وتذكاراتي ونياشيني ونقودي من
بيتي [ص296].
.. وعليك يا عزيزي القارئ أن تقارن .. ألم أقل إنه مؤرخ
رائع وماكر..
عزيزي شريف عفت هل تأذن لي أن أعاتبك لأنك اكتفيت بكتاب
واحد..
اكتب، واكتب كثيرا فمصر بحاجة إلي من يوقظها علي وقع هذه
المقارنات المؤلمة.