تحتفل الأوساط الأدبية المصرية - هذه الأيام - ببلوغ
الروائي الكبير إدوار الخراط عامه الثمانين، وهذا يعني أن
صرحا من ستين عاما إنتاجا وإبداعا يقف خلف هذا المبدع
المكين.
قدم إدوار الخراط للحياة الأدبية أكثر من عشر روايات، من
أشهرها: رامة والتنين، والزمن الآخر، وترابها زعفران،
وعددا من المجموعات القصصية، من أشهرها: ساعات الكبرياء،
ومحطات السكة الحديد، والأشواق الطائرة.
ولم يقتصر جهد إدوار الخراط في إثراء المكتبة العربية علي
الروايات فحسب، تلك الروايات التي صنعت له موقعا سامقا في
الصف الأعلي من المبدعين العرب، بل تجاوزه إلي مساهمات
مرموقة عديدة، فهو المترجم البارز الذي أنجز وفرة من
الترجمات المهمة، علي رأسها مغامرته في ترجمة الحرب
والسلام لتولستوي، وهو الناقد التشكيلي الذي مزج - في نقده
- بين المعرفة المنهجية وحس التذوق الشخصي الرفيع وروح لغة
الأدب، وقد شكل الخراط - في هذا النطاق - ثنائيات أدبية
تشكيلية مع عدلي رزق الله وأحمد مرسي تراسل فيها التشكيل
والأدب، وتضافر فيها اللون مع الحرف، وتجادلت بلاغة اللوحة
مع لوحة البلاغة، صدر للخراط كتاب مهم في النقد والتأريخ
التشكيلي بعنوان في ضوء آخر.
أما الجهد النقدي لإدوار الخراط فهو الجهد الذي لن تنساه
ثلاثة أجيال أدبية علي الأقل: جيل الستينيات وجيل
السبعينيات وجيل التسعينيات.
يذكر له جيل الستينات الذي ينتمي له إدوار نفسه أنه كتب
دراسات قيمة عن إبراهيم أصلان ويحيي الطاهر عبدالله ومحمد
إبراهيم مبروك وحافظ رجب، شارك في تأسيس مجلة (جاليري 68)،
ويذكر له جيل السبعينيات أنه قدم - في الرواية - يوسف
أبورية ومحمد المخزنجي ونبيل نعوم جورجي، وغيرهم، ثم قدم -
في الشعر - جيل السبعينيات كله، وأصدر دراساته عن هذا
الجيل في كتابه العمدة شعر الحداثة في مصر.
ويلفت النظر هنا أن تعضيده لجيل السبعينيات الشعري، تم في
مرحلة مبكرة من صعود هذا الجيل، حينما كان المناخ العام
غير مستسيغ هذه التجربة، وربما معاديا.
ويذكر له جيل التسعينيات - أو ما بعد الحداثة - أنه قدم
العديد منهم مثل: سحر الموجي ومنتصر القفاش ونورا أمين
وجرجس شكري ومصطفي ذكري وغيرهم، وأنه قدم لهم هدية نظرية
ثمينة هي كتابه العلامة الكتابة عبر النوعية، الذي سوغ لهم
الوشائج بين النص الشعري والنص السردي في أدبهم الجديد
الذي يقف علي تخوم ما أسماه الخراط القص - قصيدة.
أما ولوج الخراط عالم الشعر، فهو قديم، بمعنيين: الأول هو
أن كثيرا من فقراته السردية في غضون الروايات هي قطع من
روح الشعر الصافي بما فيها من مكنة لغوية وبلاغة أسلوبية
ودلال بالحروف، والثاني هو أنه كان - طوال مشواره العريض -
ينشيء نصوصا شعرية مستقلة بذاتها، حتي أخرجها للنور في
السنوات الأخيرة في دواوين قائمة برأسها من أبرزها:
لماذا؟، وسلطان سطوة الطوايا، في هذا الجانب فإن إدوار
الخراط يماثل - بطريقة عكسية - أراجون في الأدب الفرنسي:
حيث ترسانته الحربية الكبري هي الشعر، وسلاحه الفردي
الخصوصي هو الرواية، بالمثل كان الخراط: مدفعيته الثقيلة
هي الرواية، وسلاحه الفردي الخصوصي هو الشعر لكن كليهما -
المدفعية الثقيلة والسلاح الفردي - يتكاملان ويتضافران في
تكوين المحارب المجهز بكل أنواع الذخيرة والعتاد.
السيرة الذاتية، هي الأخري، أحد وجوه إدوار الخراط
العديدة، ومعالجة السيرة عند الخراط ليست مقصورة علي الكتب
الموجهة للسيرة مباشرة مثل: مجالدة المستحيل، ومراوغة
المستحيل، بل إن سيرته مبثوثة في كل رواياته وكل شعره وكل
نقده وكل ترجمته، فالخراط هو سيرته، وسيرته هي كتابته، ففي
هذا الكاتب الكبير تتجلي ذروة من ذري اندماج النص والشخص
في مرآة عميقة واحدة.
كل سنة وانت طيب يا إدوار الخراط، أيها السكندراني المدهش،
لتظل تراود المستحيل، ثم تراوغه، ثم تجالده، ثم تجابهه،
حتي تتطابق معه: أنت والمستحيل، لتكون خلاصة مشوارك:
المستحيل الذي يصير ممكنا.