مع أني أحب زوج ابنتي حباً جماً، وأصبح له نفس الأعزاز
الذي أكنه لأبنائي، فإني أصبحت مطالباً بتطليقه من ابنتي
التي تحبه ويحبها وتحب ناقتها بعيره.
أو علي الأقل فانه من المفترض أن أرفع دعوي للتفريق بينه
وبين زوجته، التي هي ابنتي، دون أن تطلب هي ذلك.
والسبب هو فضيلة مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة.
ذلك أن فضيلته أصدر فتوي يقول فيها: إن الذين يصنعون
التماثيل سواء بغرض استخدامها في تزيين البيوت أو غيرها
يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: »إحيوا ما خلقتم«.
وبما أن زوج ابنتي نحات محترف، وعضو هيئة تدريس بكلية
الفنون الجميلة، وأكل عيشه من صنع التماثيل، بل وتعليم
فنون إبداعها لتلاميذه، فانه وفقاً لفتوي فضيلة المفتي
سيكون من الذين »يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما
خلقتم!!«.
لكن ليسامحني فضيلة المفتي إني لن أطلب تطليقه من ابنتي،
ولن أطلب منه أن يتخلي عن مهنته، لأني أخالفه في الرأي
واختلف مع نظرته إلي الفن التشكيلي عموماً، وفن النحت
خصوصاً، واعتبره من أرقي الفنون، ووسيلة لترقية الذوق
والوجدان والشعور بالجمال.. وهي كلها أمور تنأي بالإنسان
عن القبح والبلادة والغلظة وجفاف المشاعر وجمود الإحساس.
وليسامحني فضيلة المفتي أن أخالفه الرأي.. فبينما يذهب
فضيلته إلي كراهية التماثيل، وبالتالي تحريمها، أري ويري
معي الكثيرون أن التماثيل إبداعات بشرية، منها ما قد لا
يعجبني ومنها الكثير الذي يخلب الألباب ويثير الخيال ويحرك
أجمل المشاعر ويولد تبصرات وتأملات بالغة الرقي والعمق
والحميمية.
وليسامحني فضيلة المفتي أن أخالفه الرأي في التعامل مع
التماثيل علي أنها »أصنام« أو »أوثان«، فنحن نعيش في القرن
الحادي والعشرين، ولا يوجد إنسان في العالم العربي
والإسلامي يعبد الأصنام.
كما أن الإسلام ليس من الضعف بحيث نخشي عليه من تمثال أو
قطعة نحتية.
ثم إن التماثيل ليست بدعة حديثة، بل إنها موجودة منذ قرون
عديدة، وعندما جاء المسلمون الأوائل بقيادة عمرو بن العاص
لم يروا فيها تهديداً للعقيدة الإسلامية، بدليل أنهم أبقوا
عليها ولم يقوضوها.
بل إن كثيراً من رجال الدين، ومن بينهم الشيخ محمد عبده
الذي كان يجلس علي نفس كرسي مفتي الديار المصرية، أبدوا
إعجابهم بهذا الفن الجميل، بل إن الشيخ محمد عبده أعرب عن
اندهاشه من أولئك الذين يتساءلون عن موقف الشرع من
التماثيل، بل من كل ما هو مفيد للإنسان ومن بينه فن النحت.
فهل كل أولئك المشايخ الأجلاء الذين تعاقبوا علي كرسي
الافتاء منذ الفتح الإسلامي حتي الشيخ علي جمعة كانوا كلهم
غافلين، ومفرطين في شرع الله؟!
إنهم لم يكونوا كذلك بالطبع.. وكل ما هنالك أن الدكتور علي
جمعة يتبني »رأياً شخصياً« يعبر عن »ذوقه الخاص« فيما
يتعلق بالفن التشكيلي عموماً، وفن النحت خصوصاً. وهو حر في
رأيه وفي ذوقه، لكن ليس من حقه أن يفرض رأيه الشخصي أو
ذوقه الخاص علي الأمة.
وليس من حقه بالأخص أن يوحد بين رأيه الشخصي وذوقه الخاص
وبين رأي الدين.
ولعل فضيلة المفتي يراجع هذه الفتوي التي تعطي المسوغ لأي
شخص بأن يحمل فأساً وينهال به علي تمثال »نهضة مصر« أو
طلعت حرب أو سعد زغلول أو حتي أبو الهول وتماثيل رمسيس
وغيره من التماثيل البديعة التي خلفها لنا أجدادنا!
ولعله أن يقول لنا رأيه فيما يمكن أن يترتب علي تلك الفتوي
من تداعيات خطيرة داخلياً وخارجياً.
ابتداءً من اغلاق كليات الفنون الجميلة، أو علي الأقل
أقسام النحت، وتشريد أساتذتها وطلابها، وتحطيم إبداعاتهم،
وتدمير مستقبلهم.
وانتهاء بتشويه صورة مصر في العالم، وإظهارها بمظهر الدولة
المتخلفة التي تناوئ الفن وتناهض الإبداع وتفرض وصاية
المشايخ علي الثقافة والمثقفين.
وتصوروا أن تصل أنباء هذه الفتوي إلي أولئك الذين رسموا
الصور الكاريكاتورية المسيئة إلي نبي الإسلام صلي الله
عليه وسلم.
ألا تعطيهم مثل هذه الفتوي زيتاً جديداً يصبونه علي نارهم
المشتعلة بالفعل؟!
والسؤال الذي يفرض نفسه أيضاً بهذا الصدد هو: لماذا وقف
العالم بأسره بما في ذلك المؤسسة الدينية الإسلامية ضد
ممارسات حركة طالبان عندما حاولت تحطيم التماثيل البوذية
في أفغانستان؟!
هل يريد فضيلة المفتي أن يضعنا في نفس المأزق الذي وضعت
نفسها فيه حركة طالبان ولم ينته إلا باحتلال البلاد؟!
عفواً يا فضيلة المفتي.. إن الإسلام ليس فيه كهنوت..
والفتوي المنسوبة إليك فيما يتعلق بالتماثيل لا يمكن
قبولها أو اعتبارها رأي الدين.
لكن الأكثر ازعاجاً من هذه الفتوي هو تكالب البعض علي طلب
رأي المفتي فيما له علاقة به وما لا توجد له به أية علاقة.
فلا أفهم سبباً يدعو مواطناً مصرياً لأن يتوجه بالسؤال إلي
المفتي في أمور دنيوية بحتة، فنحن أدري بشئون دنيانا ولسنا
قصراً نحتاج إلي أوصياء ليوجهونا في مسائل نحن المسئولون
عن اتخاذ القرار فيها.
لا أفهم مثلاً أن يسأل مواطن عن رأي الدين في »التطبيع« مع
إسرائيل، فهذا صراع سياسي بحت حتي لو كانت الدولة التي
تحتل أرضنا تضع القلنسوة اليهودية علي رأسها.
لا أفهم مثلاً أن يسأل مواطن عن رأي الدين في تلقيح النخل
أو ما شابه ذلك من أمور.
وبالتالي لا أفهم أن يسأل مواطن عن رأي الدين في الفن
التشكيلي وفن النحت.
.. ولهذا.. أقول لفضيلة المفتي: عفواً يا سيدي.. لن اطلب
تطليق ابنتي من زوجها النحات.. الفنان.. المبدع.. الجميل..
والذي هو في الوقت نفسه مسلم صالح حريص علي أداء الفرائض
الإسلامية في مواقيتها.. بل إني اتشرف بأن يكون زوج ابنتي
التي هي بالمناسبة رسامة أيضاً -والعياذبالله نحاتاً..
وصانعاً للتماثيل.