يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1272 (29 مارس - 5 ابريل) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

التوظيف السياسي للمسألة الكاريكاتورية

 
 

د. أشرف البيومي

 

  تعمل القوي المتصارعة دوما وعلي جميع الساحات لاستغلال حدث ما لصالحها وتوجيهه لخدمة أغراضها بصرف النظر عما إذا كانت وراءه أم لا، أحيانا بوسائل مبدئية وكثيرا بوسائل ملتوية مستخدمة قدراتها المتفاوتة المعلوماتية والإعلامية وشبكات اتصالاتها، حتي أن العنوان الذي يستخدمه كاتب أو تبرزه صحيفة كثيرا ما يعبر عن انحياز وتوجه معين كما تظهر ازدواجية صارخة.
تبني اليمين الأوروبي عموما تفجير المسألة الكاريكاتورية علي أنها حرية التعبير وممارسة حق الإبداع والدفاع عنها في وجه من لا يقدرون أولا يفهمون هذه الحرية في الدول "المتخلفة". وبذلك نجح في استنهاض كثير من الليبراليين المدافعين عن الحريات، ومن هؤلاء معارضون للعدوان علي العراق وفلسطين وبذلك نجحت في شق صفوف المعارضة للاحتلال. إن تشجيع هذه القوي الليبرالية لإعادة نشر الرسوم في صحف أوروبية عديدة ساهم بوعي أو بدونه في تصعيد نبرات الاحتقار والاضطهاد والعنصرية ضد المسلمين بصورة عامة وبالمواطنين المسلمين في البلدان الغربية بصورة خاصة، مما أسهم في تقوية الاتجاه الذي يحبذ ضرورة تنقية المجتمعات الغربية من "حثالة همجية" تهدد مدنيتها ورقيها ونسق حياتها. هذا في الوقت الذي تعاني كثير من الدول الأوروبية من أزمات اقتصادية تحاول الحكومات حلها علي حساب الطبقات العاملة وبمنع هجرة الأيدي العاملة الرخيصة وغير المدربة من الجنوب بعد أن تقلصت الحاجة إليها، وبحزمة من الإجراءات والقوانين التي تحاصر هؤلاء المهاجرين وحتي الحاصلين منهم علي الجنسيات الأوروبية. كما أن المناخ الناجم من هذه الحملة الإعلامية لابد وأن يعضد الأصوات المنادية داخل البلاد الأوروبية بتغيير هذه "المجتمعات المتخلفة" باعتبارها "مصدرا للإرهاب يهدد نمط الحياة الغربية"، وحتي تكون متناغمة بدرجة ما مع المجتمعات الغربية، ومن ثم يدعم تبرير العدوان والاحتلال. فتحقيق الهدف "النبيل" بمقاومة الإرهاب وحماية الأوطان من شروره يضطر هذه الدول لاستخدام جميع الوسائل بما في ذلك العنف. وبذلك تتسع دائرة التأييد للعدوان ويتقلص حجم المعارضة للجرائم البشعة التي ترتكبها قوي الهيمنة الدولية في العراق وفلسطين. ومما لا شك فيه أيضا أن هذا يدعم الأحزاب والقوي اليمينية العنصرية المتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة واستراليا ويقوي من شوكتها وتمثيلها في المجالس الشعبية والحكومات، ناهيك عن تغذية الاتجاهات الفاشية الكامنة والمساهمة في انطلاقها ونموها.
كما أن هذه الحملات العنصرية تساعد في صرف النظر عن مشاكل اقتصادية واجتماعية و تفريغ شحنات غضب لشرائح اجتماعية تعاني في معيشتها و توجيهها فيما يخدم القوي المهيمنة محليا. وبذلك يصبح المهاجرون من أصول إسلامية وعربية كبش فداء مثلما كان اليهود الأوروبيون محط الاضطهاد في عهود سابقة. ظهر ذلك جليا بالطرد الجماعي للمسلمين الفرنسيين عقب أحداث الشغب في باريس ومدن فرنسية أخري في العام الماضي والتي أعلن وقتها ساركوزي وزير الداخلية الفرنسي الطوارئ لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتفعيل قانون قديم صدر إبان الاستعمار الفرنسي للجزائر.
التوظيف الإمبريالي وتحقير الآخر
لاشك أن قوي الهيمنة العالمية تستفيد من تصوير مجتمعات العالم الإسلامي بالتخلف والتطرف والهمجية وكمصدر للإرهاب وبالتالي تصبح وكأنها الخطر الأساسي علي المجتمعات الغربية "المحبة للسلام والمتمسكة بالحوار والعقلانية". إن الإدارة الإمبريالية الرئيسية في الولايات المتحدة والمساندة لها من جانب العديد من الدول الأوروبية وعلي رأسها بريطانيا وحليفتها الاستراتيجية الكيان الصهيوني تسعي دوما وتخطط وتصرف أموالا طائلة لتعميم هذه الصورة المقززة عن طريق أدواتها الإعلامية وأجهزتها السياسية والثقافية المختلفة، كما هو واضح من بعض المؤلفات المتخصصة مثل مؤلفات برنارد لويس وهانتنجتون وباتاي الذي يستخدم كتابه " العقل العربي" كمرجعية لتحديد فاعلية طرق تعذيب العراقيين علي أيدي المحتل. إن الهدف من تحقير الشعوب المراد الهيمنة عليها والتخويف منها هو تبرير الهيمنة والاستغلال وتسويغ الجرائم الشنيعة والمستمرة التي ترتكبها ضدها وفي الوقت نفسه الحفاظ علي واجهة إنسانية وأخلاقية تسمح لمواطني الدولة المعتدية رغم ارتكابهم لأفعال مشينة تقشعر منها الأبدان أن يعودوا إلي عائلاتهم وذويهم وأطفالهم ويمارسوا وجها آخر يتسم بشيء من التحضر والإنسانية. وهانحن نري مثلا مشاهد الحب الدافق الذي يغدقه بوش والذي أغدقه شارون وهتلر علي كلابهم المدللة، في الوقت نفسه قاموا بالإشراف علي جرائم بشعة ضد الإنسانية. (وهذا المنطق ينطبق علي الذين يعذبون بني وطنهم، هنا أيضا لابد من التحقير للذين يعذبونهم إما لانتمائهم لدين أو مذهب آخر أو باعتبارهم أعداء الوطن أو إرهابيين أو ملحدين..إلخ)
إن جنود الاحتلال في كل مكان وزمان يحتاجون لمبررات قوية للقتل والتعذيب والإهانة حتي يرتكبوا أفعالهم، فيشعر بعضهم بالراحة المعنوية للاعتداء علي هؤلاء الهمجيين متدني الإنسانية بل ويطلق بعضهم صيحات النشوة واللذة مثل التي أطلقها جنود بريطانيون أثناء تعذيبهم لمواطنين عراقيين في سجون بريطانية بجنوب العراق كما شاهدنا علي شاشات التليفزيون، وكما رأينا من قبل مشاهد تعذيب في سجن أبو غريب ببغداد تعبر عن مدي وحشية جنود أمريكيين، هذا بالإضافة إلي ما نقرؤه من تقارير حول ما يدور في سجون أمريكية أخري بجوانتانامو (حيث حقر القرآن وليس الرسول فقط) وسجون سرية عديدة في بلاد أوروبية وعربية. بالطبع لابد من محاكمة نفر من هؤلاء الذين نفذوا تعليمات صادرة من قمة الإدارة الأمريكية وتصوروا بسذاجة أنهم في حمايتها فتحاكم قلة منهم وتصدر ضدهم عقوبات رمزية تكون بمثابة شهادة براءة للحكومات والمجتمعات من جرائم ارتكبتها "قلة طائشة".
ورغم كل ذلك لا تسلم أعداد غفيرة وفي ازدياد مستمر من الانهيارات النفسية الحادة والوقوع في براثن أمراض عقلية مدمرة تقضي علي حياتهم الطبيعية و الاستسلام للعنف بما في ذلك العنف الأسري والجريمة والمخدرات بل وأحيانا الانتحار. وتصبح هذه المحاكمات الصورية تبريرا لرفع رايات الدفاع عن القيم الإنسانية الرفيعة بل واستغلال شعاراتها لمزيد من التدخل والقهر وارتكاب الجرائم.وينظر مثقفو الإمبراطورية الأمريكية ليؤكدوا أنهم يواجهون صراعا حضاريا لابد أن ينتصروا فيه مستخدمين كل الوسائل من عنف عسكري وسياسي واقتصادي وأيضا إعلامي فالغاية السامية النبيلة مثل الدفاع عن الأمن القومي والديمقراطية والحريات تبرر الوسيلة بل كل الوسائل!!
هناك استحالة من معالجة موضوع الرسومات بعيدا عن المشروع الإمبراطوري المتعثر بالذات في العراق لمواجهته مقاومة عنيفة ورفضا سياسيا واسعا. هذا المشروع الذي يأخذ عناوين مخادعة: "الحرب علي الإرهاب "، "نشر الديمقراطية"،"الإصلاح والتغيير"، " صراع الحضارات"،"العولمة"، "التجارة الحرة"..إلخ. هذا المشروع الذي تسعي الإدارة الأمريكية بقوة لتحقيقه للخروج من أزمة الرأسمالية العالمية المعاصرة بكل الوسائل: إرهاب وترويع وعمليات "قذرة"،كذب وخداع وتمويل منظمات محلية وإقليمية ودولية، وغرس معلومات خاطئة وزرع صحفيين ومراسلين وصحف مأجورة،يساعدها في ذلك كحليف أصغر دول الاتحاد الأوروبي والتي تحاول لعب دور "المحلل" والملطف للإدارة الأمريكية. يساعد في هذا المضمار أيضا حكومات تابعة تبدي مرونة فائقة في وجه الضغوط الأجنبية يرافقها صلابة استبدادية في وجه شعوبها.
ولا يمكن النظر إلي تصوير الرسول(ص) كإرهابي في فراغ ولكن كجزء من استراتيجية "الحرب علي الإرهاب". إن شيطنة الإسلام والمسلمين والتحريض علي احتقارهم وكرههم والتخويف منهم فيما يسمي بالإسلاموفوبيا (أي الهلع من المسلمين) هو جزء مصاحب وضروري لتبرير العدوان عليهم وتعذيبهم من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني. ولتأكيد قوي الهيمنة علي أن الغرب يواجه صراعا حضاريا، وأنهم لابد أن ينتصروا فيه مستخدمين كل الوسائل من عنف عسكري وسياسي واقتصادي وأيضا إعلامي. فالغاية السامية النبيلة مثل الدفاع عن الأمن القومي والديمقراطية والحريات تبرر الوسيلة، أي وسيلة!!
الرسوم الكاريكاتورية إذا هي إحدي الضربات الاستباقية لتبرير ما يحدث وما سيحدث وللاستعداد لمزيد من العدوان علي الشعوب خصوصا في منطقتنا العربية والإسلامية في إطار تحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير (سوريا ولبنان والسودان وإيران وأفغانستان بل وباكستان). وهو أيضا لتفريغ الغضب علي العنف والترويع والاغتيالات المستهدفة والإبادة، فتراكم هذا الغضب في عقر دار الإمبريالية في شكل حركات مناهضة للحرب والاحتلال وجميع الجرائم المرتكبة يشكل خطورة حقيقية لابد من التعامل معه وتفريغه، خصوصا إذا ارتبط وتفاعل مع قضايا كبيرة داخلية اجتماعية واقتصادية مثل الاعتداء علي الحريات و تصاعد خسائر الحرب البشرية والمادية في الوقت الذي تتناقص الميزانية الموجهة للتعليم والصحة والمرافق..إلخ وتعدد قضايا الفساد الهائل علي حساب دافعي الضرائب والشرائح المطحونة
(فضيحتي إبراموف وكن ليي بشركة انرون علي سبيل المثال) والإهمال الشديد كما ظهر إبان كارثة كاترينا. إن الحكومات المختلفة تعي تماما كيف أن تراكم الغضب وارتباطه بمسببات متعددة يشكل أزمة خطيرة للسلطة وبالتالي تقفز أولية تفريغه بكل الوسائل بالترهيب والقمع وفتح معارك جانبية مأمون نتائجها وباستخدام وسائل الترفيه المتعددة وخصوصا المنافسات الرياضية المختلفة.
توظيف الإسلام السياسي
من الواضح أن قوي الإسلام السياسي تعتبر الموضوع - أساسا- كرتونا مسيئا للرسول الكريم (ص) وبذلك تعرف المسألة بأنها دينية بل إنها متعلقة بشخص الرسول(ص) وتستوجب حث المسلمين "لنصرة الرسول". وانتشرت ملصقات ترفع شعار "إلا رسول الله" يدعو بعضها المسلمين للصوم والدعاء ويدعو بعضها الآخر لمقاطعة بضائع دنماركية. وفي مظاهرة نظمها الإخوان المسلمون أمام نقابة المحامين ارتفعت إعلانات تقول "منذ ثلاثة شهور الصحف الدنماركية تستهزئ بالنبي(ص) وملكة الدنمارك تقول: الإساءة للنبي محمد حرية رأي فماذا تفعل أيها المسلم لنصرة نبيك محمد(ص) قاطعوا من أهان نبينا(ص)-دانو، أنكور،نيدو- مش حنموت لو ماشربناش لبن الدنمارك". بهذا التناول تختزل القضية في بعدها الديني ثم يعاد اختزالها مرة أخري كإهانة للرسول(ص). فالمعني الضمني للشعار الأول هو أن جميع الجرائم التي ترتكب في حق المسلمين في كفة و إهانة رسول الله (ص) في صحيفة دنماركية في كفة بذاتها. وفي هذه الحدود تصبح المسألة جرحا لشعور المسلمين يجب الاعتذار عنه وعندما يحدث ذلك يصبح إنجازا كبيرا يعطي دعما سياسيا لهؤلاء الذين تصدوا "للدفاع عن الرسول"، كما يبرر عودة الهدوء والرضاء بعد تفريغ شحنة الغضب، والوقوع في فخ ما سمي بحوار الحضارات وما شابه ذلك. والذي يضاعف من خطورة ذلك هو غياب ملصقات تندد بالجرائم التي ترتكبها قوات التحالف في العراق والتي تضم قوات دنمركية وقوات خاصة إسرائيلية، أو التي ترتكبها القوات الصهيونية في فلسطين، وانقطاع الدعوة لمقاطعة البضائع الإسرائيلية وبضائع رمزية أمريكية. هذه الملصقات جميعها وما صاحبها من نشاط علي نفس الوتيرة يظهر أن هناك قوي سياسية تدفع في هذا الاتجاه وبذلك توظف القضية لدعم اتجاهها السياسي. وهذا يذكرنا بمواقف شبيهة في أوائل الثمانينيات عندما رفعت قوي الإسلام السياسي آنذاك شعار "وا أفغانستان" في جميع الجامعات والعديد من الأماكن الشعبية وتجاهلت الغزو الصهيوني للبنان والذي انتهي بحصار بيروت.
والمشكلة هنا ليست استغلال الأحداث من قبل قوة سياسية لتنشيط فعلها السياسي وتوسيع دعمها الشعبي، ولكن تقع تحديدا في اختيارات وانحيازات هذه القوة السياسية وطريقة تناولها للمسألة واستغلال الدين في قضايا سياسية مثل رفعها لشعار "الإسلام هو الحل" كشعار انتخابي يجذب الجماهير. وهناك أيضا الانعكاسات السلبية من طرح الموضوع علي أنه قضية إسلامية في مواجهة اعتداء صليبي خصوصا في مجتمع ارتفعت فيه نعرات الطائفية.
وبالطبع فإن الجمهور، أي جمهور، خصوصا في حقبة انحسرت فيها الثقافة وتصاعدت فيها مقولات جذابة تستغل الشعور الديني الفياض، يتبع الاتجاه والشعارات التي تدغدغ مشاعره وقيمه السائدة ويؤكدها. تبقي القلة المتمسكة بالتفكير والتحليل والبحث عن الأسباب والأهداف في إطار منهج متكامل والتي تحترم الجمهور، فلا تتبني مواقف سطحية أو انتهازية لتحقيق مكاسب سياسية آنية بل تسعي إلي توجيه الغضب الكامن في اتجاه العدو الحقيقي وتنظيمه كأداة فعالة للتغيير وبهدف سحب البساط من تحت أقدام من أراد انفعالا مسكنا أو انفعالا يحقق له أهدافه السياسية.
ما الذي يسيء للرسول(ص)؟
ومن الضروري في هذا الصدد ما دام البعض يصر علي تصوير القضية وكأن بعدها الأساسي هو البعد الديني، أن نتساءل لماذا لم يكن هناك رد فعل مماثل عندما أعلن علي الملء أن الجنود الأمريكيين في سجون جوانتانامو رموا القرآن في المراحيض بالإضافة إلي تقارير وصور التعذيب والإهانة الشنيعة لمسلمين بها وفي سجن أبوغريب، خصوصا أن معظمهم أبرياء من أي تهمة. كذلك علينا أن نتساءل ما الذي يسيء للرسول (ص) إذا كان بيننا اليوم؟ أتسيئه هذه الرسوم السخيفة والمراد منها استفزازنا لغرض في نفس الإمبريالية أم يسيئه صور الذين يعذبهم بوش ورامسفيلد وشيني بأيدي قوات الاحتلال والذين قتلوا وشوهوا من جراء هذه الأفعال الإجرامية أم يسيئه التدمير والقتل والنهب والاغتيالات الموجهة؟ أم يسيئه قتل الرئيس الفلسطيني وتهديد علني باغتيال رئيس وزراء فاز بتأييد شعبه في فلسطين دون اعتراض فعال من حكومات ترفع رايات إسلامية.في اعتقادي أن أكثر ما يسيئه هو السكوت الذي يصم الآذان عن كل هذا من حكومات تابعة ومجتمع مدني ممول من طرف المعتدين ومن شعوب مستاءة لما يحدث ولكنها صامتة
توظيف حكومات عربية
أما الحكومات العربية فجاءتها الرسوم وكأنها هدية، وسرعان ما وظفتها لتهدئة النفوس الغاضبة علي خنوعها وفسادها وخداعها. ورحبت بالمظاهرات حتي تنفس عن غضب مدفون وبمقاطعة لا تغضب إلا شعب الخمسة ملايين دنمركي. أما في مصر فالرسوم كانت خير معين للسلطة الحاكمة بعد حادثة العبارة المؤلمة وفضائح الفساد وارتفاع الأسعار وتفاقم الأحوال المعيشية ووطأة الاستبداد المقنع بغلاف ديمقراطي فاضح. ومن مصلحة هذه الأنظمة مثل القوي المعتدية صرف النظر عن ممارسات الاحتلال في فلسطين والعراق، ولهذا فهي تؤكد علي عمق الصداقة مع من يهين ويعذب ويغتصب ويهدد ويحتقر ويتآمر. وبالتالي فمن المفيد تصوير المسألة كقضية دينية وأن ترحب "بحوار الحضارات" ومؤتمرات تعميق "السلام".
ويجب ألا ننسي بعض المثقفين(ما يطلق عليهم أحيانا بالمارينز العرب) الجاهزين للتبرير والخداع، وآخرون وقعوا في فخ الإصلاح الديمقراطي المنفصل عن التحرر الوطني، كما نادي بعضهم صراحة أو علي استحياء بالاستقواء بالخارج، أي بالقوي العدوانية بحجة غياب البدائل، كما فعل الرئيس السادات برفعه شعار ما هو البديل؟ بعد أن سار في نهج كامب دافيد واعتبر الولايات المتحدة الشريك الأمين للسلام.
التوظيف الوطني
أما إذا وجهنا غضبنا كما يجب علي الجرائم الأمريكية والصهيونية لاستخدامنا الفرصة للتصعيد من مقاطعة ما هو إسرائيلي وقاطعنا بضائع أمريكية محددة في المرحلة الأولي(تغرق أسواقنا حاليا المنتجات الاستهلاكية الأمريكية) بالإضافة إلي مقاطعة البضائع الدنماركية، ليس فقط لتستصدر قوانين تمنع إهانة كل المشاعر الدينية، ولكن للإفراج عن المعتقلين في العراق وفلسطين المحتلة ولمحاكمة من أصدر الأوامر للقتل والتعذيب والامتهان وليس حفنة من المجرمين الصغار لذر الرماد في العيون.
ازدواجية وتناقضات هنا وهناك
نتحدث كثيرا عن ازدواجية المعايير الصارخة من قبل الحكومات الغربية في العديد من القضايا. فحرية التعبير تقف مشلولة تماما بصدد قضايا صهيونية بل يعاقب من يتجرأ ببحث موضوع الهولوكوست، والسلاح النووي حق للكيان الصهيوني ومحرم لأي دولة عربية صديقة أو غير صديقة واحتلال أراضي الغير دفاع عن النفس والأمن القومي في حالة أمريكا وإسرائيل وجريمة كبري إذا كانت من قبل العراق عندما احتل الكويت التي كانت تاريخيا جزءا من أراضيه، وأصولية بن لادن التي شجعتها ورعتها ومولتها الإدارة الأمريكية شر محيق أما أصولية المحافظين الجدد فهي بعد نظر وذكاء ورحمة للعالمين والعنف من قبل أفراد عربا أو مسلمين إرهابا إسلاميا أو عربيا، أما عمليات إرهابية يقوم بها مسيحيون فهي من قبل منظمة أيرلندية إرهابية أو مجرد أفراد مثل ماكفيي إرهابي أوكلاهوما. والحديث هنا يطول كثيرا إذا أطلقنا لأنفسنا العنان، ولكن يكفي أن نؤكد أن من مكونات أي قوي عدوانية تعمل في عدة جهات أن تكون مزدوجة المعايير. فهي مكون أساسي مثل مكونات أخري مثل: العنف وتبرير استخدامه المتكرر، غرور القوة، عدم الاكتراث بالخسائر البشرية خصوصا للخصم، طبقية وعنصرية متأصلة، كذب وخداع إعلامي واسع، سرية وانتهاك للقانون المحلي والدولي، إرهاب فكري للمعارضين وتلطيخ سمعتهم، فساد وجشع، قصر نظر وخداع النفس، استخدام الدين كوسيلة لحشد التأييد، الإيمان بأن الغاية تبرر الوسيلة، احتقار ثقافة الغير. لا بد أن نتوقع أن خليطا من هذه المكونات أن تعبر عن نفسها مرارا، وتصبح أهمية فضح ازدواجية المعايير في تعرية مواقف وأهداف القوي المهيمنة وليس لتغيير مواقفها.
ولكن المدهش حقا هو ازدواجية المعايير من قبل قوي محلية ترفع مبادئ سامية، فغضب البعض من عدم احترام مقدسات إسلامية كانت في السابق تؤيد أو تسكت عن تدمير طالبان للتماثيل البوذية المقدسة لدي أصحاب هذا الدين. والذين ينادون بالحساسية للدين الإسلامي لا بد أن تقابله حساسية من المسلمين للأديان الأخري وخصوصا لمواطنين يؤمنون بدين آخر. إنه من النفاق الشديد أن يفتقد بعض المصريين المسلمين حساسيتهم نحو بني وطنهم من الأقباط، ولعلها مناسبة جيدة للتأكيد علي هذه الضرورة ليس فقط لتدعيم مبدأ المواطنة الضروري ولكن أيضا حماية الوطن من أي عبث بوحدته الوطنية من الداخل أو الخارج.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


[articles/inc-foot.htm]