يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1272 (29 مارس - 5 ابريل) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

المجانين يهدمون.. مستشفي هليوبوليس!

 
 

محمد فهمي

 

 
.. والمنطقة باتت شديدة الزحام.. والفوضي والتلوث
ولا تحتمل إقامة صرح علاجي..
يستدرج المرضي من أطراف المعمورة.. للقضاء عليهم!.في مثل هذه الأيام من العام الماضي (2005) لم يكن لمصر الرسمية.. سوي حديث واحد هو الاحتفال بمرور مائة سنة علي إنشاء ضاحية مصر الجديدة!.
كان رجل الأعمال البلجيكي البارون انبان قد أقام الضاحية الجميلة وسط الصحراء، بعد أن ربطها بخط مترو منتظم.. أنيق.. نظيف.. له نوافذ.. وله مقاعد طلب من الركاب ألا يضعوا أقدامهم عليها!.
واختار البارون انبان الطراز الإسلامي.. لإقامة مباني الضاحية النائية.. إلي جانب الحدائق والمدارس ودور السينما والمستشفيات، والمكتبات العامة.. وجعلها جاذبة للسكان والاستثمارات.. وعشاق الجمال!.
وهكذا قامت وسط الصحراء ضاحية جميلة.. لاتزال هي أجمل ضواحي القاهرة!.
وعلي الرغم من كل سياسات الإهمال التي تعرضت لها مصر الجديدة.. ومترو مصر الجديدة.. وشوارع مصر الجديدة.. ومدارس مصر الجديدة.. وأرصفة مصر الجديدة.. طوال سنوات الصراعات المسلحة.. إلا أن الضاحية.. احتفظت بالحد الأدني من جمالها القديم.. رغم توقف «الصيانة» في كل مرافقها.. لسنوات وسنوات.
ودارت الأيام.. وجاء عصر الفساد للركب.. وقامت حكومات الحزب السرمدي.. باستثمار مليارات الجنيهات في إقامة ما أسمته المدن الجديدة!.
ولم يخطر ببالها.. طبعا.. تكرار نماذج التجربة الناجحة الماثلة أمام العيون.. في مصر الجديدة.
لم تفكر في إقامة الطرق والمواصلات.. منها.. وإليها.
لم تفكر في ربط أجزاء كل مدينة ببعضها.
لم تفكر في تزويد هذه المدن بالدراجات.
فكرت بطريقة «اخطف واجري».. والمهم هو حفل الافتتاح.. واديني ميعاد وابقي قابلني!.
فكرنا بطريقتنا.. فأقمنا أكبر تجمعات للخرسانة المسلحة يحار في فهمها.. نزلاء أي مصحة نفسية في أرجاء المعمورة.. ناهيك عن أساتذة الخرسانة بجامعة الأزهر!.
كتل من الخرسانة المسلحة.. في مناطق نائية.. لا تربطها بالعالم القديم قطارات قشاشة.. ولا مترو قشاش.. ولا حتي.. مواصلات آمنة بعيدا عن النعوش السريعة.. التي يطلق عليها الميكروباصات.. والتي يقودها البلطجية.
لا مترو تحت الأرض ولا فوق الأرض.. وكل واحد يتصرف بمعرفته.
مدن نائية.. معزولة.. خالية من المستشفيات والمدارس وأقسام الشرطة.. وتوقع الحزب السرمدي من الناس الانتقال إليها.
فلم ينتقل إليها أحد.. ولم يرض بها العقلاء مسكنا ومقاما!.
ولا يأمن المواطن الذي لا يحمل سلاحا من العبور أمامها بعد غروب الشمس.. ولا يقترب منها الناس إلا لماماً!!.
ونعود إلي مصر الجديدة.. فنقول إن مرور مائة سنة علي إنشاء ضاحية مصر الجديدة.. كان فرصة لشحن الرأي العام بجرعة عملاقة من التصريحات التي لا تصلح إلا للمقالات الافتتاحية المتخصصة في الأفكار الصبيانية!.
وأقيمت الاحتفالات.. وألقيت الكلمات.. وجاء وفد من الحكومة الفرنسية.. ووفد من الحكومة البلجيكية.. لإنشاد القصائد.. ومخاطبة المسئولين باللغات الأعجمية.. بعد أن تتواري لغتنا العربية!.
وتبارت صحف الحكومة في تناول الموضوعات المتعلقة بهذه الضاحية التي يأتيها الأجانب للاحتفال بها.. دون غيرها من الضواحي التي جاءت من بعدها.. وضربت الأرقام القياسية في سوء التخطيط.. وانحطاط الذوق.. وخراب الذمم.
لم نسمع أن وفدا من هولندا.. قد قصد ساقية مكي.. أو مدينة نصر.. أو غيرهما من الأحياء العشوائية التي يفر من أمامها العدو.. مهما بلغت «غلاسته»!.
عشوائيات.. شيدت في عصر «الفساد للركب».. والقرارات التي تخرب القصور العامرة.. وتعمر القبور بالأحياء ممن تنخلع لمرآهم القلوب.
تعمرها.. بالملايين التي تولول علي حالها.. وتندب حظها.. وتبكي علي ذهاب عقول حكامها.
وكثر الكلام في مناسبة مرور 100 سنة علي إنشاء مصر الجديدة.. فقال المحافظ عبدالعظيم وزير الذي يستعين في قراراته بأهل الذكر، إنه قرر وضع خطة للتجميل والإنارة ورفع الإشغالات بشكل جمالي خاصة في شوارع الأهرام وإبراهيم اللقاني وميدان روكسي والشوارع المتفرعة منه.
وقال المحافظ إنه كلف السيد محمد لبن رئيس هيئة النظافة والتجميل بسرعة رفع المخلفات.
أما اللواء زكي عبدالغني فقد أشار إلي مشروعات التطوير بين القاهرة وباريس.. وقال إنه سيتم في إطار هذا التعاون مع بلدية باريس إعادة تخطيط شارع عبدالمجيد اللبان بالسيدة زينب بتكلفة 1.1 مليون جنيه.. أي أن خير مصر الجديدة سيعم علي أم هاشم أيضا.
وكان للحديث عن مترو مصر الجديدة.. ما يبشر بالآمال العريضة في تحول مترو الضاحية التي أنشأها البارون انبان إلي منافس لمترو باريس.
قال المحافظ.. الذي لا يتكلم إلا بعد أن يسأل أهل الذكر.. إن مترو مصر الجديدة يستهلك ملايين الجنيهات سنويا.. بينما لا يستخدمه سوي عدد محدود من المواطنين.. وفي أوقات معينة.. لم يحددها المحافظ لأسباب أمنية (!!!).
وهو قول يتنافي مع الواقع.. لأن هذا المترو يسير بلا مواعيد.. وتتراوح المدة بين القطار والآخر ما بين ساعة إلي ثلاث ساعات.. أي أن المواطن ينتظر «المحروس» علي المحطة.. انتظار الشعب الفلسطيني.. لإعلان دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
وفي مواقيت الصلاة يتوقف المترو في محطة السيدة خديجة.. حيث ينزل الكمساري لإمامة المصلين.
أريد أن أقول إن المسئولين عن المترو نجحوا في أن يفقد الركاب من تلاميذ المدارس والنساء المعيلات وأرباب المعاشات.. الأمل في الاعتماد علي المترو.. فانصرفوا عنه.. لفشله.. ولكاعته.. وسوء سمعته!.
الأمر الذي اعتبره المحافظ مبررا.. لعدم إصلاح حاله، وأنه باختصار لا يستحق الإصلاح.. مثل عمر أفندي ومصانع الألمونيوم ورأس أبوالهول.. إلخ.
وقال المحافظ وزير إن «بلاده» تدرس مدي إمكانية الاستفادة من تطوير مرفق مصر الجديدة.. لأن التطوير يحتاج إلي نصف مليار جنيه.. وأن «بلاده» ليست متأكدة من تحقيق العائد المطلوب من التطوير.
وهو كلام لا يمكن أن يصدر عن مسئول في لجنة «ميليس».. فأي مسئول في هذه اللجنة يعرف أنه لا يعمل علي خطوط مترو مصر الجديدة سوي 27 قطارا (!!!) تعمل علي خمسة خطوط (!!).
وتقول المهندسة عفت عبدالرحيم بدر.. رئيسة قطاع مترو مصر الجديدة إن العمر الافتراضي لعربات المترو قد انتهي منذ ربع قرن.. وأن 90% من الوحدات معطلة.. وأن الهيئة لم تستورد محركات منذ سنة 1996.. بما يعني أن الحالة «زفت وهباب»!.
أريد أن أقول إن وصول مترو مصر الجديدة للمحطات هو شيء من القضاء والقدر.. هو من قبيل الحظ.
فإذا جاء المترو.. فمعني ذلك أن الحظ شاء.. ولذلك تجري علي ألسنة ركاب المترو مقولة.. إنه إذا جاء المترو.. فلا تقل شئنا.. فإن الحظ شاء!.
الناس علي محطات المترو.. تبدو كالسكاري.. من «دوخة» الانتظار!.
والمحافظ يري أنهم يترنحون من فرط السعادة!.
المهم..
إن الكلام عن مصر الجديدة.. في مثل هذه الأيام من العام الماضي.. كان أيضا للركب.
فساد للركب.. وكلام للركب.
والآن.. وبعد مضي سنة من الكلام.. لم يطرأ علي أرض الواقع أي تحسن.
لم يتحقق علي أرض الواقع سوي ما تحقق من إصلاحات سياسية واقتصادية.
وما بأيدينا خلقنا تعساء!.
***
وفي أكتوبر 2005.. عقدت السيدة الفاضلة سوزان مبارك اجتماعا لتطوير مستشفي هليوبوليس.. حضرته كوكبة من قيادات البلد يتقدمهم الدكتور زكريا عزمي بصفته السكرتير العام لجمعية تنمية خدمات مصر الجديدة.
وبعد الاجتماع جري الإعلان في كل صحف الحكومة عن خطة متكاملة لتطوير المستشفي.. وقالت الصحف إنها الأولي من نوعها منذ افتتاح المستشفي سنة 1956.. وإنها ستتكلف 20 مليون جنيه.
وتشمل الخطة.. وفق ما جاء في الصحف.. تطوير المستشفي بكامل أقسامه وسعته 350 سريرا.
350 سريرا لجميع التخصصات.. ولاسيما قسم الطوارئ حيث يقع المستشفي في ملتقي 3 طرق.. هي السويس والإسماعيلية والطريق الدائري.. ويتردد علي قسم الطوارئ 45 ألف شخص سنويا.
وقالت صحف الحكومة إن السيدة سوزان مبارك ركزت علي أهمية البدء في عملية التطوير.. والبدء بتطوير قسم الطوارئ الذي يضم 42 سريرا.. إضافة إلي غرفة عمليات وغرفة للعناية المركزة وللقلب.. وغرفتين للملاحظة.
وقالت صحيفة «الأهرام» في عددها الصادر بتاريخ 28 أكتوبر 2005 إن تطوير قسم الطوارئ سينتهي خلال ستة أشهر تعقبه مرحلة فندقة أدوار المستشفي الثلاثة بحيث تنتهي عمليات تطويرها تطويرا كاملا خلال عام علي أكثر تقدير.
والمفروض وفقا لهذا الكلام أن تكون عمليات التجديد.. جارية علي قدم وساق.. خصوصا أننا علي أبواب شهر أبريل 2006.. ولكن الذي حدث هو العكس.
في جلسة أذاعها التليفزيون الرسمي من مجلس الشعب منذ أيام وقف الدكتور حمدي السيد.. يسأل:
هل صحيح أن الحكومة بصدد هدم مستشفي هليوبوليس؟!.
وبمنتهي البساطة أجاب الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة.. بأعصاب هادئة.. باردة:
- نعم سنهدم مستشفي هليوبوليس.. لأن الدراسات أكدت أن عملية التطوير.. سوف تستنفد أموالا تفوق تكاليف هدمه وإعادة بنائه من جديد!.
أي أن القضية في رأي الوزير هي قضية «تكلفة».. وأن هدم مستشفي بطراز معماري فريد.. ومكون من 3 طوابق.. أقل تكلفة من استثمار الأرض والموقع في بناء برج هائل.. علي غرار الأبراج التي ستبنيها المجموعة القديمة من القيادات الصحفية.. وأشاعت في البلد الفساد.
تفكير عجيب لأسباب لا يمكن أن تغيب عن ذهن «أم حنان».. التي تجلس بمشنتها علي الرصيف المواجه للمستشفي تبيع الفجل والجرجير.
وأول هذه الأسباب.. أن المنطقة المقام بها المستشفي باتت شديدة الزحام.. وبالتالي لم يعد من السهل وصول عربات الإسعاف إليها.. خصوصا أن الشارع الرئيسي الموصل إليها وهو شارع الحجاز.. من الشوارع التي يتوقف فيها المرور طوال ساعات النهار بسبب التكدس أمام محكمة مصر الجديدة.. ورئاسة الحي.. وطوال ساعات الليل بسبب مقاهي الأرصفة.. ورواد قسم مصر الجديدة.. علاوة علي مرضي مستشفي الدعاة.. المجاور لمستشفي هليوبوليس.
فالمنطقة باتت شديدة الزحام.. والفوضي.. والتلوث.. ولا تحتمل إقامة صرح علاجي عملاق.. يستدرج المرضي من أطراف المعمورة. للقضاء عليهم.
فلا سيارات الإسعاف تستطيع الوصول لهذا المستشفي.. ولا البنية الأساسية للمنطقة تسمح ببناء برج.. لن تصل المياه لأدواره العليا.. إلا بخراطيم المطافئ.
السبب الثاني: الذي لا يمكن أن يغيب عن «أم حنان» هو أن الفساد الذي وصل للركب.. سمح بإقامة عدد هائل من الأبراج السكنية.. أحاطت بالمستشفي من كل جانب.. ورفعت التلوث إلي درجاته العليا.. وبالتالي فإن اتساع مساحة المستشفي وكونه مكونا من 3 طوابق فقط قد ساعد علي التخفيف من هذه الكارثة البيئية.
فلو تصورنا أن برجا من عشرة طوابق قد أقيم محله.. فمعني ذلك أنه لن يكون أمام سكان هذه المنطقة سوي اللجوء لجمعيات حقوق الإنسان.. والتقدم بتظلماتهم للسيدة كونداليزا رايس من تلوث الجو.
السبب الثالث الذي لا يمكن أن يغيب أيضا عن ذهن «أم حنان» هو أن الطراز المعماري لمستشفي هليوبوليس بات من ملامح المنطقة.. وبات من علامات جمالها.. وسط قدر هائل من القبح المعماري.. المحيط به.
وكان يتعين علي الحكومة أن تكون القدوة.. في المحافظة علي المباني الأثرية.. لأنه ليس من المعقول أن نطلب من صاحب فيلا مكونة من دور واحد.. عدم هدمها.. بينما نقوم نحن بهدم تحفة معمارية لنقيم صرحا علاجيا.. الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود.
السبب الرابع.. هو: هل من الأفضل إقامة صرح علاجي عملاق في منطقة مزدحمة.. أم أنه من الأفضل إقامة عدد كبير من المستشفيات الصغيرة والمتوسطة.. لتغطي رقعة جغرافية واسعة وتقدم الخدمة لمرضي.. لا يستطيعون الانتقال للمستشفيات بالمترو.
إذا سألت «أم حنان» فسوف تجيب بأن الحل هو المستشفيات المتفرقة.. التي تخفف عن وسائل المواصلات.. وأهالي الضحايا.. وتخلق فرص عمل للأصحاء من الجيران.
إن هدم مستشفي هليوبوليس هو ضرب من الجنون.. ورحم الله علي أمين الذي لم يكن يمل من الدعاء..
يا رب احفظ بلادي من المجانين!.
علما بأن المجانين علي أيامه.. لم يكونوا بهذه الكثرة.. ولا علي هذه المستويات الرفيعة من المسئولية.
***
المثير في الموضوع.. أن جميع الدول المتقدمة.. تقيم مستشفياتها علي الطرق السريعة.. أو بالقرب منها.. خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بالطوارئ.. وسرعة الوصول.
وهي مستشفيات تستخدم أسطحها كمطارات.. لطائرات الهليكوبتر.. والإسعاف الطائر.. إلخ.
وأود أن أسأل السيد الوزير:
لماذا لم يفكر في إقامة الصرح العلاجي العملاق.. فوق الأراضي الصحراوية المتاخمة لمساكن شيراتون بمصر الجديدة.. مثلا.. وهي منطقة يسكنها الوزراء.. والطبقة السياسية؟.
لماذا لم يفكر في إقامة الصرح العلاجي العملاق.. علي الطريق الدائري.. أو بالقرب من مطار القاهرة؟ إلخ.
أيها المجانين.. ارفعوا أيديكم عن مستشفي هليوبوليس!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


[articles/inc-foot.htm]