الحكومة تبحث عن نظام جديد
لسد العجز في الموازنة علي حساب المواطنين الغلابة
بعد استيلاء الحكومة علي أموال التأمينات التي تقدر بنحو
230 مليار جنيه، وبعد إسقاط هذه الديون من خلال ضم وزارة
التأمينات لوزارة المالية وتحت دعوي إصلاح نظام التأمينات
والمعاشات تريد الحكومة المصرية حرمان الأسرة من معاش
عائلها بمجرد وفاته معللة ذلك بأن استمرار صرف المعاش
للأسرة بعد وفاة صاحبه يمثل كارثة حقيقية في ظل ندرة
الموارد. ورغم انفراد «الأهالي» في أعدادها السابقة بكشف
هذا المخطط الحكومي إلا أن الأطراف الحكومية لاتزال تواصل
اجتماعاتها مع بعثة البنك الدولي من أجل وضع نظام جديد
للمعاشات الهدف منه سد العجز في الموازنة ضاربة عرض الحائط
بحقوق المؤمن عليهم وحقوق أسرهم، وغير مهتمة بأن هذه
الأموال أصلا ملك أصحابها وتم استقطاعها من مرتباتهم ويجري
استثمارها لتستفيد منها الحكومة ولايجوز بأي حال من
الأحوال حرمان أصحابها منها.
من جانبها تقوم لجنة الدفاع عن الحقوق التأمينية حاليا
بعقد اجتماعات موسعة لبحث الأشكال القانونية التي سوف
تتخذها من أجل التصدي لمخطط الحكومة وقد تم الاتفاق في
الاجتماع الذي عقد الأسبوع الماضي بمقر هشام مبارك
القانوني وبحضور ممثلين عن الأحزاب والنقابات علي كتابة
بيان إعلامي يتضمن التعريف بموضوع التأمينات الاجتماعية
والمخاطر التي تهدد أموال التأمينات وأصحاب المعاشات،
والمطالبة بضرورة فصل التأمينات عن وزارة المالية لأن
أموال التأمينات أموال خاصة ولا يجوز التصرف فيها، وكأن
ليس لها صاحب، والتوضيح بخطورة ضم التأمينات للمالية لأن
هذه الخطوة هي الأولي لتقليص المزايا التأمينية وحرمان
الأسر من حقها بعد وفاة عائلها.
كما قامت اللجنة برفع عدد من الدعاوي أمام المحكمة
الدستورية للمطالبة بإعادة أموال التأمينات التي استولت
عليها الحكومة.
وحول الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة علي اتجاه
الحكومة بعدم توريث المعاش يدور التحقيق التالي..
في البداية يؤكد عبدالحميد عطا أمين الشئون البرلمانية
بحزب التجمع، أن التفكير في عدم توريث المعاش أمر يستحيل
حدوثه في يوم من الأيام فهذا ضرب من ضروب الخيال، فالمعاش
من قديم الأزل وهو حق من حقوق الورثة سواء الزوجة أو
الأبناء، وهذا النظام متبع في أغلب دول العالم، كما أن
الدول المتقدمة تهتم في المقام الأول بالأرامل واليتامي
ومحدودي الدخل وتضمن لهؤلاء كفالة اجتماعية عالية المستوي،
حتي عندنا في مصر فهناك معاشات مخصصة للأرامل واليتامي
فكيف تفكر الحكومة إذن في الاستيلاء علي أبسط حقوق هؤلاء
بعد وفاة عائلهم، ومن الناحية العقلية والمنطقية هذا
الاتجاه لا يمكن تنفيذه.
ويطالب عبدالحميد عطا المسئولين عن التأمينات الاجتماعية
والذين يفكرون في تعديل نظام المعاشات بدلا من أن يبحثوا
أمورا لن تحدث عليهم أن يعيدوا النظر في سلبيات المعاشات
بوضعها الحالي، ويقوموا بتحسين تلك الأوضاع، فالحكومة
تحاصر أصحاب الدخول المحدودة بالخصم من مرتباتهم في شكل
تأمينات ومعاشات وضرائب مما قلل من قدرتهم الشرائية وهذا
أحد الأسباب الرئيسية لأزمة الركود الاقتصادي، فالعامل أو
الموظف يخصم من أجره 10% لمعاش الشيخوخة والعجز والوفاة
بالإضافة إلي 1% إدخار وتأمين ضد المرض ويدفع صاحب العمل
15% من الأجر الأساسي للعامل وهذه النسب مرتفعة جدا
بالمقارنة مع 124 دولة أخري في العالم، فمن بين هذه الدول
75 دولة نسبة الاشتراك للعامل فيها أقل من 5%، وفي 42 دولة
تتراوح النسبة بين 5% وأقل من 10% بينما توجد 7 دول من
بينها مصر تزيد فيها النسبة علي 10%، ويطالب عبدالحميد عطا
بتخفيض النسبة إلي 8% حتي لا تظل مصر بين الدول الشاذة في
الضغط علي أصحاب الأجور، كما يجب أن يتقاضي العامل معاشا
وفقا للأجر الأساسي والمتغير معا خاصة أن الأجر المتغير
للعامل يساوي أحيانا 10 أمثال الأجر الأساسي ولذلك نجد أن
العامل عند بلوغه سن المعاش يتقاضي معاشا هزيلا لا يتناسب
مع ما كان يتقاضاه من أجر أثناء الخدمة.
ويطالب «عبدالحميد عطا» أيضا باحتساب نسبة الزيادة السنوية
علي المعاشات وهي 10% علي أساس مجموع معاش الأجر الأساسي
والمتغير وليس معاش الأجر الأساسي فحسب حتي تتناسب الزيادة
مع الارتفاع المستمر.
كما يطالب بزيادة الحد الأدني للمعاش بحيث لا يقل عن 400
جنيه شهريا، لكي يتناسب مع احتياجات المعيشة الضرورية
للمتقاعد ولأسرته خاصة مع زيادة أعباء الرعاية الصحية في
هذه السن، ومن شأن هذه الزيادة أن ترفع القوة الشرائية
لأصحاب المعاشات مما يساعد علي تنشيط الأسواق وتقليل
الكساد.
وينتقد عبدالحميد عطا عدم الاستثمار الجيد لأموال
التأمينات واستيلاء الحكومة عليها والتراخي في تحصيل
الاشتراكات من القطاع العام والمؤسسات الصحفية التي تتجاوز
مديونياتها المليارات، موضحا أن عدم الاستثمار الجيد
لأموال التأمينات يجعل الحكومة عاجزة عن الوفاء
بالالتزامات التأمينية لأصحاب المعاشات.
ويؤكد د. أحمد ثابت، أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد
والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن فكرة عدم توريث المعاش
له آثار كارثية في منتهي الخطورة، فالنظام الحاكم يعمل منذ
فترة علي تجويع المواطنين وبيع البلاد بأرخص الأثمان، وآخر
الكوارث هو استيلاء وزارة المالية علي هيئة التأمينات،
فبعد أن سرقت الحكومة نحو 150 مليار جنيه من أموال
التأمينات لسداد ديونها وبعد رفض وزيرة التأمينات السابقة
استمرار السرقة من أموال المعاشات تمت إقالة الوزيرة
وإلغاء وزارة التأمينات بجرة قلم، وأسندت هيئة التأمينات
لوزير المالية ليتصرف فيها وكأنها - عزبة أبيه - ولسوء
الحظ أن الوزير الحالي لا يعرف إلا سياسة البيع التي تزيد
الفقراء فقرا وكان هذا تنفيذا لشروط البنك الدولي.
ويضيف د. أحمد ثابت، أن الحكومة تريد أن تعصف بأقل حق
للإنسان وهو حقه في معاش أبيه وهذه جريمة كبري، مما يدل
علي أن النظام الحاكم لم يعد يشعر بمعاناة الناس، ويتبني
سياسة الإفقار، ويريد أن يسدد ديونه من أموال الغلابة وهذه
السياسة في منتهي الخطورة وستؤدي إلي تفجير الوضع القائم،
وثورة الجياع لا يقف أمامها أحد.
ويوضح د. أحمد ثابت أن تفكير الحكومة في تعديل نظام
المعاشات أو تقليص المزايا التأمينية يؤكد فشل الدولة في
استثمار أموال التأمينات فضلا عن استيلائها عليها وهذا لم
يحدث في أي دولة من الدول الأخري ولا تجرؤ حكومة أن تقترب
من أموال المعاشات أو التأمينات.
أما د. «أحمد الصاوي» أستاذ علم الاجتماع السياسي فيوضح أن
تفكير الحكومة بعدم توريث المعاش والسعي الدائم لسد العجز
في الموازنة علي حساب فئات عديدة من الشعب يؤكد أن الحكومة
لديها أزمة مالية ولذلك استولت علي أموال التأمينات لسد
هذا العجز وللخروج من هذه الأزمة في حين أن هذا لا يجوز
دستوريا خاصة أن أموال التأمينات أموال خاصة ملك لأصحابها
ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تستولي عليها وزارة
المالية أو بنك الاستثمار.
ويؤكد د. أحمد الصاوي أن الهم الأكبر للحكومة الآن هو
تخفيف العبء وذلك لن يأتي إلا بتخفيض أمد الاستفادة من
المعاشات وتتناسي الحكومة أن فلسفة التأمينات هي الحفاظ
علي حياة الأسرة بعد وفاة عائلها - صاحب المعاش - وعندما
تفكر الحكومة في هذا الاتجاه فهي تعرض آلاف من المواطنين
للفقر وبدل ما تكون نسبة المواطنين تحت الفقر 50% سيصبحون
100%، لأن موت العائل يعني ببساطة انتهاء حياة أسرته.
ويشير د. أحمد الصاوي أن الحكومة تنسي أيضا أن الشريعة
الإسلامية هي مصدر التشريع والمعاش هنا ملك صاحبه وبالتالي
يورّث لأسرته من بعده طبقا للشرع وهذا ما قضت به المحكمة
الدستورية مؤخرا عندما قضت بحق الزوج في معاش زوجته
المتوفاة فالزوج هنا له حق أن يرث زوجته في معاشها بعد
وفاتها، فالحكومة إذا صممت علي تنفيذ هذه الهواجس تكون
خالفت الدستور وهذا يعني أنها غير أمينة علي حماية هذه
الأموال وغير أمينة علي المواطنين أنفسهم.
ويؤكد عبدالحليم القاضي - مستشار التأمينات الاجتماعية
بالاتحاد العام لنقابات عمال مصر - أنه لا توجد دولة لا
تورث المعاش فالفكر التأميني قائم علي تقديم الحماية
والرعاية للفئات التي ليس لها عائل، فهل ستكون مصر هي
الدولة الشاذة في عدم توريث المعاش، موضحا أن المعاش حق من
حقوق المؤمن عليهم الذين يدفعون اشتراكات طوال سنوات عمرهم
ليضمنوا حياة كريمة لهم ولأسرتهم من بعدهم، كما أن الأموال
التي يتقاضاها صاحب المعاش أو أسرته ليست هبة من الحكومة
ولكنها أمواله التي تستقطع من راتبه ومن حقه أن تقدم له
فيما بعد فهي أمانة يستردها في سن المعاش، أو تستردها
أسرته بعد وفاته.
ويعلق النقابي «عبدالمنعم محمود» - نقابي بشركة الكوك -
إننا كعاملين بالدولة نوافق علي استقطاع جزء من أجرنا -
رغم أننا في أمس الحاجة لكل جنيه - وذلك من أجل ضمان حياة
كريمة في سن الشيخوخة أو عند العجز، وعند الوفاة نضمن
لأبنائنا حياة كريمة، فرغم أن مبلغ المعاش لن يكفي بأي حال
من الأحوال سد الاحتياجات الرئيسية ولكنه يساعدنا علي
الحياة، وتفكير الحكومة بعدم توريث المعاش يعني تدمير
المواطنين، كما أنني لا أعرف في حالة وفاة المؤمن عليه قبل
الاستفادة من المعاش في هذه الحالة هل سوف تستولي الحكومة
علي معاشه ويحرم منه أبناؤه وزوجته كما أنه معروف أن
المعاش لا يورث طوال العمر، فالزوجة إذا تزوجت لا يحق لها
المعاش، وكذلك الابنة عندما تتزوج، والابن عندما يبلغ سن
21 عاما.
ويحذر «عبدالمنعم محمد» الحكومة من اتخاذ أي إجراء فيه ضرر
للمؤمن عليهم والمستحقين عنهم من بعدهم مؤكدا أننا لن نسكت
علي حقنا هذه المرة لأنه حقنا وحق أولادنا من بعدنا.
ويستعجب «عطية حسن» - نقابي بشركة المسبوكات - هذا التفكير
قائلا إن الحكومة لم تكتف بما استولت عليه من أموالنا
ولكنها تريد أن تستولي أيضا علي تعب السنين وعرق 40 سنة
خدمة، فنحن ندفع أجر الاشتراك طوال سنوات العمل حتي نحصل
علي معاش يكفينا شر الحاجة، ولكن عندما نصل إلي سن المعاش
نتقاضي جنيهات معدودة بينما أموالنا التي تقدر بنحو 230
مليار الحكومة استولت عليها وترفض سدادها ولهذا من حقنا أن
نطالب باسترداد هذه الأموال وأن ترفع الحكومة يدها عنها
لأنها غير أمينة عليها ونقوم نحن أصحاب هذه الأموال
بإدارتها حتي نضمن مستقبلا أفضل لنا ولأبنائنا.