أصدر المناضل «محمد يوسف الجندي» الجزء الثالث من سيرته
الذاتية قبل أيام، والتزم فيه بما كان قد وعدنا به في
البداية وهو أنه لن يكتب حكايات شخصية «بقدر ما ستكون
كتابتي عرضا لتاريخ الحركة والتيار والفكر الذي انتميت
إليه والذي وهبت له كل حياتي».
وكانت هذه الحياة المديدة سلسلة من المعارك الشريفة في
إطار التنظيمات الشيوعية وبشكل خاص منظمة حدتو أكبر
المنظمات الشيوعية علي امتداد عقود، «ومازلت حتي الآن أقدس
العمل المنتج، وأرفض وأعارض الظلم الاجتماعي، ومازلت أؤمن
بالعمل لصالح غالبية الناس وإن تعارض مع المصالح الأنانية
للأقلية المترفة، وأرفض الحياة علي حساب الغير باستغلال
عملهم وتدمير حياتهم، وأقدس الحرية الفردية التي لا تتعارض
مع الحرية الاجتماعية ولا تقوم علي حسابها، ولا أفرق بين
البشر بين رجل وامرأة، وأبيض وأسود وأصفر، بين إفريقي
وآسيوي وأوروبي وأمريكي، وإن كنت أنتمي إلي العالم
الملون».
ومحمد الجندي هو الابن الأكبر ليوسف «بك» الجندي أحد زعماء
ثورة 1919، فهو الذي تزعم الثورة في زفتي، وفي أثناء
الثورة أعلنت لجنة المدينة الاستقلال وأخذت تمارس مهام
الحكم والإدارة واشتهرت تجربتها باسم «جمهورية زفتي» التي
كتب عنها «يسري الجندي» مسلسلا تليفزيونيا لاقي نجاحا
كبيرا بعد أن أصبح المؤلف متخصصا في كتابة المسلسلات
التاريخية ذات الطابع التعليمي والممتع في آن واحد، وأتمني
أن يكون يسري قد قرأ هذه المذكرات التي تصلح بغناها وتنوع
مادتها وكثرة الحواديت المليئة بالدلالة فيها تصلح أساسا
لمسلسل تليفزيوني كبير ينقل خبرة حياة حافلة بالنضال سواء
في سنوات التحرر الوطني أو سنوات الاستقلال والمحن التي
واجهت القوي التقدمية في ظله بين تأييدها للتوجهات الوطنية
لثورة يوليو وبين التعذيب في السجون الذي تعرض له
الشيوعيون وهم يؤيدون الثورة.
عرف محمد الجندي السجون مبكرا جدا منذ عام 1948 وهو طفل
يرفض أن يفرض عليه أحد وضعا ما دون إرادته وترك منزل
الأسرة عام 1947 في الثانية والعشرين من عمره حين اختار
مثله مثل عدد كبير من أبناء الأسر الميسورة أن يدخل إلي
الحركة الشيوعية مناضلا من أجل عالم جديد خال من الاستغلال
وحر حرية شاملة وحقيقية، وكان قد بدأ مبكرا جدا وقبل أن
ينخرط في العمل السياسي زيارة الفلاحين مع بعض الشباب لحل
مشاكلهم ومساعدتهم «وفكرنا في إصدار مجلة» وأسسنا فعلا
جماعة «البعث الاجتماعي».
ويصف الجندي كيف اختلف مع شقيقه أحمد الذي قال له «طريقانا
مختلفان أنت تريد أن تكون شيوعيا أما أنا فأريد أن أكون
مليونيرا.،.» وهو ما كان.
وفي الجزء الثالث من السيرة يحكي الجندي عن الخروج من
السجن الذي تعرض فيه للتعذيب والتجويع متنقلا بين الواحات
وسجن الحضرة في الإسكندرية والسجن الحربي في القاهرة
ومقدما للمحاكم الاستثنائية.. وبعد هذه الرحلة الطويلة
المؤلمة كان تواقا ليعيش حياة أسرية طبيعية، وفرح فرحا
غامرا حين عرفه ابنه وهو في الخامسة من عمره.. ولكنه بعد
ذلك بسنوات وجد نفسه في سجن الاستئناف متهما بالمشاركة في
تنظيم انتفاضة يناير 1977، وذلك بعد أن عاد إلي مصر من
رحلة طويلة إلي فرنسا وشرق أوروبا.
وفي الجزء الثالث ينشر مجموعة من مقالاته التي نشرتها
المطبوعات السرية للحزب الشيوعي المصري عن أزمة القيادة في
الحزب واستقالته من كل المراكز القيادية ودفاعه عن حق
الوجود الشرعي للشيوعيين، ويفتقر هذا الجزء الثالث للطابع
الحميم الذي طبع الجزءين الأول والثاني، فضلا عن أن الكثير
من الأفكار الواردة فيه كانت وماتزال مثارا لجدل واسع،
شأنها شأن فكرته التي جاءت في الجزء الثاني حول صواب قرار
حل الأحزاب الشيوعية، وما قاله في الجزء الأخير واصفا
تجربة التحول في الصين بأنها اشتراكية وغيرها.
وتحتاج الأجيال الجديدة لقراءة هذه المذكرات قراءة متأنية
لتستوعب ما فيها من خبرات ودروس ثمينة، وتتعلم من تجربة
هذا الرائد الشريف بما أصاب فيه وما أخطأ، فقد كان في
الحالتين مناضلا مخلصا كرس حياته كلها للدفاع عما آمن به
ولم يبخل بشيء لا المال الذي ورثه عن أسرته، ولا الوقت أو
الجهد والعزيمة.
هي أيضا خبرة تستحق أن تعيد مكتبة الأسرة نشرها لو أن أفقا
واسعا يلهم القائمين عليها.. لينظروا إلي الصالح العام دون
تحيزات أو أحكام مسبقة وتحية «لمحمد الجندي» ودوره
وإنجازه.