يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1272 (29 مارس - 5 ابريل) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

لعبة السياسة والمعرفة

 
 

حرية التعبير في الجامعة المصرية

 
 

عيد عبدالحليم

 

  الحرية فضاء رحب خاصة إذا تعلقت بالجانب الأكاديمي، ومن مواثيق الجامعة المصرية والتي تأسست عام 1908 تحت مسمي «جامعة فؤاد الأول» والتي تحولت بعد ثورة يوليو 1952 إلي «جامعة القاهرة» إن رسالتها تقوم علي نشر الثقافة العلمية والأدبية في جميع الطبقات سواء بإباحة الانتساب إلي معاهدها المختلفة من غير قيد ولا شرط، أم بإلقاء المحاضرات العامة في العلوم والآداب والفنون أم بنشر المؤلفات في كل فرع من فروع العلم، كذلك من رسالتها مساعدة التطور الاجتماعي بكل ما في وسعها من ضروب التجديد في اللغة، والتجديد في النثر والشعر والتجديد في نظرة الناس إلي الفنون الجميلة والبحث في وجوه ترقيتها وشيوعها.
وهذا علي اعتبار أن الجامعة في الأساس هي من أكبر الوحدات الاجتماعية عددا وأسماها مكانة، وأخطرها مسئولية، وأشملها رسالة هي بكل أولئك مصدر إشعاع سيشع منه التضامن علي حد تعبير د. طه حسين.
وهنا لنا أن نتساءل:
هل حققت الجامعة تلك الرسالة المنوطة بها علي مدار قرن من الزمان، أم أن المسألة قد مرت في خندق الشكليات دون تفهم. حقيقي لما كان يهدف إليه د. طه حسين في عبارته السابقة عميقة المغزي شديدة الدلالة؟
علي ما أعتقد أن الأمور قد صارت علي العكس تماما، فالجامعة التي بدأت بفكرة شعبية مستقلة علي يد مجموعة من مناضلي الوطن أمثال مصطفي كامل وقاسم أمين ومحمد عبده، قد تحولت سريعا خلال خمسة عشر عاما من إنشائها إلي الارتماء في حضن السلطة، وليس أدل علي ذلك من تغيير اسمها الذي كان يحتوي علي قيمة وطنية عليا تربط الدارس بأرض الوطن، باعتبارها «جامعة مصرية» إلي اسم آخر أحادي النزعة «جامعة فؤاد الأول» نسبة إلي الملك فؤاد الذي كان أول رئيس لها عند تأسيسها وهو لم يزل أميرا.
كل ذلك - من وجهة نظري - أوجد تلك العلاقة الشائكة التي بدأت مبكرا بين الحرم الجامعي والسلطة التي سرعان ما بثت رقباءها داخل الجامعة، فكان الخطاب التعليمي مشروطا، أو بمعني أدق مقيدا، وهذا بالتالي أعطي لرجال السلطة داخلها - زادت حيثياتهم أو قلت - فضاءات شاسعة من التصرف الفوري ضد أي فكر تجديدي بناء، وإن أظهرت تلك السلطة وجها من وجوه الليبرالية المزيفة مدعية حفاظها علي ورقة التوت، حتي لا تنكشف سوءاتها وكان انقلابها الأول مفاجئا وعاصفا خاصة أنه جاء ضد واحد من أهم من آمنوا بفكرة تكوين جامعة أهلية تنهض بالمجتمع من ثباته إلي آفاق رحبة للتنوير وهو د. طه حسين وذلك بعد صدور كتابه «في الشعر الجاهلي عام 1926، والذي اعتمد فيه علي المنهج الديكارتي في استخدام الفلسفة القائمة علي منطق الشك للبحث في خصائص الأشياء، وقد طبق ذلك علي «الشعر الجاهلي» الذي رأي فيه أنه لا يمثل مرآة صادقة للحياة الجاهلية لأن أكثره مختلق وضعه الوضاعون في القرن الإسلامي الأول والثاني والثالث، كما وضعوا مئات الألوف من الأحاديث ونسبوها إلي النبي صلي الله عليه وسلم علي حد تعبيره، ولعل النقطة التي ربما هي التي أثارت حفيظة دعاة الماضي وسدنة التقليد وماسحي أجواخ السلطة ضد د. طه حسين هي تأكيده ضرورة فصل الدين عن الدولة، التي راج مصطلحها الآن «العلمانية» يتضح ذلك من قوله «إن المؤثر الذي طبع الأمة العربية بطابع لا يمحي مؤلف من عنصرين قويين هما الدين و السياسة، ولا سبيل إلي فهم التاريخ الإسلامي إلا إذا وضحت مسألة الدين والسياسة توضحيا كافيا».
وهذا الطرح لم يرق للقيادة السياسية - في هذا الوقت - حيث كانت دعاة ما سمي ب «الخلافة الإسلامية» يحاولون النفخ في قرب الماضي في محاولة للتقرب من «السلطان فؤاد» موهمين إياه بأنه لو حقق هذا المطلب سيدعم سلطته علي مصر دون اعتبار للدستور.
وقد استغل هؤلاء بعض طلبة الأزهر للترويج للفكرة في المدن المصرية، وبالتالي اكتسب هؤلاء الثقة، مما جعل لبعضهم نفوذا قويا، أهل واحدا منهم ويدعي الشيخ خليل حسنين لأن يرفع دعوي إلي النائب العمومي يتهم فيها د. طه حسين الأستاذ بالجامعة المصرية بأنه ألف كتابا أسماه «الشعر الجاهلي» ونشره علي الجمهور، مدعيا أن بهذا الكتاب طعنا صريحا في القرآن الكريم حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تقدم شيخ الأزهر بتاريخ 5 يونيو 1926 بخطاب آخر إلي النائب العمومي يبلغه فيه بتقرير عن هذا الكتاب مشيرا إلي أن به خرافات وكذب في القرآن وطعن علي النبي صلي الله عليه وسلم وعلي نسبه الشريف.
وتطورت القضية فتقدم أحد أعضاء مجلس النواب وهو عبد الحميد عنان ببلاغ اتهم فيه طه حسين بأنه نشر ووزع وعرض للبيع في المحافل والمحلات العمومية كتاباً أسماه «الشعر الجاهلي» تضمن طعنا، وتعدي فيه علي الدين الإسلامي - وهو دين الدولة - بعبارات صريحة في كتابه.
وهذه الدعوة كانت كفيلة بأن توجه إلي طه حسين تهمة جريمة التعدي علي الأديان التي يعاقب عليها القانون بالمادة 139 من قانون العقوبات الأهلي الصادر عام 1904 والمادتين 148، 150 إلا أن جراءة الأستاذ محمد نور - رئيس نيابة مصر في ذلك الوقت - وتفهمه لما احتواه الكتاب ومناقشاته الجادة أثناء التحقيق مع طه حسين جعلته يصدر قراره التاريخي في 30 مارس 1927 بحفظ الأوراق إداريا.
مصادرات دينية
ولم تكن هذه هي المرة الأولي التي تخرج المصادرة من الجامعة فقد سبقها بعام واحد أي عام 1925 قضية مشابهة وربما لا تقل في ضراوتها عن «الشعر الجاهلي» حيث أصدر القاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية الشيخ علي عبد الرازق كتابا تحت عنوان «الإسلام وأصول الحكم» تناول فيه الخلافة ومفهومها فكريا وفي التاريخ الإسلامي وقد جاء الكتاب - أيضا في ظل الظروف التي أشرنا إليها سابقا حول إحياء فكرة الخلافة الإسلامية، مما جعل الملك يدفع بالكتاب لبعض علماء الأزهر الذين اجتمعوا برئاسة الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت وعضوية أربعة وعشرين شيخا وبدأوا في تنويع الاتهامات للشيخ علي عبد الرازق مدعين أنه قال «إن جهاد النبي كان في سبيل الملك لا سبيل الدين، وأن الشريعة الإسلامية شريعة روحية لا علاقة لها بأمور الدين، وأن نظام الحكم في عهد النبي شابه الغموض والإبهام، والترويج لفكرة لزوم الإجماع بشأن وجوب تنصيب الإمام، وأن حكومة أبي بكر والخلفاء من بعده كانت حكومة لا دينية».
ولم تطل المحاكمة مثلما حدث مع طه حسين فقد صدر الحكم بعد جلسة واحدة - فقط - وهو حكم يعد الأول في التاريخ حيث تم تجريد علي عبد الرازق من كل شهاداته العلمية والعملية وهذا هو نص الحكم:
«حكمنا نحن شيخ الجامع الأزهر بإجماع أربعة وعشرين عالما معنا من هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ علي عبد الرازق أحمد من علماء الأزهر، والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية، ومؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم من زمرة العلماء».
وحتي يتضافر السياسي مع الديني لتكتمل اللعبة الكهنوتية - إن جاز التعبير - تم تشكيل علي الفور مجلس مخصوص أو ما يسمي الآن بمحكمة الاستئناف دعا إلي تكوينه علي ماهر باشا وزير الحقانية بالنيابة، وانعقد في 17 سبتمبر 1925 وقرر تنفيذ الحكم الصادر من هيئة علماء الأزهر والخاص بفصل علي عبد الرازق من وظيفته اعتبارا من 22 محرم 1344ه الموافق 12 أغسطس 1925 مع مراعاة حقه في مكافأة نهاية الخدمة.
ويري د. نصر حامد أبو زيد في مقال نشر بجريدة «أخبار الأدب» في 9 يناير 2000 تحت عنوان «علي عبد الرازق والملك.. تعرية السلطة من قناعها الديني» أنه ثمة بعد تاريخي آخر يتم تجاهله حتي في تحليل السياق إذ يكتفي المحللون بالنظر إلي مسألة إلغاء الخلافة في تركيا بوصفها مسألة صراع بين الحركة القومية التركية بقيادة أتاتورك وبين النظام الإسلامي المتمثل في مؤسسة الخلافة وهنا يتم تجاهل السياق الدولي أو العالمي، حيث كانت الحرب العالمية الأولي في جانب من أهم جوانبها هي حرب انحلال الأمبراطوريات التقليدية في العالم كله، تمهيدا لقيام نظام عالمي جديد، تصبح الدولة القومية الجديدة وحدته البنائية» ومعني كلام د. أبو زيد أن فكرة الخلافة كانت بحاجة إلي مراجعة كبيرة قبل أن تطفو علي سطح الأحداث ويحاول البعض الترويج لها كقناع سياسي يخفي خلفه تراكمات من المصالح الشخصية والمنافع الذاتية، دون محاولة البحث في أوراق الواقع المتغير، وما حدث في تركيا كان تفريغا لمصطلح «الخلافة»
من مضمونه السياسي أولا والاجتماعي ثانيا، فبعد أن صعد أتاتورك ورفاقه إلي السلطة كان أول قرار له هو إلغاء السلطنة مع الإبقاء علي منصب الخلافة وذلك في أول نوفمبر 1921، حيث أصبح المنصب شرفيا - في الأساس - خاليا من أي مضمون سياسي، ولذلك بادر السلطان وحيد الخامس بالهرب في 17 نوفمبر فعين المجلس الوطني في أنقرة السلطان عبد المجيد مكانه، وبقيت الأمور كما هي حتي تم إلغاء الخلافة نهائيا في 7 مارس 1924.
وربما لأن علي عبد الرازق قد وضع يده في عش الدبابير كما نقول في المثل الشعبي مفندا فكرة الخلافة وأبعادها السياسية ولأنه لم يمش كعادة التنويريين الكبار علي الخط المرسوم من قبل الدولة التي باركت كتبا مثل «الخلافة أو الإمامة العظمي» لمحمد رشيد رضا والصادر عن دار المنار عام 1923 والذي يدعو فيه إلي إحياء فكرة «الخلافة» علي اعتبار أنها ضرورة تاريخية...!!
ولأن علي عبد الرازق تربي علي قيمة الاجتهاد والنظر فيما وراء الأشياء والبحث في الدلالات التاريخية، والغوص في لجة التراث من أجل الإتيان بتصورات جديدة تناسب العصر والمجتمع، لم يركن للجمود الذي ساد تلك الفترة - وأقصد الجمود الفكري - الذي حول المؤسسة الدينية إلي تابع سياسي يؤازر ويبارك خطوات السلطة حتي ولو كانت في الطريق الخطأ.
زمن الفكر المغدور
مع صدور الطبعة الثانية لكتاب «الفن القصصي في القرآن الكريم» للدكتور محمد أحمد خلف الله، عن دار سينا للنشر في يوليو 1999 حتي ثارت ثائرة مجمع البحوث الإسلامية الذي أخرج بيانا بمصادرة الكتاب للمرة الثانية، فقد كانت المصادرة الأولي عام 1948، حيث كان «خلف الله» في ذلك الوقت طالبا في الدراسات العليا بكلية الآداب - جامة فؤاد الأول - القاهرة حاليا وتقدم لنيل درجة الدكتوراة عن رسالة تحت العنوان نفسه تحت إشراف الشيخ أمين الخولي مما فتح عليه بابا لم يغلق حتي الآن من المطاردة والمصادرة، وعلي حد تعبير خليل عبد الكريم في تقديمه للطبعة الجديدة من الكتاب «ارتفعت أصوات منكرة وشرعت أقلام شرسة، وامتشقت أسياف جديدة صارمة تطعنها » ومن المؤسف أن أساتذة جامعيين وعلماء أكاديميين كانوا في مقدمة من هاجموا الكتاب ومؤلفه.
وقد انتشرت القضية والهجوم عليها علي صفحات الجرائد والمجلات الأسبوعية، انتشار النار في الحطب، فأصبحت أخبارها عند القاصي والداني وهذا الهجوم الضاري علي الرسالة وكاتبها جعل خلف الله مضطرا لتقديم أطروحة أخري نال عنها درجة الدكتوراة.
والكتاب - في حد ذاته - يعد نظرة جديدة في دراسة الفن القصصي في القرآن الكريم من الناحية البلاغية، فهو لا يقصد إلي تعليم التاريخ أو نشر وثائقه، وهذا ما يشير إليه د. خلف الله حين يقول «لن نذهب نحن إلي أبعد من قولهم حين ندل علي ما في القصص القرآني من تطور داخلي هو بعينه ذلك التدرج في التشريع، فنحن نعلم أن القصص القرآني قد نزل لخدمة الدعوة الإسلامية وشرح مبادئها وتوضيح عقائدها، والدفاع عن النبي العربي والقرآن الكريم، علي هذا جري الواقع وبهذا نطق القرآن الكريم».
ويطرح د. خلف الله فكرة - فيها من العمق والتجديد وكسر المألوف وهي في الوقت ذاته مرتبطة بالتعمق في دلالات النص القرآني، ومفادها علي حد تعبيره «أنه إذا كان القصص القرآني قد جاء لخدمة هذه الدعوة - الإسلامية - كان لابد من أن تصبح القصة صورة لهذه الدعوة تعبر عما يدور في البيئة من آراء وأفكار وتصور ما يجري في البيئة من حركات عدائية أو سلمية وتدافع عن النبي صلي الله عليه وسلم والدعوة، تدعو لهما لتثبيت أركانهما وتمكن لهما من قلوب الكفرة والمشركين، كان القصص القرآني - إذن - يتطور من حيث الموضوعات أو من حيث الآراء حسب قاعدة التدرج هذه، وهذا هو التطور الداخلي لعنصر من عناصر القصة».
وعلي ما أري أن تميز «الفن القصصي في القرآن الكريم» يأتي من شقين:
الأول: جرأة الفكرة التي اتسمت بالتجديد في آليات الكتابة، والرؤية.
ثانيا: طبيعة التناول التفسيري للقصة القرآنية، وتنقية تفاسيرها من الإسرائيليات، والتفاسير الضعيفة، وإدخال الجانب النقدي الذي ينتمي إلي علم النقد الأدبي من استخدام تيمات السرد، والبعد الزمني وغيرها كمناطق جديدة للتفسير، وربما هذا الجانب الأخير هو ما ألب الأزهر ومشايخه ضد د. محمد أحمد خلف الله وكتابه الذي ما هدف من ورائه إلا فتح باب الاجتهاد، الذي أغلقه دعاة الماضي من أجل مصالحهم الشخصية والتقرب من الساسة والسلاطين، ولأجل هذا وقفوا بالمرصاد لكل ضوء يحاول بث أشعته علي العقل العربي، مما يجعلنا نؤرخ للقرن العشرين بأنه قرن الفكر المغدور.
وتتشابه هذه الواقعة مع واقعة أخري سابقة وقعت في العقد الثاني من القرن العشرين حيث تم سحب درجة الدكتوراة التي حصل عليها منصور فهمي من فرنسا عام 1913 في الفلسفة حيث كان مبعوثا من قبل الجامعة المصرية إلي جامعة السربون بدعوي أنها رسالة مضادة للإسلام ولنبيه.
وقد حاولت الجامعة المصرية منع طبع الرسالة وفصل منصور فهمي من عمله كأستاذ بها ومنع توظيفه في أي عمل آخر، والعجيب أن الرسالة لم تطبع إلا في عام 1997 في مدينة «كولون» الألمانية عن دار الجمل وبعد قرار المصادرة بسنوات طويلة تراجع عن أفكاره وعاد إلي الجامعة التي ظل يعمل بها حتي وفاته عام 1957.
نجيب محفوظ أجمل «أولاد حارتنا»
في كلمته التاريخية التي أرسلها عميد الرواية العربية نجيب محفوظ إلي الأكاديمية السويدية المانحة لجائزة نوبل والتي حصل عليها أديبنا الكبير عام 1988 يقول محفوظ عن الحضارة الإسلامية «وعن الحضارة الإسلامية فلن أحدثكم عن دعوتها إلي إقامة وحدة بشرية في رحاب الخالق تنهض علي الحرية والمساواة.. والتسامح.. ولا عن فتوحاته التي غرست آلاف المآذن الداعية للعبادة والتقوي والخير علي امتداد أرض مترامية.. ما بين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا.. ولا عن المؤاخاة التي تحققت في حضنها بين الأديان والعناصر في تسامح لم تعرفه الإنسانية» قد يتساءل سائل عن إيرادي لهذا المجتزأ من الكلمة التي تعتبر وثيقة قومية يجب أن تقرأ جيدا.
والإجابة تكمن في عنصرين:
الأول: إنها تأكيد علي انتماء محفوظ إلي الحضارة الإسلامية والتراث الإسلامي والعربي القائم علي التسامح والإخاء دون التفرقة بين شخص وشخص.
الثاني: إن هذا المقطع الوجيز يرد علي دعاة التكفير الذين لاحقوا أعمال الكاتب الكبير منذ أكثر من خمسين عاما بداية من تقرير الشيخ محمد الغزالي الذي كتبه منذ أكثر من أربعين عاما مطالبا بمصادرة رواية «أولاد حارتنا» التي تمت مصادرتها بالفعل ومنعت طباعتها في مصر..
كذلك فتوي الشيخ عمر عبد الرحمن في نهاية الثمانينيات بإهدار دم نجيب محفوظ مقارنة بإهدار الخميني لدم سلمان رشدي صاحب كتاب «آيات شيطانية».
وهذه الفتوي أصعب وأمر من الأولي لأن الأولي مصادرة علي عمل، والثانية مصادرة علي حياة وما كان من بعض دعاة التكفير إلا أن قاموا بتحريض شاب لم يقرأ شيئا لنجيب محفوظ فطعنه في رقبته نجا منها «محفوظ» بأعجوبة، وكادت هذه الطعنة تودي بحياته، ورغم أن الله سلم، إلا أن لها تأثيرات عضوية عليه فلم يستطع بعدها أن يتحرك بانتظام وأن يكتب كما كان.
وإذا كان لا عذر في القتل العمد فإن هذا الصبي الذي غررت به جماعات التكفير جاء كصورة مقيتة لواقع متأزم اجتماعيا واقتصاديا بفعل سياسات الإفقار، وسيادة ثقافة السلعة والنمط الاستهلاكي، كذلك لسيطرة ثقافة التغييب والتسطيح.
والعجيب أن الترويج للفكر التكفيري ضد نجيب محفوظ قد وصل إلي الجامعة حيث أصدر أستاذ جامعي يدعي السيد أحمد فرج أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بكلية التربية بالمنصورة كتابا عام 1990 تحت عنوان «أدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب»، وقد عثر علي هذا الكتاب الزميل الروائي محمود الورداني الذي نشر مقالا في جريدة «أخبار الأدب» في 29 من نوفمبر 1998، يفند فيه ما جاء في الكتابات من اتهامات صريحة، ربما لا تقل خطورة عن فتوي «عمر عبدالرحمن» ومنها هذا المقطع الذي يحمل في طياته دلالات خطيرة: «تجد الحرية عنده - عند نجيب محفوظ - تتطلع إلي المنازعات الشاذة، فهي أقرب للجنون منها إلي الحرية، وإن شئت قل أقرب إلي الدمار أو الدعارة» ص12.
وفي مقطع آخر نري المؤلف يقول بعبارات هي تكفير صراح: «ونجيب محفوظ ليس أول من سعي لقتل الحق فقد سبقه كثيرون من صليبيين وصهاينة» ص12.
وفي عبارة أخري تتهم محفوظ بالعداء ضد الإسلام: «إن من شأن الإيمان بهذه الأفكار «الموسوية» أن تقوي إيمان نجيب محفوظ بضرورة إزالة المجتمع الإسلامي القديم» ص33.
بل تتهمه عبارة أخري بالكفر والشرك بالله: «إذن فنجيب محفوظ لم يكن روحانيا فقط، ولأن الروحانية تناقض معتنقه فإن فكرة الله ستتطور إلي الأفكار المطلقة» ص44.
و«الغريب في نجيب محفوظ الذي أشرف علي الثمانين من عمره والذي يردد في كثير من أحاديثه إنه لم ينتظر إلا حسن الخاتمة لايزال متعلقا بالرموز الوثنية مثله مثل أدونيس وحنا مينا وغيرهما» ص15.
وكذلك قوله في مقطع آخر: «ولكن المتتبع لأعماله منذ بدأ ينشر في الثلاثينيات وحتي الآن يجد أن الكاتب يعمد إلي إثارة أفكار إلحادية أو جنسية تسوغ تعاطي الجنس كالماء والهواء» ص51.
ومن العبارات الشائكة أيضا: «إن الكاتب - ونأسف له - يمارس في هذا الحوار مجاملة لليهود وبغضا للعرب وإنكارا لوجود الله» ص70.
ولنا أن نتساءل بعد إيراد هذه العبارات هل هناك اتهام أو تلميح بالكفر والردة أوضح من ذ لك.
والأغرب والمؤسف أن هذا الكتاب كان مقررا علي طلبة كلية التربية بالمنصورة وكاتبه وصل إلي رئاسة قسم اللغة العربية بالكلية، تري كيف يكون توجّه الطلاب الذين يقرأون مثل هذا الكلام، وأين موقف الجامعة من هذا التخريب العلني لعقول آلاف الشباب، الذين يتخرجون ليعينوا مدرسي لغة عربية يتعلم علي أيديهم آلاف الأطفال، والقضية - كما أراها - هي في الأساس قضية تغافل الجامعة عن دورها - علي الأقل الإداري - المنوط منه فحص المادة العلمية التي تقدم للطلاب، كذلك منع كل من تسول له نفسه في تكفير إنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، حتي لا نجني إلا الندم.
نصر أبوزيد.. وتحولات الخطاب الديني
هل كان يتوقع عامل اللاسلكي بالمحلة الكبري أن يصبح صاحب أشهر قضية مصادرة في القرن العشرين، إنه نصر حامد أبوزيد المواطن المصري البسيط العصامي الذي أخذه طموحه العلمي ليترك وظيفته البسيطة ليكمل تعليمه الجامعي فيلتحق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، التي يتخرج فيها - بتفوق - وهو الأول علي دفعته فيعين معيدا بها في أواسط السبعينيات، ثم يلمع اسمه في الثمانينيات خاصة بعد صدور كتابه «مفهوم النص - دراسة في علوم القرآن» مما جعل الدوريات والمجلات المصرية والعربية تتهافت علي نشر مقالاته الفكرية التي راحت تكشف المسكوت عنه في الخطاب الديني، وهو الأمر الذي جر عليه المتاعب الكثيرة بعد ذلك، نظرا لخوضه في بعض المناطق الشائكة والتي تمثل ما يمكن أن يسمي بحقل ألغام بالنسبة لأي مفكر عضوي.
وعندما خلت درجة الأستاذية بقسم اللغة العربية، التي كان يعمل بها أستاذا مساعدا حتي عام 1992 تقدم بطلب الترقية، وكان عليه أن يتقدم - طبقا للوائح الجامعية - بعدة بحوث ودراسات تؤهله للحصول عليها، فما كان منه إلا أن تقدم بكتابين هما «الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية، ونقد الخطاب الديني».
وقد أحيل طلبه مرفقا بالأبحاث إلي لجنة علمية، مكونة من ثلاثة دكاترة قدم اثنان منهما تقريرهما المؤيد له والمؤكد لحصوله علي الدرجة، أما الثالث فقد رفض أن يعطيه الدرجة مشيرا في تقريره إلي أن «أبوزيد» يطلق العنان لفكره في الدفاع عن الماركسية ويبرئها من تهمة الإلحاد، في حين أنه سيؤدي بين الأزهر والتطرف ويصف علماء الدين بالكهنوت، ويعمد إلي تشويه تاريخ القرآن، والأكثر من ذلك نعت هذا الدكتور لأبوزيد بأن ما يقوله هو قول «سمادير» أي «ما يراه المخمور إبان سكره البين» وأن ما أتي به جدلية تولد جدلية، وأخطر ما جاء في هذا التقرير هو قول الدكتور المقيم للدرجة «أن ما جاء به أبوزيد كلام أشبه بالإلحاد» وهو عبارة تغمز الباحث في عقيدته.
وللأسف اعتمدت الجامعة التقرير الثالث المشار إليه سابقا والذي قدمه د. عبدالصبور شاهين ولم تقف القضية عند هذا الحد حيث لم يكتف ذوو الكرامات من شيوخ الجامعة بعدم منح «د. نصر» درجة الأستاذية، بل أوصلوا القضية إلي أروقة المحاكم والتي لم تكن رحيمة - أيضا - بهذا الباحث الجاد بل أيدت قضية الحسبة التي رفعت ضده وحكم فيها بالتفريق بينه وبين زوجته د. ابتهال يونس، مما جعله يلجأ إلي هولندا التي مازال يعيش فيها حتي الآن ويعمل في إحدي جامعاتها.
***
«مسامير» عبدالله النديم
عاش «عبدالله النديم» شاعر الثورة العربية ومؤرخها الأول ملاحقا ومطاردا نظرا لآرائه وكتاباتها المناهضة للاستعمار الإنجليزي، والتي اتخذ من أدب الطرائف أقنعة لتصل مضامين رسالته إلي ملايين المصريين، وأوضح دليل علي ذلك منهجه في مجلته «التنكيت والتبكيت» والتي أصدرها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وظلت كتاباته ذاكرة للوطن، مقروءة علي المستويين النخبوي والجماهيري حتي بعد وفاته في مطلع القرن العشرين، وحافزا للأجيال من أجل البحث عن قيم الأصالة في بنية المجتمع المصري.
لكن العجيب في الأمر أن يحاول البعض حجب الأفكار التنويرية لواحد ممن شاركوا في صناعة النهضة الحديثة، ففي أكتوبر من عام 1999، صدر قرار من رئيس جامعة القاهرة بتحويل الأستاذ الدكتور عبدالمنعم الجميعي وكيل كلية التربية بالفيوم وأمين عام الجمعية المصرية للدراسات التاريخية إلي مجلس التأديب بالجامعة، بسبب رفض «الجميعي» الاعتذار في الصحف عن تدريسه لكتاب عبدالله النديم «المسامير»، وقد سبق ذلك منع رئيس الجامعة الكتاب المذكور من تدريسه للطلبة، والذي كان د. الجميعي قد اختاره ليدرّس ضمن منهج تاريخ الفكر السياسي المعاصر.
وربما جاء منع الكتاب ومعاقبة الأستاذ الجامعي الفاضل نظرا لما يحويه بين دفتيه من أدبيات «فن الهجاء السياسي» وهي سمة من سمات الأسلوب الساخر الذي تميز به «عبدالله النديم»، والذي كتب عدة مقالات ضمها بعد ذلك في هذا الكتاب يهجو فيها أحد نجوم بلاط السلطان عبدالحميد.
أحمد صبحي منصور وجامعة الأزهر
في عام 1973 تخرج أحمد صبحي منصور في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر - قسم التاريخ والحضارة - بمرتبة الشرف الأولي، وتم تعيينه معيدا في نفس العام، وعام 1977 حصل علي رسالة الدكتورة عن موضوع «أثر التصوف في مصر في العصر المملوكي»، وفي عام 1985 أصدر خمسة كتب هي: «الأنبياء في القرآن» و«العالم الإسلامي بين عصر الخلفاء الراشدين وعصر الخلفاء العباسيين» و«غارات المغول والصليبيين» و«دراسات الحركة الفكرية في الحضارة الإسلامية» و«حركات انفصالية في التاريخ الإسلامي»، وقد تعرض فيها لنفي الشفاعة والعصمة المطلقة للنبي وأنه لا ينبغي تفضيل محمد - عليه الصلاة والسلام - علي الأنبياء السابقين.
وعقابا للمؤلف علي إصداره هذه الكتب الخمسة فقد صدر قرار رئيس الجامعة بوقفه عن العمل وإحالته للتحقيق، لكن المؤلف لم يتراجع عن موقفه فتم إحالته لمجلس تأديب، ثم تم فصله من الجامعة.
ملاحظات أخيرة
ونظرة سريعة إلي هذه المصادرات نجد أنها تمت تحت قناع ديني والذي يجد له صورة موازية أشد شراسة في المجتمع بما ينتج عنه من أصداء تلك المصادرة من تطرف واضح لدي البعض ممن لم يقرأوا هذه الأبحاث أو يتعرفوا جيدا علي فكر الاختلاف.
وهنا يزداد الأمر خطورة حيث تبرز إلي السطح ما يمكن أن تسمي ب «ثقافة الخوف» أو «الثقافة المضادة» وهي ثقافة لا تنتج عن وعي كامل بالأمور، حيث تري في «الآخر» الفكري - دائما - عدوا، دون مناقشة جادة لأفكاره. ورقابة الشارع التي تقوم بها المجموعات الموازية للدولة المدنية تعبر عن الرأي العام بشكل سلبي علي حد تعبير د. جابر عصفور في الكتاب الصادر مؤخرا عن مكتبة الإسكندرية حول «حرية التعبير»، وخطورتها أنها تقوم بحشد الرأي العام ضد حرية التعبير والإبداع، وتزكي في الوقت نفسه مناخ التعصب والتطرف الذي يجعل من أي اختلاف بدعة وضلالة، ويصف أي اجتهاد باعتباره نوعا من الكفر بالمعني الديني، أو الخيانة بالمعني المدني.
ويري د. عصفور أن مناخ التكفير اقترن بتمرير أفكار المصادرة والحجب والرقابة العشوائية، حيث برزت رقابة لم نكن نسمع عنها من قبل، كما يحدث الآن عندما نري بعض عمال الطباعة في مؤسسات النشر الحكومية، ينصبون أنفسهم رقباء علي الأعمال الأدبية التي يقومون بإعدادها للطبع ويتوقفون عن العمل فيها، أو يبلغون عنها الجهات الدينية، أو يشنعون علي أصحابها من خلال الصحافة.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


[articles/inc-foot.htm]