بعد أكثر من ثلاثة أشهر علي الانتخابات التشريعية في
العراق، لم تتشكل الحكومة العراقية الجديدة، وليس من
المنتظر أن تشكل قريبا0 فأمريكا لا تريد حكومة ذات أغلبية
شيعية موالية لإيران، في وقت تستعد فيه لتوسيع رقعة الحرب
ومدها إلي إيران0
ولمواجهة المأزق الناجم عن استمرار حكومة إبراهيم الجعفري
الانتقالية، ذات الأغلبية الشيعية في الحكم، لحين تشكيل
الحكومة الجديدة قررت سلطات الاحتلال الأمريكية تشكيل مجلس
للأمن القومي من 19 عضوا، يتمتع بكل السلطات التي تمكنه من
السيطرة علي الدولة العراقية، ويتولي الإشراف علي الحكومة،
وقراراته واجبة التنفيذ دون الرجوع للمجلس التشريعي0 وأهم
وظائفه00 تحديد السياسات الخاصة بمهام القوات المسلحة
والشرطة وأجهزة الاستخبارات، ووضع الميزانية، وتوزيع عوائد
النفط، ونزع سلاح الميليشيات الشيعية، وإنهاء المقاومة ضد
الاحتلال، خاصة في المناطق السنية العربية غرب ووسط
العراق0 وليس للبرلمان أي إشراف أو علاقة بالمجلس، إلا إذا
طلب الأخير من البرلمان استصدار تشريعات يراها ضرورية0
إعاقة الجعفري
يستهدف المجلس الذي لم يعلن عن تشكيله إلا في 19 مارس
الماضي00 تقويض مكانة الائتلاف الشيعي العراقي الموحد الذي
حصل علي 13 مقعدا من مجموع 275 مقعدا في البرلمان، ويسيطر
علي حكومة إبراهيم الجعفري الانتقالية التي تشكلت في مايو
02005
يشمل الائتلاف الشيعي العراقي الموحد، حركة الدعوة التي
ينتسب إليها رئيس الوزراء الحالي إبراهيم الجعفري، والمجلس
الأعلي للثورة الإسلامية في العراق، والحركة الإسلامية
الأصولية التي يقودها مقتدي الصدر0
في الخلافات الراهنة حول تشكيل الحكومة يصر الائتلاف
العراقي الموحد علي استمرار «الجعفري» في رئاسة الوزارة
واختيار وزير الداخلية، والوزراء المسئولين عن وزارات
الخدمات الاجتماعية0 بينما يرفض التحالف القومي الكردي
والأحزاب السنية العربية وتحالف «أياد علاوي» مطالب
الائتلاف الشيعي، ولهم في البرلمان 133 مقعدا، لذلك فهم
قادرون علي إعاقة الائتلاف العراقي الموحد عن تشكيل
الحكومة0
تقف الإدارة الأمريكية خلف هذا الصراع الذي يتصاعد منذ
تولي حكومة «الجعفري» الانتقالية، ويعتبرها موالية لإيران،
وخطرا يهدد طموحاتها العسكرية ضد طهران0 وتدعو لحكومة
(وحدة وطنية) يتمتع فيها السنة العرب بنفوذ أكبر علي حساب
الائتلاف الشيعي0
تمكين «علاوي»
كانت الإدارة الأمريكية وسلطات الاحتلال تأمل في أن يحصد
ائتلاف «علاوي» كثيرا من المقاعد في الانتخابات البرلمانية
التي أجريت في ديسمبر 2005، لكنه فشل وراحت تروج أن
«العلاوي» هو الرجل القوي والأقدر علي حكم العراق0
وعينته عام 2004 رئيسا للحكومة المؤقتة0 وقتها، طلب من
القوات الأمريكية شن هجمات عسكرية ضد انتفاضة الشيعة في
المدن الشيعية (كربلاء والنجف)، وضد مدينة الفلوجة السنية،
لذلك، يصفونه (بالعلماني)0
وفي يونيو 2004، قبيل اختياره رئيسا للحكومة المؤقتة
بساعات، أطلق النار من مسدسه علي سبعة من المعتقلين من
المقاومة السنية في سجن بغداد، فقتل ستة وجرح السابع،
ليحسم بهذه الجريمة الخلاف حول ترشيحه لرئاسة الحكومة0 هذا
فضلا عنه علاقته التاريخية الطويلة مع المخابرات المركزية
الأمريكية، التي مولت انقلابه الفاشل ضد «صدام حسين» قبل
عام من غزو العراق0
لهذه الأسباب، تشير التقارير الصحفية إلي أن أياد علاوي هو
المرشح من جانب البيت الأبيض لرئاسة مجلس الأمن القومي0
ويعتبره بوش «القوة الرئيسية في العراق»، لذلك صرح الرئيس
الأمريكي في مؤتمر صحفي عقد في 21 مارس بأن «مجلس الأمن
القومي في العراق، سيمكن القوي السياسية الرئيسية في
العراق من تقرير السياسات الأمنية والاقتصادية»0
مشاكل المجلس
إلي جانب «علاوي» سيضم المجلس أيضا كلا من: جلال الطالباني
رئيس العراق، ومسعود البرزاني، رئيس الحكومة الإقليمية
للمناطق الكردية في شمال العراق، وعدنان ناجاشجي السني
الموالي لأمريكا وعبد المطلق الجيبوري نائب رئيس الوزراء
والجنرال السابق في عهد «صدام» وروسك شوايس، أحد القيادات
الكردية، ونائب رئيس الوزراء0 والزعيم السني «غازي الياور»
أول رئيس للعراق عينته قوات الاحتلال، وأيضا أحمد الجلبي،
عميل المخابرات المركزية الأمريكية المخضرم، والذي لم يحصل
حزبه علي أي مقاعد في البرلمان0
تأمل الإدارة الأمريكية في السيطرة علي العراق بواسطة هذا
المجلس القليل العدد0
إلا أن المشكلة أن المجلس يتشكل من 19 عضوا، بينهم 9 أعضاء
من الائتلاف الشيعي العراقي الموحد، ولا تؤخذ الأصوات إلا
بأغلبية ثلثي الأعضاء0 وبالتالي ستكون عملية اتخاذ
القرارات بالغة الصعوبة بين الموالين لأمريكا والقيادات
الشعبية الشيعية والسنية التي تقف علي مسافة أبعد من
الإرادة الأمريكية0
ولذلك، من المتوقع أن يتعثر هذا المجلس، كما تعثرت من قبله
حكومة «علاوي» المؤقتة، وحكومة «الجعفري» الانتقالية وأيضا
محاولات تشكيل الحكومة العراقية، المستمرة في تعثرها00
وسيبقي المأزق الأمريكي، كيفية التعامل مع الأغلبية
الشيعية في العراق، في وقت التأهب لشن حرب ضد إيران00