لم يحدث أبدا في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية وعددها
17 انتخابا عاما للبرلمان، أن نجح حزب بمفرده في الفوز
بالأغلبية البرلمانية - 61 عضوا - وبالتالي فإن كل
الحكومات التي جري تشكيلها حتي الحكومة الحالية - 31 حكومة
- ضمت أعضاء من أحزاب مختلفة، ولا يتوقع بالتالي أن تكون
نتائج الانتخابات التي أجريت أمس مختلفة عن نتائج أي
انتخابات سابقة.
وعلي الرغم من ذلك فإن المؤشرات والتقارير تشير إلي فوز
حزب «كاديما» «إلي الأمام» بالمركز الأول وبعدد مقاعد
متوقع ما بين 37 إلي 40 مقعدا، فيما يتوقع أن يجيء حزب
العمل في المركز الثاني بحوالي 19 إلي 20 مقعدا، وفي
المركز الثالث الليكود بعدد مقاعد ما بين 17 إلي 19 مقعدا،
أو أن يتساوي الحزبان في المركز الثاني.
ومن بين القوائم الانتخابية وعددها 31 قائمة يتوقع أن يتم
تمثيل 11 قائمة فقط هي - بالإضافة إلي القوائم الكبري
الثلاث السابقة - قوائم حركة شاس الدينية ويتوقع لها أن
تحافظ علي عدد مقاعدها الحالي (11 مقعدا) ثم مجموعة
الأحزاب اليمينية المتطرفة والتي تجمعت في قوائم جديدة
أهمها قائمة إسرائيل بيتنا وهي مكونة من اليهود الروس
المهاجرين بزعامة «نيان شارنسكي» والمتطرف اليميني
«افيجدور ليبرمان» وقد وحدا قواهما في قائمة من أشد
القوائم عنصرية وتدعو لطرد العرب، ويتوقع لها أن تفوز
بحوالي 10 مقاعد.
ويتوقع أيضا أن تفوز قوائم يمينية مثل الاتحاد الوطني
والمفدال بقرابة 9 مقاعد، وهذه القائمة تضم غلاة المتعصبين
الصهاينة، إضافة إلي حزب «يهودان هتوارة» وهو حزب ديني
يمثل الطوائف الاشكنازية واليهود من أصل غربي ويؤيد
الاستيطان مثل بقية الأحزاب الصهيونية، وشارك في جميع
الحكومات منذ 1996 سواء مع العمل أو الليكود.
حزب «ميريتس» الذي يصنف علي أنه يسار معتدل تقلص نفوذه إلي
حد كبير، ولا يتوقع له سوي الحصول علي من 4 إلي 5 مقاعد
فقط، أما حزب «شينوي» فلا يتوقع له أن يحصد أي مقاعد،
والمثير أنه حقق المركز الثالث في الانتخابات السابقة عام
2003 وحصل علي 15 مقعدا، وبرز زعيمه «يوسف لبيد» وهو صحفي
ومقدم برنامج تليفزيوني محاولا أن يبدو كحزب ليبرالي ويشغل
مساحة الوسط في مواجهة التطرف الديني، ولكن الانشقاقات
الكثيرة وخلافاته مع حكومة شارون أدت إلي تمزقه تماما، ولا
يتوقع له الحصول علي أي مقعد.
القوائم العربية
كالعادة فشلت الأحزاب العربية في تشكيل قائمة موحدة، وتخوض
الانتخابات في 3 قوائم الأولي تضم الحزب الشيوعي «حداش
والجبهة التقدمية من أجل السلام والمساواة» وحصلت علي 4
مقاعد في الانتخابات الأخيرة، ويتوقع لها أن تحافظ علي
مقاعدها، فيما القائمة الثانية تحت اسم التجمع الوطني
بزعامة النائب «عزمي بشارة» وحصلت علي 3 مقاعد ويتوقع لها
أيضا الحفاظ علي مقاعدها، فيما الجبهة الثالثة تحت اسم
«القائمة العربية الموحدة» التي تضم الأحزاب الإسلامية
وحصلت علي مقعدين ويتوقع لها نفس العدد.
إجمالا القوائم العربية كانت تحوز علي 9 مقاعد ويتوقع لها
أن تزيد مقاعدها مقعدا واحدا أو مقعدين علي أفضل تقدير.
وتصل نسبة العرب بين عدد المصوتين 25%، ولكن الخلافات بين
القوائم العربية أدت إلي تراجع عدد المقاعد من 12 مقعدا
إلي 9 مقاعد، إضافة إلي ترشح بعض الشخصيات العربية علي
قوائم أحزاب أخري فرشح العمل وميريتس مرشحين عربا انضموا
إلي الكنيست الأسبق.
الخريطة الجديدة
وبعيدا عن النتائج فإن خريطة سياسية جديدة ظهرت في إسرائيل
أهم ملامحها:
- تراجع قوة ونفوذ حركة الليكود، وهو تراجع بدأ بانسحاب
آرييل شارون «الميت إكلينيكيا في مستشفي حداسا» من الحركة،
وتأسيسه حركة كاديما، وضم إليها عددا كبيرا من الشخصيات
السياسية التي تميل إلي الوسط مبتعدا عن التيار اليميني في
محاولة للدخول إلي مرحلة للتسوية السياسية النهائية للقضية
الفلسطينية ورسم حدود لإسرائيل ودعم وجودها كقوة عسكرية
اقتصادية متقدمة في المنطقة.
ولا يتوقع أن يؤدي غياب شارون إلي اختفاء مشروعه، ذلك أن
قادة كاديما يتقدمهم رئيس الحكومة بالإنابة «إيهود أولمرت»
ووزيرة الخارجية «ليفني» وزعيم حزب العمل المستقيل «شيمون
بيريز» ووزير الدفاع السابق «شاؤول موفاز» و«حاييم رامون»
أحد الحمائم وغيرهم عازمون علي مواصلة مشروع شارون السياسي
وعلي هذا الأساس يخوض هذا الحزب تلك الانتخابات ليصبح أكبر
قوة سياسية.
والمهم أن سياسة «كاديما» ترتكز علي إجراء تلك التغييرات
بشكل أحادي، مثلما حدث مع شارون الذي انسحب من غزة بشكل
أحادي الجانب وبدون توقيع اتفاق بذلك مع السلطة
الفلسطينية، ويعتزم الحزب - عبر الائتلاف الجديد - القيام
بانسحاب أحادي الجانب من أماكن في الضفة مع تجميع
المستوطنات الرئيسية والاحتفاظ بالشريط الحدودي علي نهر
الأردن وعدم تقسيم القدس.
ويستند مفهوم الفصل الأحادي الجانب علي مفهوم السور الذي
تمت إقامته في الضفة، مما سيضمن تقسيم الضفة وابتلاع الجزء
الأكبر وضمه للقدس الكبري.
وأظهر «أولمرت» تشدده باقتحام سجن أريحا والقبض علي زعيم
الحركة الشعبية أحمد سعدات ورفاقه في إشارة لتحدي حركة
حماس الفائزة بالانتخابات، وللتدليل علي أنه لا ينوي
التساهل ولا حتي التفاوض مع حركة حماس، وإيقاف التعامل مع
السلطة الفلسطينية بعد أن جري إضعافها وعزلها.
العمل الجديد
وسواء حل العمل ثانيا أو ثالثا فإنه سيعادل قوة الليكود،
فقد جري تجديد دماء حزب العمل عبر انتخاب النقابي «عامير
بيريتس» لرئاسة هذا الحزب علي حساب الفاشل والخاسر دائما
«شيمون بيريز» وبرنامج العمل الجديد اجتماعي إصلاحي يقوم
علي الديمقراطية الاشتراكية، علي غرار حزب العمال
البريطاني.
والحزب يتخذ خطوات مهمة نحو التسوية السياسية بالدعوة
للتفاوض مع السلطة الفلسطينية وعدم عزلها ويقدم تنازلات
أكثر بخصوص الانسحابات والمستوطنات، ولكنه يتشدد بشأن
القدس وعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين.
وأكد عامير بيريتس في عدة مناسبات إصراره علي عودة
المفاوضات ليس علي أساس خريطة الطريق التي قال عنها إنها
«فكرة جيدة لتجميد عملية السلام» وإنما في المفاوضات
المباشرة مع الفلسطينيين تؤدي إلي إقامة دولة فلسطينية إلي
جانب دولة إسرائيل، وهو لم يحدد بالطبع حدود الدولة
الفلسطينية تلك ولا شكلها ومعالم سيادتها.
الليكود وتجمع التطرف
القوة الثالثة هي الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو الذي وجد
نفسه يقاتل ضد جبهتين: كاديما من ناحية والعمل من ناحية
أخري، وبرنامجه يقوم علي 3 لاءات: «لا للدولة الفلسطينية،
لا لأي انسحاب جديد من الضفة، ولا لاستقبال عمال فلسطينيين
جدد وراء الخط الأخضر» إضافة إلي الثوابت الخاصة بالقدس
والاستيطان، والحل الوحيد هو توسيع جدار الفصل شرقا علي
حساب أراض فلسطينية جديدة.
واستخدم الليكود فوز حماس كفزاعة لتخويف الإسرائيليين
بشدة، ولكي يبرز باعتباره الحزب الوحيد القادر علي مواجهة
التطرف الفلسطيني وحماية إسرائيل.
ولدي الليكود فرصة لتجميع الأحزاب اليمينية المتطرفة معه
لتشكيل الحكومة الجديدة، وهو رهان يبدو أقل إمكانية من
قدرة كاديما علي تشكيل الائتلاف الآخر المكون من أحزاب
اليسار والوسط، مع الاعتماد علي دعم الأحزاب العربية.
مستقبل العملية السلمية
وإلي أن يتم تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة كاديما علي
الأرجح، فإن العملية السياسية ستدخل في إطار التجميد
والشلل، خاصة أن الساحة الفلسطينية تعيش تحولات فوز حماس
وتشكيلها الحكومة، وضعف السلطة الفلسطينية وتراجع دور
منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس الدولة محمود عباس.
وفي هذه الأجواء لا يبدو أن هناك أي فرصة للتقدم في عملية
تسوية سياسية، بل علي العكس فإن الأجواء مهيأة لتوتر
وانفجار آخر قادم في إيران حيث دخلت جهود الحل السياسي
نفقا مظلما، علاوة علي استمرار التورط الأمريكي في العراق
واقترابه من خطر الحرب الأهلية، علاوة علي إمكانية انفجار
الوضع في لبنان في ضوء تطورات الحوار الداخلي المتأزم،
ومحاولات لتحريك الأوضاع في سوريا، علاوة علي إمكانية أخري
لانفجار الأوضاع في دارفور، بالإصرار علي إرسال قوات دولية
هناك وبالطبع فإن هذه الملفات العربية المتعثرة حاضرة أمام
القمة العربية التي تعقد اليوم في الخرطوم، حيث كلما نجح
العرب في نزع فتيل أزمة انفجرت أزمات جديدة.
ولعل في مقدمة تلك الأزمات ماذا سيفعل العرب لحل قضيتهم
المركزية «القضية الفلسطينية» في ضوء التطورات الداخلية في
إسرائيل ثم في الأراضي الفلسطينية نفسها؟.