يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1272 (29 مارس - 5 ابريل) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

التطورات السياسية الجارية في أمريكا اللاتينية

 
 

هل تمثل تحولا لليسار؟

 
 

د. ألفونس عزيز

 

  مشكلتان تؤرقان واشنطن:
تؤرق حاليا واشنطن والرأي العام الأمريكي مشكلتان متعلقتان بالوضع السياسي في أمريكا اللاتينية، تتمثل الأولي في الانحسار الواضح للنفوذ الأمريكي في هذه المنطقة من العالم والتي تعتبرها الولايات المتحدة فناءها الخلفي، وتتمثل الثانية في التحول لليسار وخاصة بين فئات البورجوازية الصغيرة والذي يدفعها إلي مواجهة حاسمة مع الرأسمالية الأمريكية ومحاولة شق طريق جديد للاشتراكية.
إن انحسار نفوذ الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية لا يرجع إلي مجرد أخطاء في السياسة الخارجية للولايات المتحدة أو نتيجة اتخاذ قرارات من جانب بعض السياسيين، وإنما يرجع في الأساس إلي التطورات الجارية حاليا في الاقتصاد العالمي وخاصة فيما يتعلق بتدني الوضع الاقتصادي العالمي للولايات المتحدة بالمقارنة بتقدم الوضع الاقتصادي العالمي لأوروبا الغربية، وبالإضافة إلي تعاظم قوة الصين اقتصاديا.
مبدأ مونرو يفقد فعاليته:
إن مبدأ مونرو الذي كان يعد أحد أركان السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ حوالي مائتي سنة والذي تمثل في إبعاد أي قوي خارجية عن التدخل في شئون أمريكا اللاتينية واستندت إليه الولايات المتحدة طوال القرن العشرين لتبرير تدخلاتها المستمرة في شئون أمريكا اللاتينية، وفرض الديكتاتوريات العسكرية لضرب الحركات الاجتماعية للطبقة العاملة، هذا المبدأ فقد فعاليته بفعل تطور العلاقات الاقتصادية الخارجية، ففي خلال العقد الأخير أصبح الاتحاد الأوروبي المصدر الرئيسي للاستثمارات الأجنبية المباشرة في أمريكا اللاتينية وحل محل الرأسمالية الأمريكية، ومما زاد من تعقيد الموقف أكثر بروز الصين كقوة كبري في التعامل مع أمريكا اللاتينية، حيث وقعت خلال السنتين الأخيرتين اتفاقيات تجارية وعسكرية مع بعض دول أمريكا اللاتينية، وبموجبها صارت هذه الدول مصدرا أساسيا تمد الصين باحتياجاتها من المواد الخام اللازمة لتنمية صناعاتها، فمثلا زادت واردات الصين من أمريكا اللاتينية إلي حوالي ستة أضعاف قيمة وارداتها منها خلال السنوات الست الماضية، كما تعهدت الصين بضخ استثمارات تقدر قيمتها بحوالي مائة بليون دولار لإقامة الكثير من المشروعات الإنتاجية ومشروعات البنية التحتية الأساسية خلال العقد القادم، ومن أهم الأنشطة الإنتاجية التي تهتم الصين بضخ استثماراتها فيها قطاع البترول في فنزويلا وقطاعات الغاز الطبيعي وبعض الأنشطة التعدينية الأساسية في بوليفيا..
ترتب علي هذه التطورات في العلاقات الاقتصادية الخارجية لأمريكا اللاتينية أن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد في هذه المنطقة من العالم ولا شك فإن هذه العلاقات المتنامية بين أمريكا اللاتينية والدول المنافسة اقتصاديا للولايات المتحدة تعطي لأمريكا اللاتينية حرية أكبر في إعادة النظر في علاقاتها مع واشنطن ويري البعض أن هذا الوضع الاقتصادي الجديد يضع الأساس للتحول لليسار، بينما يري البعض الآخر أنه مجرد توجه إلي اليورو الأوروبي واليوان الصيني.
تحديات أخري من داخل أمريكا اللاتينية:
أيضا يواجه الولايات المتحدة تحد آخر من داخل أمريكا اللاتينية نفسها يتمثل في تصاعد قوة البرازيل اقتصاديا وترجع أهمية هذا التحدي إلي أن البرازيل بحجم سكانها الذي يزيد علي حوالي 180 مليون نسمة وبمواردها الطبيعية الغنية تحتل حاليا المركز العاشر في الإنتاج الصناعي العالمي، ولقد أدي هذا الوضع إلي مصادمات متعددة بين الولايات المتحدة والبرازيل، وخاصة فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية والصادرات الزراعية.
كذلك أصبحت البرازيل مصدرا رئيسيا لإنتاج السلاح، وقد عقدت مع فنزويلا والأرجنتين اتفاقيات لإقامة صناعات سلاح مشتركة تنتج الطائرات الحربية ومختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، لإمداد دول أمريكا اللاتينية باحتياجاتها من السلاح، وتمثل هذه الاتفاقيات ضربة قوية لصناعات السلاح في الولايات المتحدة، حيث تصدر لأمريكا اللاتينية سلاحا بما قيمته حوالي 5،3 بليون دولار سنويا.
مغامرات عسكرية عدوانية:
لاشك أن الأوضاع السابق الإشارة إليها تمثل تحديا خطيرا للولايات المتحدة وليس من المتوقع أن تستسلم الولايات المتحدة لهذه الأوضاع، الأمر الذي يدفعها إلي القيام ببعض المغامرات العسكرية العدوانية، داخل أمريكا اللاتينية، مثل الانقلاب الفاشل الذي دبرته الولايات المتحدة ضد شافيز في عام 2002، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلي أن الولايات المتحدة أعدت خططا لغزو فنزويلا مماثلة لخطط غزوها للعراق للاستيلاء علي منابع البترول الفنزويلي، أيضا وقفت الولايات المتحدة وراء إشعال الخلافات علي الحدود بين فنزويلا وكولومبيا، وساعدت كولومبيا علي بناء جيش يزيد تعداده علي 275 ألف عسكري، وتفكر الولايات المتحدة في استخدامه لغزو فنزويلا، أيضا تعمل الولايات المتحدة علي إشعال الخلافات علي الحدود والمنافذ بين بعض دول أمريكا اللاتينية مثل الخلافات بين بوليفيا وتشيلي وبين بيرو وتشيلي، علي أمل أن تؤدي هذه الخلافات إلي قيام حروب محلية بين بعض دول أمريكا اللاتينية وبما يضعفها أمام الإمبريالية الأمريكية.
هل ما يحدث يمثل تحولا لليسار؟:
تطرح التطورات السابق الإشارة إليها سؤالا حول ما إذا كانت تمثل تحولا لليسار؟ أم هي ظاهرة تمثل صعودا لأشكال حكم تقدمية تقودها البرجوازية الوطنية، لمناقشة هذا السؤال نلقي الضوء علي السياسات التي اتخذتها دول أمريكا اللاتينية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين والتي أملتها عليها الولايات المتحدة ومؤسساتها المالية.
أهم ما اتسمت به السياسات التي اتبعتها دول أمريكا اللاتينية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين تخليها عن سياسات التصنيع القائمة علي الإحلال محل الواردات والتي تهدف إلي تطوير فروع إنتاج تساعدها علي إحداث تحولات هيكلية تؤدي إلي قيام هياكل صناعية متكاملة، وهياكل اقتصادية متوازنة، واتباع سياسات التصنيع التي تقوم علي تنمية الصادرات الصناعية التقليدية بهدف زيادة أرباحها في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ولقد صاحب هذه السياسات تخفيض كبير في الرسوم الجمركية وتخفيف القيود علي الاستثمار الأجنبي، بالإضافة إلي خصخصة الكثير من مشروعات القطاع العام مما أدي إلي تشريد مئات الألوف من العمال وزيادة حدة الفقر ونزول نسبة أكبر من السكان تحت خط الفقر، وتشير إحدي الدراسات التي أعدها البنك الدولي في عام 2003 إلي أن حوالي العشر الأغني من السكان في أمريكا اللاتينية يحوز علي حوالي 50% من الدخل، بينما يحوز العشر الأفقر علي حوالي 5،1% فقط من الدخل، ومن أهم الدول التي عانت من الانهيار الاقتصادي والتدهور الاجتماعي فنزويلا والأرجنتين وأورجواي..
هذه التطورات تمثل من وجهة نظر البعض الخلفية التي أدت إلي نشوء ظاهرة التحول لليسار في بعض دول أمريكا اللاتينية: فنزويلا وبوليفيا والبرازيل والأرجنتين وأورجواي، ومن المتوقع حدوث تحولات أخري لليسار في الفترة القادمة في بيرو والمكسيك ونيكارجوا، وتجدر الإشارة إلي أن التحولات السياسية في هذه الدول تنطوي علي توجهات سياسية مختلفة، إلا أنها تشترك جميعا في عدائها للولايات المتحدة ورفض توجهاتها وخاصة فيما يتعلق بسياسات النيوليبرالية.
وهناك وجهة نظر أخري تري أن التطورات السابق الإشارة إليها باعتبارها تحولا لليسار لا تمثل طريق النضال الطبيعي للطبقة العاملة، إذ لا تخرج عن كونها انبعاثا لظاهرة «الوطنية اليسارية Left Nationalism» والشعوبية العسكرية Military Populism والتي كان من أبرز أمثلتها نظام جوان بيرون في الأرجنتين وجتوليو فارجاس في البرازيل.. وللتدليل علي صحة وجهة النظر هذه يقول أصحابها: إن في فنزويلا مثلا فإن قمم الاقتصاد الفنزويلي الحاكمة لمسار الاقتصاد القومي مثل الصناعات الثقيلة لا تزال حتي الآن تحت سيطرة الرأسمالية المالية، وأن الشركات متعددة الجنسيات لاتزال تسيطر علي النظام المصرفي ووسائل الإعلام.
وأيا ما كان تفسير التحولات الاجتماعية الحديثة في بعض دول أمريكا اللاتينية فهي ظاهرة تقدمية علي طريق التطور الاجتماعي علي الأقل في الأجل القصير وتمثل أملا للشعوب في المرحلة الحالية من التطور السياسي العالمي، حيث تعاني معظم الشعوب حاليا من قهر القوي الرأسمالية العالمية لها، إن تدعيم مثل هذه التحولات الاجتماعية المشار إليها والإسراع بخطاها حتما يزيد من حدة التناقضات داخل النظام الرأسمالي العالمي، وحتما يضعف من سطوة الإمبريالية الأمريكية وعدوانيتها.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


[articles/inc-foot.htm]