سيقف التاريخ طويلاً وهو يختنق بالبكاءقبل أن يسقط علي الأرض مغشياً عليه في يوم الجمعة 17 مارس .. كانت قوات الأمن المركزي
بعرباتها الزرقاء العملاقة قد اتخذت مواقعها في الشوارع
المحيطة بنقابة الصحفيين .. بسبب اجتماع الجمعية العمومية
للنقابة التي ستناقش قضيتين:
الأولي: حبس الصحفيين!
الثانية: مرتبات الصحفيين!
وذلك تحسبا .. لأي خروج عن حدود -اللغط- والضوضاء .. أو
ارتكاب ما يكدر صفو المسئولين ويخرجهم من حالة -الروقان-!
وصرفهم عن تدبير الثروات من خصخصة المصانع والمنشآت
الحيوية.
الحكومة في حالة -روقان- ولا تحب من يخرجها من هذا الروقان
علي سلم النقابة .. وقف عدد من الزملاء يحملون مكبرات
الصوت .. للرد علي مظاهرات التأييد لوقفة الصحفيين التي
كانت تطوف حول النقابة .. مرددة بمكبرات الصوت أيضا:
معكم .. معكم .. يا صحفيين!
ويأتي الرد من سلالم النقابة:
شكرا .. شكرا .. يا وطنيين!
ولم يعد سرا أن هذه السلالم .. التي شيدت علي عهد الزميل
إبراهيم نافع عندما كان نقيبا للصحفيين .. باتت أكثر شهرة
من تمثال الحرية في أمريكا .. وأكثر قدرة علي إغاظة
المسئولين .. وإرباكهم ..
باتت مقصد المظلومين الذين أكلت الحكومة حقوقهم .. والذي
لا يجدون في البلد أفضل من سلالم نقابة الصحفيين لصعودها
وإطلاق آهاتهم من فوقها..
ويبدو لي أن الحكومة تراقب هذه السلالم .. بنفس العيون
التي تراقب بها الفنانة هياتم التي تحاسبها السلطات علي
-الواحدة-.
تراقبها عيون شاخصة .. وهي تتلمظ غيظا .. لأن أي حماقة
ترتكبها تنتقل عبر القنوات الفضائية إلي السيدة كونداليزا
رايس .. وتتحول حكومتنا إلي -هياتم-.
ولو كان الأمر بيد الحكومة .. لهدمت هذه السلالم ..
وحولتها إلي ضريح .. يأتي إليه السياح من الدول الأوروبية
العديدة لقراءة الفاتحة.
المشهد في البهو المطل علي هذه السلالم .. لم يكن يختلف
كثيرا عن مشهد المظاهرات التي حاصرت صحيفة الشعب في
ألمانيا الشرقية .. قبل أيام من سقوط سور برلين..
كانت صحيفة الشعب هي لسان الحكومة التي يتزعمها إيريك
هونيكر .. وكانت أكثر الصحف نشرا للأكاذيب ومقالات النفاق
والإشادة بحكمة القيادة السياسية ... إلخ
وكانت المظاهرات تردد جملة واحدة هي -نحن الشعب- .. وصعدت
مجموعة من شباب المتظاهرين إلي الأدوار العليا للدار
الصحفية .. لضرب رؤساء التحرير .. وألقت بأحدهم من الدور
السادس!
لم يصل الأمر يوم الجمعة إلي هذا الحد .. إلا أن الأجواء
المشحونة بالغضب .. ضد القيادات الصحفية القديمة ..
والفساد الذي استشري .. واستمرار مجلس الشوري في مساندة
هذه القيادات . قد وحدت مشاعر الجماعة الصحفية التي تطالب
بمحاكمة المفسدين.
باتت المطالبة بمحاكمة القيادات الصحفية القديمة .. تجري
علي كل لسان .. تلك القيادت التي تفرغت لتلميع أحذية
الحكام!
لم يكن الفساد في صحيفة -الأهرام- .. هو المسيطر علي أجواء
الجمعية العمومية يوم الجمعة . وإنما كانت حكايات الفساد
في الصحف القومية الكبري .. هي حديث كل الصحفيين..
أحاديث البذخ .. وأرقام المرتبات التي لا يمكن أن يصدقها
العقل .. تتردد في كل مكان ..
ومعها اتفاق علي أن ثمة اتجاها سياسيا في البلد .. يري
-التعتيم- علي هذه الانحرافات .. وعدم فتح الملفات التي قد
تجر في أذيالها ما لا تصلح من بركة دعاء الوالدين ..
والمثير في الموضوع أن الحكومة تتطلع إلي هذه المشاعر من
الغضب .. نظرة قبطان العبارة الغارقة للحريق الذي شب فوقها
.
كان الرجل يتصور أن بوسعه السيطرة علي الحريق .. ولم يكن
يتصور أن النيران أكبر من قدراته .. وحاول إخمادها بغباء
أدي إلي وقوع الكارثة..
ولذلك نقول إن الأزمة الحالية في بلاط صاحبة الجلالة تقتضي
التعامل معها بجدية .. وبأمانة .. وبلا لف ولا دوران ..
ولنا أن نتساءل ما الذي يضير الحكومة .. إذا تخلت عن عدد
من كبار المنحرفين .. وتركت العدالة تأخذ مجراها . أو علي
الأقل .. أوقفت الأعمدة الصحفية التي تظهر يوميا .. ولا
تحقق أي هدف سوي استفزاز مشاعر الناس والإساءة لسمعة
النظام السياسي الذي ترك لهم الحبل علي الغارب لأكثر من 15
سنة!
---
هذه السلالم الشهيرة التي بدأت بها كلامي .. تفضي إلي بهو
فسيح .. التقت فيه جموع الصحفيين من مختلف الأجيال ..
ومختلف الهموم .. ومختلف التجارب.
جيل عاصر الصحف قبل تنظيم الصحافة .. وجيل عاصر المعارك
الوطنية الكبري .. وكانت الصحافة من أهم أدواتها .. إلي أن
دارت الأيام .. وفقدت الأمة أحلامها المشروعة في البناء
والتعمير .. والتصنيع .. وأصبحت صحف الشعب ملكا خالصا
لثلاثة من الصحفيين يتصرفون في شئونها تصرف الوصي في أموال
اليتامي..
كل واحد يتصرف بمعزل عن الآخر .. ولكنه يأتي بنفس الأفعال
.. ابتداء من بناء الأبراج الصحفية .. واستيراد المطابع
العملاقة .. وانتهاء بالمضاربة علي الأراضي .. وممارسة
الأعمال التي لا تمت للعمل الصحفي بأدني صلة.
ولم تعد المنافسة بين القيادات الصحفية تتركز علي
التطوير.. والاقتراب من القراء.. ورفع مستوي الصحفيين..
وتنمية المهارات الصحفية.. وإنما تركزت علي من يشتري مطابع
أضخم.. ومن يبني أبراجا صحفية يعرض ماكيتاتها علي الرئيس
حسني مبارك.. ومن يقيم محطات خدمة السيارات والأكاديميات
الدراسية.. والتوسط لدي المطربين لإقامة الأفراح.. إلخ.
كل واحد يتفرغ للاطلاع علي الكتالوجات.. ويناقش المقاولين
ومهندسي المباني والمطابع.. ولا يجد الوقت لقراءة كتاب أو
رفع قدراته المهنية.
وصاحب هذه السلوكيات عدة مظاهر:
أولها: تدني الخدمة الصحفية.. و-هيافة- القيادات.
ثانيها: بذخ لم تعرفه الصحافة منذ اختراع الطباعة.
ثالثها: فوارق مذهلة في المرتبات.
وعن المظهر الثالث.. جرت المناقشات في الجمعية العمومية
يوم الجمعة.. وعنه أكتب هذه السطور.
وأشير في البداية إلي أن ما تردد حول تدني المرتبات في
المؤسسات الصحفية الثلاث.. يصل في رأينا إلي حد الجريمة.
جريمة مارستها القيادات الصحفية في ابتزاز المحررين..
وإهدار كرامتهم وترويضهم علي فن لعق الأحذية.
ولذلك نلاحظ أنه في كل انتخابات جرت في نقابة الصحفيين في
السنوات الأخيرة كان الأستاذ إبراهيم نافع يقدم وعدا
لجماهير الصحفيين بزيادة في المرتبات تصل إلي 40 جنيها
شهريا.. ارتفعت في آخر انتخابات إلي 80 جنيها!.
وهي مبالغ هزيلة لا تتحملها المؤسسات الصحفية.. وإنما
ميزانية الدولة.. وبوعد مباشر من وزير المالية.. أيا كان
اسمه!.
خدمات تافهة.. لا تليق برجال يحملون رسالة.. ويتحدثون
بلسان الرأي العام.. ويقاومون الفساد والرشوة!.
يحدث ذلك في الوقت الذي تصل فيه مرتبات الزملاء الذين
يصحبهم الرئيس مبارك في رحلاته الخليجية والأوروبية.. إلي
مبالغ تتراوح ما بين مليون وثلاثة ملايين جنيه شهريا.
ويغدق الواحد منهم علي شلة المقربين والسكرتيرات عشرات
الألوف من الجنيهات كل شهر.
تحولت كل مؤسسة صحفية قومية إلي عزبة يرتع فيها صاحبها بلا
حساب.. بينما وقف مجلس الشوري في ظل مصطفي كمال حلمي ومن
بعده صفوت الشريف.. يتفرج.. وكأن الأمر لا يعنيه.
وهكذا استثمر أصحاب العزب الصحفية.. ضعف المرتبات.. وضغوط
الحياة.. في إحكام سيطرتهم.. علي المحررين العاملين في
الصحف القومية.. وتدجينهم.. وتحويلهم إلي دواجن.
حدث ذلك في جميع الصحف القومية بلا استثناء.
واللافت للنظر.. أن القيادة السياسية لم تعتمد في اختيارها
لأصحاب -العزب- الصحفية علي الكفاءة المهنية.. أو حسن
السمعة أو حتي الشهادات الدراسية.. وإنما اعتمدت علي
الولاء المطلق.. والخنوع.. والقدرة الفائقة علي النفاق.
وهي نفس المعايير التي طبقها أصحاب العزب الصحفية في
اختيار المقربين منهم.
وهكذا تفرعت عن العزبة الكبيرة مجموعة كبيرة من العزب
الصغيرة.. التي تمارس فيها طوال ساعات الليل والنهار ما
يغضب الله ورسوله.. ويهدم أركان الإسلام.
وكرامة.. مهدرة فوق!
وكرامة.. مهدرة تحت!.
ولذلك فقد كان من الملاحظ في اجتماع الجمعية العمومية الذي
يعقد لأول مرة منذ 40 سنة دون أن تكون المناسبة هي إجراء
الانتخابات.. إن كل من تحدث مهاجما الفساد.. كان في
الحقيقة.. يهاجم النظام السياسي.
أصبح الفساد.. هو الوجه الآخر للنظام السياسي.
وبما أن الغالبية الكاسحة.. كانت تدعو لمكافحة الفساد..
فقد كانت تقف ضد الحكومة!.
ولخصت كلمة الزميل كامل زهيري النقيب الأسبق الموقف عندما
قال:
-إننا ندافع عن قضايا عادلة.. ولابد من وضع خطة زمنية
لتحقيقها.. بالسلم إن أمكن.. وبالحرب إن لزم.. وإنه لا بأس
من استخدام سلاح الإضراب والاعتصام.. وتأكدوا أنني سأكون
أول المعتصمين في النقابة!-.
هكذا جرت الأمور يوم الجمعة في شارع عبدالخالق ثروت.. إذ
نجحت الحكومة في توحيد جميع التيارات السياسية في الوقوف
ضدها.. تمهيدا لمرحلة جديدة.. يخلع فيها الصحفيون
أحذيتهم.. ويجرون خلفها.
لقد خلع الصحفيون أحذيتهم.. ونحن الآن في انتظار مرحلة..
الجري وراء الحكومة!.
---
في اجتماع يوم الجمعة.. عكست المفارقات في مرتبات
الزملاء.. ما كان عليه الحال قبل صدور قانون تنظيم الصحافة
عندما كانت المدارس الصحفية القائمة في مصر تتنافس في
الإغداق علي أرباب المواهب.. والكفاءات النادرة.
لم نسمع أن عبدالله النديم أو حسين فهمي أو مصطفي وعلي
أمين أو إحسان عبدالقدوس أو أحمد بهاء الدين.. قد عملوا
بالتجارة.. أو حصلوا علي عمولات من جراء ما عقدوه من
صفقات.. أو توسطوا لدي الفنانين لإقامة الأفراح.
كانت دور الصحف.. أشبه بالمدارس.. التي تخرج نجوم الفكر
والأدب والسياسة.. ولابد للصحفي أن ينتمي لإحدي هذه
المدارس.. لأنها الطريق الوحيد إلي النجومية.
لم تكن الصحافة تعرف الرجال الذين يصلون للمواقع القيادية
بقرارات.. من المباحث والمخبرين.
لم تكن الصحافة.. وظيفة.
كانت رسالة00
قبل صدور قانون تنظيم الصحافة00 كان مصطفي أمين يبحث عن
الصحفيين0
يلقي المحاضرات في قسم الصحافة00 ويفتح أبواب التمرين لمن
يتوسم فيهم و(فيهن) القدرة علي ممارسة العمل الصحفي0
نجوم الصحافة00 الذين أطاح بهم الحزب السرمدي طوال ال 25
سنة الماضية00 تدربوا في أخبار اليوم بمكافأة شهرية قدرها
خمسة جنيهات0
كانت المكافأة تأتي ضمن قائمة00 اطلقوا عليها اسم (كشف
مصطفي بك)0
في هذا الكشف الذي يسلمه مصطفي أمين للسيدة مي شاهين00
كانت اسماء00 رفعت كمال00 وسناء البيسي00 ومريم روبين00
وجلال دويدار00 وسامي جوهر00 ووجدي قنديل00 وصلاح منتصر00
ووجدي رياض00 وصافيناز كاظم00 وسمير طاهر00 وعبد الرحمن
شبيطة00
كانت كل هذه المجموعة المتألقة من النجوم 00 تحصل علي
الخمسة جنيهات شهريا00 ولا تشعر بالظلم00 لأنها كانت
تتعلم00 وكان مصطفي أمين يقول :
أخبار اليوم مدرسة00 والذي يذهب للمدرسة00يدفع مصاريف00
ولا يحصل علي مرتب0
وعندما تولي حسين فهمي رئاسة تحرير جريدة الأخبار عام 1961
، وكان يشغل منصب نقيب الصحفيين00 قام بإصدار قرارات
التعيين لجميع الزملاء الذين كانوا قد أمضوا سنوات طويلة
تحت التمرين0
وتحولت المكافأة التي كانت تبلغ خمسة جنيهات إلي مرتب قدره
16 جنيها شهريا0
وعلي الرغم من أن العلاوات بعد تنظيم الصحافة لم تكن تزيد
علي عدة جنيهات 00 سنويا00 إلا أن جموع الصحفيين لم تكن
تشعر بالفوارق المذهلة في المرتبات0
لم يكن رؤساء التحرير يعرفون السيارات الفارهة مسدلة
الستائر00 ولا مراكب الحراسة، ولا المكافآت التي تصرف
للمحظيات0
لم تكن الصحافة00 في تلك الفترة00 تعرف ملايين مجلس
الشوري0 ولا العمولات العملاقة00 ويكفي أن تقول إنه لم يكن
في مكتب مصطفي أمين حمام جاكوزي0
هذا النوع من الفساد لم تعرفه الصحافة المصرية إلا خلال ال
15 سنة الأخيرة0
فساد يعيد للأذهان ليالي هارون الرشيد00 حيث الولائم00
والجواهر00 ودعوات السفر إلي سويسرا00 ومعها العناق حتي
الصباح0
ولذلك فعندما يتحدث الزميل كامل زهيري بمفردات الشباب
ويعلن أن مطالبنا عادلة00 وعلينا الحصول عليها بالسلم إن
أمكن00 وبالحرب إذا لزم فلا يختلف اثنان في أن عنده حق00
وأن كنا ندعوه لإعادة التفكير في موضوع (أول المعتصمين)
ونقترح عليه أن يكون آخرهم0
علي أي حال فإن ما بين ملاليم مصطفي أمين وملايين مجلس
الشوري00 سيقف التاريخ طويلا00 وهو يختنق بالبكاء00
والسقوط علي الأرض مغشيا عليه0
ومن يدري ربما يبدأ التغيير من سلالم نقابة الصحفيين00
التي شيدها الزميل إبراهيم نافع!
سبحان الله