يعد التأمين الصحي حقا أصيلا من حقوق الإنسان والذي لا
يمكن المساس به أو التخلي عنه، هذا الحق الذي تخطط الحكومة
اليوم لاختلاسه من الشعب المصري من خلال مشروع قانون جديد
للتأمين الصحي يهدف لخصخصة مؤسسات التأمين الصحي التي شيدت
بأموال المؤمن عليهم وليس أموال الدولة.
من -أجل تأمين صحي واجتماعي شامل وعادل لجميع المصريين-
كان عنوان ورشة العمل التي نظمتها اللجنة التنسيقية للحقوق
والحريات النقابية والعمالية بالمشاركة مع جمعية التنمية
البيئية والصحية بهدف فضح مؤامرة الحكومة لتحويل التأمين
الصحي الاجتماعي لتأمين صحي تجاري يديره القطاع الخاص،
وتعرية ما يسمي ب -خطة الإصلاح الصحي-، والوصول لحلول
بديلة وآليات لمواجهة هذا المخطط وإحباطه.
وحضر الورشة عمال ونقابيون من كل المواقع العمالية
والمهتمون بالشأن الصحي والمدافعون عن حقوق فقراء هذا
الوطن.
صندوق مالي ويؤكد د. عبدالمنعم عبيد، الأستاذ بكلية طب القاهرة
وعضو لجنة الصحة بالمجالس المتخصصة أنه كلما كثر الحديث عن
-إصلاح الرعاية الصحية- وعلي وجه خاص البدء بإصلاح التأمين
الصحي تنتابنا مخاوف، وأول ما يتبادر إلي الذهن في هذا
الصدد هو ما أعلنته وزارة الصحة من ضعف رواتب الأطباء،
والمعاناة في تلقي خدمات التأمين الصحي بسبب تضخم عدد
المشتركين والمنتفعين الذي وصل إلي حوالي 35 مليون منتفع
أي 46% من الشعب بعد ضم طلبة المدارس (17 مليونا) وحديثي
الولادة (9 ملايين)، ومن خلال ميزانية بلغت حوالي 2 مليار
جنيه مع مديونية بلغت خمسمائة مليون أي ربع الميزانية
المخصصة، فإذا علمنا أن مجمل ما ينفقه الشعب المصري علي
العلاج يقارب العشرين مليار جنيه نصفها من جيبه المباشر مع
مشاركته في النصف الثاني من خلال الضرائب العامة واشتراكه
السنوي في هيئة التأمين الصحي، فإننا نستغرب هذا الصراخ
الحكومي حول عدم كفاءة التأمين الصحي.
ويستكمل عبيد: إن بعض الهيئات الدولية الداعمة ل -خطة
الإصلاح الصحي في مصر- نصحت أن تحول هيئة التأمين الصحي
إلي مجرد صندوق مالي لشراء الخدمة للمنتفعين والتخلص من
مؤسسات تقديم الخدمة، ورددت الحكومة هذه الخطة تحت شعار
-فصل التمويل عن الخدمة- واقتصار عمل هيئة التأمين الصحي
علي القيام بمهمة التمويل فقط، والتخلص من عياداته
ومستشفياته وهي نصيحة مشئومة اجتماعيا إذ أنها تحول مؤسسة
التأمين الصحي المصرية إلي مجرد شركة لتوظيف الأموال من
التي عرفتها بلادنا ولا حاجة لنا بها وانتهي حديث د. عبيد
إلي أن المسألة الصحية لا يصلح معها القطاع الخاص مثلها
مثل التعليم.
بالغ الخطورة ويري د. محمد حسن خليل استشاري أمراض القلب بالهيئة
العامةللتأمين الصحي وعضو جمعية التنمية الصحية والبيئة أن
مشروع القانون المقدم يؤدي إلي زيادة نسبة الاشتراكات بل
يتعدي ذلك إلي مساهمة المنتفع بثلث ثمن الدواء خارج
المستشفي ما عدا الأمراض المزمنة وكذلك مساهمته في تكاليف
الخدمة بما لا يتجاوز ثلث السعر أو التكلفة ويشير خليل إلي
أن هذا القانون يؤدي إلي خلل بالغ الخطورة فيه مساس بمبدأ
التأمين نفسه حيث جوهر التأمين هو دفع المتوسطات فقط
بالإضافة إلي رسوم رمزية بدلا من الاضطرار إلي تحمل مبالغ
ضخمة فجأة في حالة المرض أما دفع نسبة بدون حد أقصي فتعرض
المؤمن عليه لدفع مبالغ غير محددة قد تصل إلي آلاف
الجنيهات.
ويضيف د. محمد حسن خليل أن القانون الجديد يستبعد بالتحديد
مبدأ أن تقوم هيئة التأمين الصحي بتقديم الخدمة بنفسها
ويري أن التفريط في هيكل مستشفيات وعيادات التأمين الصحي
كاتجاه يرتبط بسياسة الإصلاح الصحي لوزارة الصحة من شأنه
أن يحل مشاكل سوء الخدمة الذي يعاني منه المواطنون فنحن
هنا إزاء مشاكل متعددة فالقضية ليست إعطاء دور للقطاع
الخاص بل هي بالتحديد استبعاد القطاع العام مما يؤدي إلي
تحميل المؤمن عليه عبء تكلفة الخدمة بالإضافة إلي هامش
الربح وبالتالي زيادة التكلفة عليه، وإلي أين يذهب الهيكل
العلاجي المكون من 40 مستشفي و140 عيادة شاملة بنيت بأموال
المؤمن عليهم.
البحث والتطوير وتحدث د. محمد رءوف حامد، أستاذ علم الأدوية بالهيئة
القومية للرقابة والبحوث الدوائية، حول مشكلة الدواء في
مصر مؤكدا أن الدواء سلعة خاصة جدا فلا يمكن لمن يحتاجها
أن يستغني عنها كما تعتمد هذه السلعة علي أنشطة البحث ويصف
د. حامد سوق الدواء بأنه يتزايد بشكل هندسي متسارع ففي عام
1976 كان حجم السوق الدوائية في العالم 5.43 مليار دولار
وتزايد عام 84 وصل إلي 5.94 مليار دولار وبعد خمس سنوات
أخري وصل إلي 256 مليار دولار إلي أن وصل في عام 2000 إلي
373 ثم وصل في 2004 إلي أكثر من 506 مليارات ويشير د. رءوف
أن جوهر المشكلة أن صناعة الدواء ترتبط بالقدرة علي البحث
والتطوير وتأتي اتفاقية التريبس أو التريبس بلاس التي من
شأنها زيادة أسعار الدواء في ظل تدني قدرتنا البحثية في
هذا المجال.
وكان هناك اتجاه عام من الحضور برفض فكرة فصل التمويل عن
الخدمة بينما اختلفت الآراء ما بين تقديم مشروع قانون بديل
للمشروع المقدم من الحكومة والإبقاء علي القانون القديم مع
إجراء بعض التعديلات التي من شأنها تحسين الخدمة.
وانتهت الورشة بوضع بعض البدائل والآليات لمواجهة هذا
المخطط الحكومي بخصخصة مؤسسات التأمين الصحي وكان أهمها
تأسيس لجان لمواجهة مشروع قانون التأمين الصحي علي مستوي
الجمهورية، الاستمرار في بنيان اجتماعي موحد لصحة المصريين
والتمسك بقانون واحد يحمي الحقوق التأمينية للمواطن المصري
بما فيها التأمين الصحي والاجتماعي، وأن تكون هيئة موحدة
ومستقلة هي هيئة التأمين الصحي، بالإضافة لتعبئة قوة
المعارضة للضغط ومواجهة هذا القانون الجديد وإظهار رأي عام
قوي رافض له وأخيرا رفض السياسة الصحية للحكومة وفضح هذه
السياسة وعمل لجنة دائمة لمتابعة تنفيذ تلك الآليات.