إنا بأيدينا جرحنا قلبنا
وبنا إلينا جاءت الآلام
وما من أحد يعنيه أمر هذا الوطن بأكثر من تلك القوي
الوطنية والديمقراطية والتقدمية، هذه القوي التي تتطلع إلي
مصر ديمقراطية حقا، متقدمة حقا، وعقلانية حقا، مصر
ليبرالية، تحترم الآخر، أيا كان سواء في الدين أو العقيدة
أو الرأي أو الموقف أو الجنس ،مصر التي تسعي نحو عدل
اجتماعي ومجتمعي وترفض القهر السياسي والاجتماعي، مصر تلك
الأنثي الأبدية الإغراء التي تمشط ضفائرها علي شاطيء النيل
وتغسل أطراف أقدامها في مياه المتوسط، وتنتظر بلا ملل
أبناءها الحقيقيين كي يخلعوا عن كاهلهم ثوب الكسل، وثياب
التطاحن والتلاسن والتشاتم والتكاذب والتجاذب غير المجدي،
كي يتكاتفوا ليصنعوا من أجلها شيئا ينهض بها نحو المستقبل.
ألم أقل في البداية..
-إنا بأيدينا جرحنا قلبنا-
فصدقوني يا إخوتي في الهم الوطني والديمقراطي والاجتماعي
إننا أضعنا وقتا كثيرا في تباعد غير مبرر وتشاتم لا جدوي
منه سوي تكريس التباعد.. وحوارات مجدبة، مجدبة لأن بعض
الأطراف يتحاور لا ليتفهم أو يتفاهم وإنما ليسجل موقفه
الأقصي.. متصورا أنه وحده صاحب صحيح الموقف، وأنه ليس أمام
الآخرين سوي الانصياع لما يقول.. كل ما يقول متشبها في ذلك
بالمتأسلمين الذين يزعمون أنهم وحدهم أصحاب الموقف الصحيح،
والإسلام الصحيح وأن من لا ينضم إلي قبيلتهم كافر أو في
أحسن الأحوال آثم.
بينما الحوار بين فصائل اليسار وكل القوي الوطنية
والديمقراطية يتطلب قدرا من المرونة في تفهم الآخر.. وعبر
التفهم نقترب من التفاهم، ومن التفاهم نأتي إلي ساحة
التوافق ثم إلي الاتفاق.
يا إخوتي..
مصر تتطلع إلينا شزرا، أكاد أتخيلها ترتدي ثوبها الأسود
جالسة القرفصاء منتظرة وبلا ملل أبناءها الأكثر إخلاصا
والأكثر محبة والأكثر قدرة علي التضحية كي يمدوا سواعدهم
معا وينهضوا بها واقفة شامخة قادرة علي أن تقول لهؤلاء
الحكام.. كفي.
كفي استهتارا بشعبي وبمصالحه وكرامته ومستقبله.
كفي فسادا وإفسادا ونهبا لأموال الشعب، بل وتشجيعا لهذا
النهب الذي تحول إلي عمل منظم ومنتظم ومعترف به.
كفي إفقارا للفقراء من أبنائي، وتدميرا لكل حقوقهم،
وانحدارا بمستوي معيشتهم.
كفي نهبا لأموال الوطن وثرواته، أنتم وتابعوكم وتابعو
تابعيكم.
كفي تلاعبا في بيع ما بناه الشعب بعرقه ودمه وجهد أبنائه.
كفي خضوعا للأوامر الآتية عبر الحدود سواء كانت أوامر
سياسية أو اقتصادية أو مالية أو اجتماعية.
كفي تقييدا للحريات وانتهاكا لحقوق الإنسان واستمرارا
لحالة الطواريء، وتسلطا علي وسائل الإعلام المملوكة للشعب
بالأساس.
كفي تحويلا لأجهزة الإدارة والسلطة والسلطان إلي أدوات
تخدم مآربكم غير المقبولة، وأهدافكم غير المسئولة،
وطموحاتكم التي تتعارض مع طموحات الوطن والشعب والحاضر
والمستقبل.
كفي.. كفي ألف ألف مرة.
فإن أحدا لم يعد يحتمل، ومن يحتمل فهو إما شريك ضالع في
النهب أو متطلع لأن يكون شريكا.. أو لعله مستسلم أو منتظر
لأن يبدأ الآخر، القادر أو الأكثر شجاعة والأكثر محبة
للوطن، والأكثر استعدادا للتضحية، فإن بدأ أحد، أي أحد فإن
ألوفا وملايين سوف تمد أيديها لتبدأ معه رحلة التغيير
الضروري والحتمي والذي لا أمل بدونه.
ونحن يا إخوتي في كل فصائل اليسار والقوي الوطنية
والتقدمية.. هذا الآخر المنتظر، وما أن نفعلها وتتشابك
أيدينا، وننهض، حتي تنهض معنا جموع تنتظر فقط من يضيء
أمامها طريق الخلاص، فنحن الأجدر، والأقرب إلي نبض هذا
الوطن، ونحن الأكثر قدرة علي التضحية..
ومدجج يخشي الكماة نزاله
لا ممعن هربا ولا مستسلم
ونحن الذي قدمنا للوطن نماذج من التضحيات.. والأجدر بأن
نقدم منها المزيد والمزيد دون أن نخضع أو نركع أو نشكو..
تراني مغلوبا، تراني غالبا
ولكن محال أن تراني شاكيا
لكننا، برغم ذلك كله، أضعنا ولم نزل نضيع وقتا ثمينا، إما
في محاولات قد تكون بريئة ولكنها غير مبررة وغير مجدية،
محاولات تتمثل في أن يحتضن كل منا حلمه في قلبه وحده
متصورا أن مجرد القول بالحلم قد يثمر شيئا، أو في محاولة
البعض لتحويل الاختلاف أو الخلاف إلي تشاتم وانتقادات ضد
الآخرين من ذات الفصيل أو ذات الانتماء.. وأما الانتقاد
فهو مقبول أما التشاتم فيتعين أن نترفع عنها وقد فعلنا،
فلم نعد نلتفت إليها.
من جاش بالأمل المقدس قلبه
لم يلتفت لحجارة الغلقاء
وبرغم أي شيء.. وبرغم كل شيء فنحن مطالبون بل مرغمون علي
أن نعمل معا من أجل تخليق بديل لهذا الثنائي الذي يتظاهر
بصراعات قد تبدو مفتعلة أو مصطنعة والتي قد - أقول قد -
تخفي تفاهمات أو أمنيات بتفاهمات غير معلنة.
هذا الثنائي الذي يتبدي متناقضا في الفكر أو الموقف
السياسي لكنه متفق تماما في الرؤية الاجتماعية والمجتمعية.
فنحن يا إخوتي إزاء خصمين وليس خصما واحدا.
خصم ينهب ويسلب ويبيع مقدرات الوطن، ويطحن هذا الشعب
ويجرده من حقه في الخبز والعمل والعلاج والتعليم والحرية
وحقوق التعبير، ومن حقه في المساواة وحرية الاعتقاد وحقوق
المواطنة المتكافئة وموجبات الوحدة الوطنية.
وخصم آخر يزعم أنه النقيض للخصم الأول وما هو بنقيض حقيقي،
هو يتصارع معه علي الحكم أو حتي علي قطعة من كعكة الحكم
لكنه يتقدم مرتديا ثياب الدين زاعما أنه الممسك وحده
بمفاتيح السماء ومفاتيح الأرض معا، وبينما نحن والناس
جميعا نتطلع إلي مستقبل يقوم علي إعمال العقل والعلم دون
أن نستشعر أي تناقض بين العقل أو العلم مع الدين، الدين
الذي جاء رحمة للعالمين، وليس بضاعة يتاجر بها البعض
ويستقوي بها ضد البعض ويحاولون أن يتخذوا من ذلك الاتجار
مهابة وحصانة لا يستحقها أحد من البشر العاديين.. فالدين
-المقدس- ليس ملكا لأحد، ولا يوجد أي شخص أو جماعة يمكنه
أن يزعم أنه وحده صحيح الدين وأنه وحده الناطق باسمه،
ولنتذكر معا قول الإمام علي بن أبي طالب -القرآن لا ينطق
وهو مكتوب وإنما ينطق به البشر، وهو حمال أوجه-.. ونحن لا
نريد أن نحرجهم ولا أن نجرحهم في هذه الكتابة بالذات لكننا
فقط نتذكر ونذكرهم بقول قد لا يرتضونه.. والقول للفيلسوف
الإسلامي الأشهر -الكندي- عندما صادف في زمانه أشخاصا
يسخرون الدين لصالحهم ويتاجرون به بزعم أنهم -علماء الدين-
فوصفهم بأنهم -عدماء الدين- قائلا -من تاجر بشيء باعه، ومن
باع شيئا فقد حيازته له-، ولسنا نورد قوله هذا لنتهم أحدا
بأنه من -عدماء- الدين وإنما فقط لنحذر مما قد يئول إليه
أمر الاتجار بالدين.
ونحن.. أقصد نحن جميعا من القوي الوطنية واليسارية
والتقدمية ومع كامل إيماننا بالدين وربما بسبب هذا الإيمان
الكامل لا نقبل ولا يمكن أن نقبل بتوظيف الدين المقدس في
ساحة السياسة، فالدين تسليم بالإيمان أما السياسة فهي
تسليم بالاختلاف، ونحن جميعا نؤمن بالحرية والتكافؤ في
حقوق المواطنة واحترام الآخر المختلف في الدين ومنحه جميع
حقوقه الدستورية والقانونية، أقصد جميع حقوقه.. وليس قطعة
منها.. ذلك أن افتقاد أي جزء منها يوحي بالتمييز مع.. وضد
وهنا يكمن خطر التفريق.
ونحن جميعا نرفض تحكم أفراد في شئون الحكم زاعمين أنهم حزب
ديني يقيم دولة دينية، وكأننا ونحن في دولة تقوم علي هيمنة
الحاكم وسلطانه الممتد لكل شيء وتمارس قهر المعارضة
والمعارضين وتقمع كل من يتجاسر بأن يعلو صوته فوق المسموح
به، كأننا ينقصنا أن يأتي من يضيف إلي ذلك كله أنه يتحدث
باسم السماء وأن من يخالفه يخالف تعاليم السماء.
خلاصة القول يا إخوتي أننا.. وشعبنا ووطننا نقف أمام
فصيلين يزعمان أنهما متناقضان ونحن نزعم أنهما معا خصمان
لنا ولأحلامنا ولرؤيتنا لمستقبل وطننا وشعبنا، هما - في
اعتقادنا - خصمان، وليس من المفترض أن نفاضل بينهما، ولا
من المفترض أن نتواني في مواجهة أي منهما سواء في ساحة
الفكر أو ساحة العمل الجماهيري والسياسي، لكن الأهم هو أن
ندرك أن واجبنا إزاء وطننا وإزاء أفكارنا وأحلامنا لمستقبل
الوطن، ومستقبلنا السياسي يفترض بل يفرض علينا أن نسعي
لتكوين بديل جديد، يشرق في سماء الوطن مقدما نموذجا بديلا
لوطن حر، تقدمي، عقلاني يحترم العلم ويتخذه سبيلا، والوحدة
الوطنية ويتخذها درعا.
.. ويبقي بعد ذلك أن أعترف وبدون أدني مواربة أننا نمتلك
أخطاء سواء في الفكر أو في الممارسة أو حتي ممارسة
العلاقات فيما بيننا، لكنني شخصيا وربما يشاركني في
اعتقادي هذا زملائي في التجمع أن موقف الأطراف المختلفة من
هذه الأخطاء ومن نتائجها يذكرني بركاب سيارة واحدة تتجه
نحو هدف واحد ثم وقعت مشكلة، خطأ فادح أتي بنتائج سلبية قد
يتمثل إذا ما أخذنا السيارة نموذجا في أن البطارية لا تشحن
جيدا بما يحتاج إلي أن ننزل جميعا من السيارة لندفعها معا
كي يدور المحرك وتصبح السيارة قادرة علي الاندفاع.. ولا
بأس من أن نتبادل اللوم أو الانتقاد أو التصحيح أو
الاقتراحات ولكن ونحن -نزق- السيارة وندفعها إلي الأمام
حتي يدور المحرك باتجاه الهدف.. وساعتها سنكون قادرين علي
إتمام مهمة إصلاح السيارة إصلاحا كاملا، ذلك الإصلاح الذي
يجب ألا يؤجل وإنما يجب أن نبدأ به فورا ودون توان، كل منا
يبدأ به.. وحتي لو كنا وحدنا المخطئين فلا بأس سنبدأ به
نحن ومن الآن، ولكن الأفضل أن ندفع السيارة معا بدلا أن
يبقي البعض تاركين السيارة معطلة، والبعض يدفعها قدر
الطاقة بينما هو جالس بداخلها ليزيد عملية الدفع صعوبة،
ولا يكتفي بذلك بل يوجه الشتائم والانتقادات المحبطة، وإلي
هؤلاء الإخوة نقول لكل منهم قل ما شئت فنحن نقبله ونتقبله
بصدر رحب، ولعله يكون رغم قسوته مفيدا لنا ولغيرنا.. فقط
قل ما تشاء وأنت تشاركنا في دفع -السيارة- إلي الأمام فهي
لا تخصنا وحدنا وإنما تخصنا جميعا.. وتخص الوطن والشعب..
ولعلي بهذا أكون قد أوضحت رؤيتي لمن يعنيهم الأمر كي نعمل
معا من أجل أن:
ننطق الساكت..
ونحرك الساكن.