يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1271 (22 - 29) مارس 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

قضية للمناقشة

 
 

الاستسلام!!

 
 

فريدة النقاش

 

 
استخدمت أكثر من صحيفة مصرية وعدد من قنوات التليفزيون تعبير الاستسلام في وصف ما حدث في سجن -أريحا- في فلسطين حين اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي السجن واعتقلت الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -أحمد سعدات- وعددا من رفاقه كانوا مسجونين في حراسة قوات أمريكية وبريطانية كانت تمارس حراسة السجن طبقا لاتفاقية مع السلطة الفلسطينية كما هو معروف، ثم انسحب الأمريكيون والبريطانيون فجأة لتتقدم قوات الاحتلال وتخرج الأمن الفلسطيني بطريقة مهينة، وتجبر الجنود الفلسطينيين علي خلع ملابسهم ورفع أيديهم، ويتفرج العرب جميعا علي عملية الإذلال المنظمة لا للفلسطينيين وحدهم وإنما للعرب جميعا بل وللإنسانية كلها.
وبدلا من أن تعبر الصحف والقنوات التليفزيونية المشار إليها عن الغضب والاحتجاج وتصف العمل بما يليق بخسته أخذت تصف المشهد باعتباره -استسلاما- لأحمد سعدات ورفاقه، كأنما جرت معركة بين طرفين متكافئين ومسلحين كليهما.
وهو نفس المنطق الذي يساوي بين الجلاد والضحية، والذي استخدمه كبار الساسة المصريين أثناء الانتفاضتين الفلسطينيتين حين طالبوا بوقف العنف علي الجانبين وكأنما الذين يقاومون الاحتلال بالحجارة وحتي الأسلحة البدائية متساوون مع قوة الاحتلال المدججة بأحدث الأسلحة علي مستوي القوة، أما علي المستوي الأخلاقي فإن هذا المنطق يجعل الطرفين متساويين في شرعية وجودهما وسلوكهما، ويبرئ كل هؤلاء الذين تقاعسوا عن مساندة شعب صغير أعزل وقع تحت الاحتلال الاستيطاني الذي نهب أرضه، وطارده إلي مخيمات اللجوء وأخذ يواصل مطاردته حتي في مخيمات اللجوء بهدف إجباره علي ترك أرضه حتي تواصل الدولة الصهيونية توسعها وتستحوذ علي كل فلسطين طبقا لوعد يقولون إن الله - تعالي - قد منحه لهم باعتبارهم شعبه المختار.
ويبدو لي أن هذا المنطق الذي يساوي بين الجلاد والضحية سواء كان واعيا أو غير واع هو تعبير عما أسميه -استعمار الذاكرة الوطنية- بطرق التفكير والمفردات التي يصكها المحتلون والقوي المهيمنة ويستخدمونها بإلحاح حتي تتوغل في اللاوعي الجماعي وتصبح مع الوقت جزءا من قاموسنا ومن تكويننا الذهني الذي يطبع مواقفنا العملية بعد ذلك في مواجهة العدو الذي أخذنا نطلق عليه وصف -الآخر- كما أشارت الروائية الذكية -أهداف سويف- في روايتها الجميلة -في عين الشمس-، وأصبح الآخر متساويا تماما مع الذات المقهورة له كل حقوقها رغم أنه هو المحتل وهو المعتدي ولابد من مقاومته.
هكذا يشي مصطلح -الاستسلام- الذي استخدم في وصف عمل خسيس وجبان تواطأت فيه قوي الإمبريالية مع الاحتلال الإسرائيلي لتختطف سجناء عزل ومناضلين قاوموا الاحتلال ببسالة ودافعوا عن حق شعب فلسطين في الاستقلال والسيادة والدولة.. يشي هذا المصطلح بالمدي الذي وصل إليه تأثير الثقافة الإمبريالية، واللامبالاة المؤلمة التي أنتجها هذا التأثير إذ يكون اللامبالون في بعض الأحيان أشد خطرا من العدوان المباشر خاصة في زمن يتراجع فيه دعم الشعب الفلسطيني ومساندته في بلادنا فيما يبدو كأنها حالة من اليأس أو الإحباط طالت القوي الوطنية وطلائعها بعد أن كانت قد أنشأت اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة والتي عملت لسنوات طويلة في كل محافظات مصر، وها هي تذوي وتنشغل الطلائع المحدودة بقضايا أخري حتي إن احتجاجا واحدا لم يحدث علي ما جري في سجن -أريحا- أو علي النقص الفادح في الدقيق في فلسطين وفي غزة علي نحو خاص التي تقف علي حافة المجاعة.. لم يحدث مثل هذا الاحتجاج رغم أن الأيام الأخيرة تسجل نهوضا ديمقراطيا في البلاد يشارك فيه القضاة والصحفيون وأساتذة الجامعات والعمال.
من يدري ربما ساهمت المعالجة الإعلامية لما حدث في سجن -أريحا- باعتباره استسلاما في إنتاج هذه الحالة من اللامبالاة.. ويبقي أن الأدوات الإعلامية لليسار والقوي الديمقراطية عامة مطالبة باليقظة النقدية إزاء الأدبيات والمصطلحات التي يصكها -المحايدون- الذين يساوون بين الاحتلال والشعب الواقع تحت الاحتلال باعتبارهما قوتين متكافئتين.
ولن يستسلم الشعب الفلسطيني أبدا.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة