في حواره مع جريدة -الأهالي- أكد الشيخ -إبراهيم رضا-
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف علي ضرورة تفعيل التواصل
الإسلامي الغربي من خلال تقديم صحيح الدين، والتوجه
بالحوار إلي الإعلاميين، وقادة الفكر والرأي في الغرب وعدم
الاقتصار علي حوار رجال الدين داخل قاعات الدرس، وأوضح أن
مواجهة الإساءة للإسلام لا يمكن أن تتم إلا من خلال تقديم
صحيح الدين، ووضع استراتيجية جديدة للدعوة وتحديد أهدافنا
التي نريد أن يعرفها الغرب، ولذلك يجب أن نتقدم صناعيا
ويصبح لنا مكانة علي الساحة لأن الحوار ليس بالكلام فحسب.
وحذر الشيخ -إبراهيم رضا- من خطورة الانصياع وراء ما تقدمه
بعض القنوات الفضائية الدينية التي تروج لفتاوي متضاربة
وآراء متناقضة، مطالبا بضرورة وضع ميثاق شرف إعلامي يحمي
المواطن العادي من هذا الخطر، حتي لا يكون مجال الدعوة
مباحا لأي شخص، وفيما يلي نص الحوار:
- ما تقييمك للأزمة التي افتعلتها بعض الصحف الدنماركية
بدعوي حرية التعبير؟
- في اعتقادي أن هذه المشكلة ليست الأولي ولن تكون
الأخيرة، خاصة أن الفهم الغربي للإسلام بعيد تماما عن
الفهم الصحيح، لدرجة أنه في بعض الحوارات بيننا وبين الغرب
اكتشفت أن البعض في الغرب لا يفقه شيئا عن الشريعة
الإسلامية، وبعضهم يتحدث عن الإسلام وكأنه اسم بلد!، وهناك
جزء آخر من الغرب خاضع للصهيونية العالمية، وفي اعتقادي أن
هذا الجزء مسئول عن إثارة فتنة الدنمارك التي كان من
الممكن أن تمر بسلام لو أحسن إدارتها من قبل حكومة
الدنمارك.
- وهل من حرية التعبير الإساءة إلي الرسل والأنبياء؟
- حرية التعبير تتنافي تماما مع فكرة الإساءة للرسل
والأنبياء والمقدسات، كما أن في أوروبا نفسها لا يجرؤ أحد
علي انتقاد القيم التي وصلت إليها أو ينتقد علي سبيل
المثال المحرقة اليهودية، فكل هذه الأشياء محظورة،
وبالتالي فأنا ضد وضع -قيود- للصحافة ولكن من الضروري وضع
-حدود- للصحافة، وهذه الحدود تنتهي عندما تبدأ حرية
الآخرين.
- وما تقييمك لردود الفعل العربية الإسلامية إزاء هذه
القضية؟ وهل الإسلام يحثنا علي مواجهة أمورنا بالعنف
والعصبية كما حدث عندما تم حرق السفارات والكنائس؟
- في واقع الأمر إن غضب الشعب الإسلامي وثورته كان نتيجة
إهانة رسول الله، ولكن ما حدث بشأن حرق السفارات وسفك
الدماء، فهو ليس من الإسلام بشيء، ولذلك أري أننا في حاجة
ملحة أن نواجه أنفسنا قبل أن نواجه الغرب، ونحتاج إلي أن
نخرج من المززق الشديد التي وضعنا فيه أنفسنا بإهمالنا
وافتقادنا روح الشريعة الإسلامية، حيث إن الخطاب الديني
الآن قائم علي الحديث عن العذاب والقبر وكل هذه الأمور
تحتاج إلي وقفة لأننا فقدنا جزءا من العمل الدعوي في حياة
الرسول - صلي الله عليه وسلم - وهو التنمية والبناء من
خلال الدعوة الإسلامية.
- وماذا عن قرار المقاطعة، وهل يجوز لنا محاسبة الشعب
الدنماركي بأكمله عن خطأ ارتكبه أفراد قلائل؟
- في حقيقة الأمر أن الحكومة الدنماركية هي التي أجبرت
الشعوب العربية علي اتخاذ مثل هذا الموقف عندما أعطت
لنفسها الحق في عدم التدخل، ولكن فيما يخص القرار ذاته
علينا أن ننظر إلي أمرين هما: هل قرار المقاطعة نوع من
أنواع الانتصار لنا أم لا؟ وهل هذه المقاطعة سوف تستمر أم
لها توقيت زمني معين!، وما الأسباب التي دعت المسلمين
للتظاهر في معظم البلاد لشيء -سمع به- غالبيتهم ولم
يشاهدوه، وفي الوقت نفسه هناك أسباب شتي منها السياسي
والاجتماعي تدعو للغضب والمقاطعة، ولكن لم تحفز الجماهير
العربية والمسلمة للتحرك علي أي نحو كان!، وأنا لا أنكر أن
هناك إساءات كثيرة في الغرب ضد الإسلام والمسلمين ولكن غضب
الشعب الإسلامي تجاه هذا الحدث بالأخص لأنه توجه مباشرة
إلي خيرة الخلق وهو النبي الكريم، وهذا الشيء مهما كنا في
ضعف لن نتهاون في مكانة النبي، كما أن وسائل الإعلام
العربية لعبت دورا مهما في تحويلها لقضية للرأي العام
العربي.
- وهل ما حدث يتعارض مع فكرة حوار الحضارات؟
- للأسف الحوار لابد أن يكون له شكل آخر غير المتبع حاليا،
حيث إننا اعتدنا أن تكون الحوارت مجرد لقاءات بين رجال
الدين، في حين أن الأفضل أن يفتح الحوار مع الإعلاميين
ورجال الفكر والرأي في المجتمعات العربية لأن هذا من شأنه
أن يحدث نوعا من التطور الإيجابي في الحوار.
صحيح الدين - وما هي الرؤية الصحيحة التي يمكن أن نواجه بها
الإساءة إلينا كمسلمين من وجهة نظرك؟
- الصورة الصحيحة هي أن نقدم صحيح الدين للغرب نحن نحتاج
في الوقت الراهن إلي وضع استراتيجية جديدة للدعوة إذا كنا
حقا نريد الوصول لمكانة تليق بالأمة المحمدية، وعلينا أن
نحدد الأهداف التي نريد أن يعرفها الغرب في حوارنا معه،
ففي القديم دخل الإسلام بلاد الهند عن طريق أخلاق التجار
المسلمين العرب الذين كانوا يتمتعون بأخلاق الإسلام الطيبة
ولم يدخل من خلال رجال الدين أو المفكرين.
الدفاع عن النفس - وكيف يمكن تفعيل التواصل الإسلامي - الغربي؟
- عن طريق تقديم الإسلام من خلال النظرة التي جاءت بها سنة
النبي - صلي الله عليه وسلم - وألا تحاول تكريس الصورة
المعهودة لدي الغرب عن ديننا بأنه دين إرهاب وتطرف لأن هذه
هي المشكلة فالغرب عندما ينظرون إلي الإسلام ينظرون له من
خلال أفعال بعض المسملين فمثلا يعتقدون أن كل المسلمين مثل
-بن لادن- و-طالبان- وغيرهم تلك الجماعات الإرهابية، وإذا
أردنا التواصل لابد أن نخرج من خندق الدفاع عن النفس.
محاربة التطرف - الشباب المتطرف الذي يسييء للإسلام كيف يمكن تقويمه
بالدين المستنير؟
- هذا لن يتم إلا عن طريق الاهتمام بالخطاب الديني،
والخطاب الديني هنا لا ينصب فقط علي المؤسسة الدينية
الممثلة في الأزهر والأوقاف، بل هناك خطابات دينية متعددة
لا تتسم بالاعتدال ومنها خطابات شديدة اللهجة وشديدة الرفض
لكل اجتهاد قد يدعم من وجود الأمة علي الساحة السياسية، في
حين أن الإسلام لن يدعو إلي العزلة فهناك الآية الكريمة
التي تقول -يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأثني
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عن الله
أتقاكم-، وعندما سمع أحد قادة الفكر في الغرب هذه الآية
ونحن في إحدي الزيارات لأوروبا كتب مقال يقول فيه نحن
نحتاج إلي أن نتعرف علي الإسلام من خلال المسلمين الذين
يجيدون عرض الإسلام وليس من خلال بعض الأفعال التي تصدر من
بعض المتطرفين.
- ما أهم مصادر تكوين الثقافة الدينية المعتدلة؟ وما مصادر
استقصاء معلوماتك الدينية؟
- الثقافة الدينية تختلف من الرجل المتخصص عن الرجل العادي
فأنا علي سبيل المثال تعودت علي قراءة كل الكتب ما يمدح في
الإسلام وما -يجرح فيه- لأن دوري هو الاطلاع علي آراء
الآخرين حتي يمكننا الرد علي الاتهامات الموجهة للدين
الإسلامي، أما بالنسبة للرجل العادي، فلابد أن يرتبط
الشباب بمسجد معين ويقيمون حوارا بينهم وبين إمام المسجد،
وهذا ما نفعله نحن في المساجد بخلاف الخطب والدروس الدينية
يظل المكتب مفتوحا لاستقبال الشباب والرد علي أسئلتهم،
وتوجيههم لقراءة الكتب الإسلامية المعتدلة وتبعدهم عن
الكتب التي تروج أفكارا متطرفة وتدعو للتشدد، والكتب
الموجودة علي الأرصفة التي تتحدث عن الجن والعفاريت.
- ولماذا نجد أحيانا شابا يدخل المسجد ويصبح متطرفا وآخر
يكون متدينا؟
- هذا يرجع للبيئة المحيطة بالشاب وإمام الجامع الذي
يتحاور معه، فهناك إمام مهتم بقضايا وطنه منفتح عليها
ولذلك يقدم الصورة التي يستحقها الإسلام وهنالك للأسف بعض
الدعاة لا يحاولون مجاراة العصر وفهم الواقع، وهؤلاء
يروجون لأفكار خاطئة ومعتقدات عفا عليها الزمان، وهذا
نتيجة للعزلة التي يعيشون فيها وعدم مسايرتهم للعصر، ومن
هنا نؤكد أن هذه العزلة سوف تؤدي إلي وقوع الإسلام في نفق
مظلم، وأنه غير صالح لكل الأزمان في حين أن الإسلام صالح
لأي وقت ولأي زمن.
القنوات الفضائية - وما رأيك في القنوات الدينية الفضائية التي ظهرت
أخيرا وكثيرا ما تروج لآراء وفتاوي متضاربة؟
- في حقيقة الأمر هذا لون من ألوان العبث والشطط والبعد عن
صحيح الدين، ومن يروج لتلك الآراء والفتاوي التي تطالعنا
بها الفضائيات كل يوم يحتاجون إلي إعادة تأهيل من جديد
لأنهم لا يدركون خطورة ما يقولونه وللأسف الشديد هناك بعض
الفضائيات التي تتصدي للدعوة تفتقد الوعي والأسلوب الأمثل
الذي يجب أن تُدار به الدعوة وهذا مكمن الخطر.
أمر خطير - هل من المفترض أن يكون هناك ميثاق شرف يحمي المشاهد
مما تبثه هذه القنوات؟
- بالطبع، خاصة وأن أي مهنة لا يكمن أن يقوم الشخص
بممارستها إلا بميثاق شرف ومن الضروري أن يكون الداعي
مؤهلا بالدرجة التي تجعله يتكلم عن الحكم الشرعي والحلا
والحرام والواجب والجائز والمكروه والمستحب حتي لا نسمع
العديد من الفتاوي البعيدة كل البعد عن صحيح الدين وهذا
دور مسئولي الإعلام، وعلي رجل الدين أن يبتعد عن النجومية
وظهوره المتكرر علي الفضائيات لأن هذا أمر خطير والأفضل هو
الالتحام بالجماهير.
زيادة الجرعات الدينية - وماذا عن الفضائيات الغنائية التي تقدم العري والقيم
الاستهلاكية؟
- هذا للأسف خطر داهم علي شبابنا الذين أصبح حديثهم منصبا
فقط علي العلاقة بين الرجل والمرأة حتي في اللقاءات
الدينية، كما أن هذه الفضائيات عرضت صورة المرأة وكأنها
سلعة رخيصة، وهذا يتطلب منا كما كبيرا من المحاضرات
الدينية والالتحام بالشباب لأنهم في أشد الحاجة لهذه
الجرعات الدينية.
دور التليفزيون - وما هو دور التليفزيون المصري للتصدي لما تقدمه مثل
هذه الفضائيات؟
- نحن نحتاج إلي العديد من البرامج الدينية، صحيح أن هناك
بعض هذه البرامج التي تعرض في الفترة الصباحية مثل صباح
الخير ولكن نحتاج في الفترة المسائية إلي بعض البرامج
الهادفة وأعتقد أن دخول التليفزيون المصري ساحة البرامج
الدينية سيجعله أفضل وسوف ينافس ما تقدمه الفضائيات التي
تعتمد علي نجوم أشرطة الكاسيت التي تباع علي الأرصفة، كما
نحتاج إلي ضرورة الالتحام بين الداعي والجمهور من خلال
الالتقاء المباشر في الأندية والجامعات والمدارس.
- هل لديك تصور واضح لتطوير البرامج الدينية في
التليفزيون؟
- أولا أنا أرفض فكرة أن يعتمد البرنامج علي التليفون
ويكون دور الداعي هو الرد علي موضوعات يطرحها المشاهد،
فالفضائيات علي سبيل المثال امتلأت بهذا النوع من البرامج،
وبالتالي تحولت هذه البرامج إلي مجرد حديث عما يحدث في غرف
النوم، وكأن هذا هو الدين، وفي أول لقاء لي مع -عبداللطيف
المناوي- رئيس قطاع الأخبار قلت له إني أرفض ظهوري علي
الشاشة أن أستقبل تليفونات من الجمهور لأنهم يتكلمون في
موضوعات سطحية ليس لها علاقة بالدين، ولذلك حاولت تقديم
شكل غير نمطي، وأعتقد أن التليفزيون يمكنه أن يتوجه إلي
شباب الدعاة المؤهلين، لأن خطاب الشباب له فضل خاصة شباب
دعوة وزارة الأوقاف والأزهر الشريف الذين يطلق عليهم
-الطيور المهاجرة-، لأنهم يذهبون خارج البلاد في لقاءات
دينية أكثر مما يوجدون في بلادهم.
السنة والشيعة - كيف يواجه الإسلام إغلاق الدائرة حاليا بين السنة
والشيعة في العراق؟
- هذا من الموضوعات المعقدة التي لها بعد تاريخي وفكري
واختلاف في الآراء منذ أمد بعيد وكل ما نحتاجه الآن هو
التعامل في ظل الخلاف القائم، فلابد من وجود هدنة حتي
تستعيد الأمة عافيتها، ويخرج العراق مما هو فيه فشعب
العراق لم يبق له سوي الوحدة.