شاهدت حديثا لقداسة البابا علي شبكة الإنترنت من داخل
الكنيسة وسط آلاف من المستمعين يعلق فيه علي حكم محكمة
القضاء الإداري والذي يقضي -بإلزام- الكنيسة بتنفيذ حكمها
الخاص بزواج -المطلق- المسيحي مرة ثانية - قال البابا
بالحرف الواحد -لا توجد قوة علي الأرض تلزم الكنيسة
بمخالفة الإنجيل-.
هكذا بدت المواجهة بين القانون والإنجيل وبين السلطة
القضائية وسلطة الكنيسة.
ملمح خطير ونذير بمواجهة لا يعلم مداها إلا الله، وفي نفس
الأسبوع قامت السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل
بإعداد مشروع قانون خاص بالقضاة وأخفته عن القضاة، وبدت
مواجهة بين المجلس الأعلي للقضاء ونادي القضاة، فالقضاة
مستقلون في ناديهم ويطالبون بمزيد من الاستقلال عن السلطة
التنفيذية، ووزارة العدل والمجلس الأعلي للقضاء في الجانب
الآخر يحاولون من خلال التشريع -تقويض- هذا الاستقلال.
والسؤال: من الذي يدفع إلي هذه المواجهات مجتمعة؟! ومن
المستفيد من استفزاز القضاة إلي هذا الحد وما هي الجهات
التي تدفع بالأمور إلي هذه الحافة بين الكنيسة والقضاء؟!
يأتي ذلك كله في مناخ سيئ يفيض بالفساد من كل جانب
والكوارث البيئية والطبيعية نتيجة الإهمال وعدم المحاسبة
والانفلات.
علامات تشي بكثير من الشك والخوف والترقب فمثل هذه
المواجهات إنما هي إشارات لنتائج مفزعة..
في عام 1981 قررت إحدي لجان مؤسسة الأزهر الشريف مصادرة
كتاب د .لويس عوض -مقدمة في فقه اللغة العربية- ولجأ د.
لويس إلي القضاء وقضت المحكمة بتشكيل لجنة لإعداد تقرير عن
الكتاب - فقد اتهمت مؤسسة الأزهر الكاتب د. لويس بأنه يسيء
إلي اللغة العربية - لغة القرآن الكريم وينزع عنها القداسة
ويتبع منهج أعداء الإسلام في أن اللغة العربية دخلتها لغات
أخري وأثرت فيها بما يوحي أنها لغة عادية وليست سماوية.
جاء قرار المحكمة بتشكيل لجنة تضم د. توفيق الطويل أستاذ
الفلسفة ود. أحمد حسن الباقوري العالم والوزير الأسبق
والكاتب والشاعر عبد الرحمن الشرقاوي، وبالفعل شرعت اللجنة
في إعداد التقرير وفوجئت المحكمة باعتراض الأزهر علي تشكيل
اللجنة لأنها تضم الماركسي الأحمر عبد الرحمن الشرقاوي،
ووقعت المواجهة بين مؤسسة الأزهر والقضاء وانتهت بمصادرة
الكتاب وانتصار الأزهر وكان قرار المصادرة بديلا عن قرار
اعتقال د. لويس عوض في سبتمبر 1981 وقد اكتفي الرئيس
السادات بنفسه بقرار المصادرة واستجاب لنداء عدم اعتقال د.
لويس عوض في هذه الأحداث الدامية والدراماتيكية.
لقد انتصر التطرف علي العقل، وانتصرت السلطة الدينية علي
الدولة المدنية فما أشبه الليلة بالبارحة، وإنا لمنتظرون.
أيام الفساد عندما أصدر النائب المنشق مكرم عبيد -الكتاب الأسود-
حول ما أسماه فساد حزب الوفد وزعيمه مصطفي النحاس ضم
الكتاب عدة وقائع مهمة وخطيرة وقد اتهم الكتاب الزعيم
النحاس بأنه اشتري فورير لزوجته زينب الوكيل ولم يسدد
الضريبة الواجبة، وأثناء الاستجواب وقف النحاس باشا زعيم
الأمة وقدم إيصالا يفيد بأنه سدد الرسوم المستحقة علي
-الفورير-!! كانت هذه من بين النماذج التي استند إليها
الكتاب لإثبات فساد حزب الأغلبية وزعيمه .. فماذا عن واقع
الفساد الآن .. وهل ما يجري يحتاج إلي كتاب أسود أم
-موسوعات- .
فمن حادث العبارة إلي نهب المؤسسات الصحفية ومن فساد أبناء
الوزراء والمسئولين إلي فساد رموز الحكم ذاته ومن بيع عمر
أفندي إلي مشروع بيع مجمع الألومنيوم: خراب وانهيار وتصدع
وصعود لكل قوي التطرف علي كل الجوانب، فلا أحد يعرف كم عدد
المعتقلين في السجون، ولا أحد يعرف كم ميزانيات الأمن
والدفاع في البلاد .. وفي الوقت الذي تجاوزت فيه نسبة
الأمية 50% وفقا لتقديرات الأمم المتحدة تشير معظم
التقارير إلي تجاوز هذه النسبة بكثير..
هذا الفساد الذي يلفنا من كل جانب والطوارئ التي تحاصرنا
في كل اتجاه، والمعالجات الأمنية التي بلغت مداها في أقسام
الشرطة والمعتقلات المجهولة ورغم المناخ الضاغط والإحساس
العام باليأس إلا أن هناك فانوسا مضيئا في الجانب الآخر،
فالقضاة بأوشحتهم في الشوارع يحتجون صامتين في مهابة
وجلال، والصحفيون يعقدون جمعيتهم العمومية في أسوأ ظروف
تعيشها الصحافة ويعيشها الصحفيون وهناك خمسون نائبا
ينتظرون الكلمة حول قضايا التهريب بعد أن طالت رؤساء
اللجان التشريعية.
مازال هناك نبض يسمع، وزفرات تحرق وآلام تسن في هدوء وصمت.
لقد شهدت مصر أحداثا أكثر إيلاما واجتازتها وشهدت ظلاما
أكثر كثافة ولكن الضوء كان يدهمها دائما من حيث لا يعرف
الأعداء ولا الغرباء.
لقد كشفت الوثائق البريطانية أخيراً تقريرا أعده السيد شيت
هام مندوب الحكومة البريطانية في مصر عام 1918 والذي جاء
إلي مصر ليكتب تقريرا عن أوضاع الاحتلال، وعاش -شيت هام-
في مصر قرابة عام استمع إلي المصريين واطلع علي أحوالهم
وزار مدنهم وقراهم ورفع تقريره إلي حكومته في ديسمبر 1918
يقول فيه -إن المصريين جاهزون للتعامل مع قوات الاحتلال
والأمور تسير من وئام إلي وئام- وينصح حكومته بإعلان مصر
جزءا من الحماية البريطانية علي غرار الهند.
وبلغ شيت هام في تفاؤله أن المصريين راضون تماما عن قوات
الاحتلال وإنجازاتها، وفي مارس عام 1919 وبعد ثلاثة أشهر
فقط اندلعت ثورة 19 وعصفت بكل الإنجازات التي رصدها -شيت
هام- وانهار المندوب البريطاني وأطلق علي نفسه النار بعد
أن كتب معتذرا لحكومته -هؤلاء المصريون رمال ناعمة ما أن
تغوص فيها قدماك حتي تبتلعك-..
إن استمرار الأوضاع علي ما هي عليه لا يعني أنها سوف تبقي
علي ما هي حتي لو كان الضباب كثيفا فدائما هناك شريط أخضر
ينمو علي الجدار.
نهاية النفق المفكرون ضمائر أمتهم هم حملة المشاعل وعيون المستقبل
في عام 1924 سقطت الخلافة الإسلامية وكان عبد الرزاق
السنهوري باشا قد فرغ من دراسته الجامعية في السوربون وعلي
الفور أعد أطروحة للدكتوراة ثانية حول -فقه الخلافة
الإسلامية- يتدبر فيه أحوال المسلمين بعد سقوط الخلافة
الإسلامية وظهور عصر جديد - إنها الأمانة الفكرية والضمير
اليقظ والرؤية الحادة الثاقبة.
صحيح إن الأمر انتهي بمأساة وتم الاعتداء علي السنهوري
ليبدأ عصر جديد أفضي إلي ما نحن فيه من تطرف وإرهاب
وانحراف تشريعي، لقد حذر السنهوري وكان عقابه شديدا وقاسيا
وفي عام 1937 يعود د. إبراهيم بيومي مدكور من بعثته
العلمية وكان قد أعد أطروحة الدكتوراة حول -الفارابي- ذلك
المعلم الثاني وهي أول دراسة جامعية عن هذا المفكر الخطير
ولكن حال الجهاز الإداري في مصر لم يعجب أستاذ الفلسفة
العائد من البعثة فيضع كتابه الفريد -إصلاح الجهاز الإداري
في مصر- يحذر فيه من غلو البيروقراطية ويشير إلي كيفية
استفحال البيروقراطية بحيث تصبح موطنا للفساد والتحلل، كان
أستاذ الفلسفة يدق ناقوس الخطر ويري الكارثة علي البعد.
إنه الضمير الذي يضيء لصاحبه الطريق لقد كان المفكرون في
مصر قناديل مضيئة علي الطريق حاولت السلطات تحطيمها حينا
وإطفاءها أحيانا كثيرة ولكن الضوء ظل ينبعث. كان المستشرق
الفرنسي العظيم -جاك بيرك- يقول: -إن مصر قد تضل أحيانا
ولكنها لا تضيع أبدا-.
ورغم الهزيمة الثقيلة لقوي المجتمع المدني أمام صعود
التطرف بأشكاله إلا أن هناك تجمعات عجيبة في تلامسها
وتماسكها وتقاطعها لقد كانت استقالة د. أسامة الغزالي حرب
إشارة كاشفة لعجز الحزب الوطني عن إدارة البلاد..
هناك دائما من يقول -لا- في الوقت المناسب وهناك من بين
الصفوف من يأخذ الخطوة الأولي مهما كانت النتائج فمحاسبة
اللصوص آتية لا ريب فيها والعقاب دائما علي الأرض قبل عقاب
السماء.
لقد دخل خمسة وزراء داخلية مصريين السجون علي مدي خمسين
عاما منذ ثورة يوليو وحتي الآن.
خمسة وزراء داخلية دخلوا الزنازين المظلمة وطبقت عليهم
لوائح الجزاءات التي أصدروها بأنفسهم، فمنذ عام 1952 وحتي
الآن استقبلت السجون المصرية علي التوالي: إبراهيم عبد
الهادي - مرتضي المراغي - فؤاد سراج الدين - عباس رضوان -
شعراوي جمعة.
خمسة وزراء داخلية عرفوا طريقهم إلي ظلام السجن ولاتزال
البوابات الحديدية تنتظر غيرهم من وزراء السيادة وغير
السيادة.
يا مصر لا كسري سباك
ولا الفراعنة اصطفوك
أميرة أو سيدة
قالوا: اعترف
قلت: اعترفت