يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1271 (22 - 29) مارس 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

الديمقراطية والشعر

 
 

مرثية للحلم الأمريكي

 
 

حلمي سالم

 

  -حسب الشاعر أن يكون الضمير المؤرق -المذنب- لعصره - سان جون بيرس-، بهذه الجملة المضيئة للشاعر الفرنسي، صدر روبرت بن وارن كتابه المهم -الديمقراطية والشعر-، الذي صدر مؤخرا عن المجلس الأعلي للثقافة بمصر، ضمن المشروع القومي للترجمة الذي ينهض به المجلس، وهو من ترجمة السوري د. فؤاد عبدالمطلب، ومن مراجعة وتقديم د. ماهر شفيق فريد.
يعرف ماهر شفيق فريد في تقديمه الكتاب وارن بأنه شاعر أمريكي وروائي وناقد، برز في هذه المجالات الثلاثة، ولكن إنجازه الأكبر إنما يتمثل في حقل المقالة النقدية، فضلا عن كونه معلما للكتابة الإبداعية والأدب.
أصدر مع الكاتب الأمريكي كليمانث بروكس أربعة مجلدات مهمة هي: فهم الشعر، فهم القصة، البلاغة الحديثة، أسس الكتابة الجيدة.
ولد عام 1905 في ولاية كونتكت، ودرس في جامعات كاليفورنيا وييل وأكسفورد، وكان عضوا في جماعة الشعراء والنقاد المعروفة باسم -الآبقون- وهي جماعة ضمت جون كرورانسوم وآلن تيت ورونالد ديفدش، وكانت تسعي إلي الذود عن قيم الجنوب الأمريكي الزراعية التقليدية في وجه الشمال الرأسمالي، وتؤكد قيم المجتمع العضوي في وجه التصنيع الزاحف.
أخرج العديد من الدواوين الشعرية، منها: ست وثلاثون قصيدة، قصائد مختارة، وعود، شقيق التنانين، تجسدات، رؤيا.. وله مسرحيتان: جسد فخور، وكل رجال الملك.. وله قصص منها: مسافر الليل، شتاء التوت الشوكي، وفرقة من الملائكة، والكهف، مكان يذهب إليه.
وطبقا لشفيق فريد فإن وارن - الذي مات عام 1989 - ينتمي إلي مدرسة النقد الجديد الأنجلو - أمريكية، التي كان أبواها إليوت وريتشاردز، هذه المدرسة التي تري أن الشعر نوع خاص من اللغة يقول أشياء لا سبيل إلي إعادة صياغتها بأي طريقة أخري، ومن ثم كانت القصيدة وحدة عضوية لا ينفصل فيها الشكل عن المضمون، لكن وارن - هنا - يزاوج بين النزعة الجمالية وبين الوعي بصلة الأدب بالحياة، فينفتح علي قضايا العصر السياسية -وفي طليعتها الديمقراطية- مقرا بأن الشعر يمكن أن يكون وثيقة اجتماعية، ومؤكدا أن -ما يحتفل به الشعر علي نحو أكثر أهمية هو قدرة الإنسان علي مواجهة السريرة العميقة والمظلمة لطبيعته ومصيره-، جامعا بين طبيعة الشعر الأساسية من حيث هو خبرة فردية ودوره الاجتماعي العام.

الذات المنحسرة
-الديمقراطية والشعر- صدر عام 1975 عن جامعة هارفارد، ويضم محاضرتين كبيرتين ألقيتا ضمن برنامج محاضرات جيفرسون للعلوم الإنسانية، وفيه يدرس الكاتب العلاقة الجدلية بين أطراف ثلاثة: الديمقراطية والشعر وذات الإنسان، وبديهي أن المقصود بالشعر هو الفن عموما، وأن المجال هو فحص العلاقة الداخلية بين الديمقراطية الأمريكية من طرف والفن -الشعر خاصة- من طرف ثان، كما يركز علي مفهوم الذات ومدي علاقته بالجماعة وبالخلق الفني علي السواء.
يستهل وارن بحثه بتوجيه سؤال إلي نفسه مفاده: -أنت تتكلم وكأن هناك ضربا من الصلة الضرورية بين الشعر والديمقراطية، ولكن ماذا عن الشعر -الفن- العظيم الذي ظهر في ظل أنظمة غير ديمقراطية؟-، ويجيب بأن الشعر إنما يزدهر في الحالتين: في حالة الديمقراطية لأنه يجد مناخ الحرية المواتي، وفي حالة الاستبداد لأنه ينشد الحرية وتحقق الذات ويقاوم الطغيان والقهر بالأدب ومن خلاله، فهو قرين الديمقراطية في الوضعين: مستمتعا بها، أو ساعيا إليها.
-أحتفل بنفسي/ وأغني نفسي/ وما أتخذه أنا ستتخذه أنت/ لأن كل ذرة أمتلكها أنا/ تمتلكها أنت أيضا-، بكلمات والت ويتمان هذه، يدخل الكاتب فصله -أمريكا والذات المنحسرة-، الذي يؤكد فيه أنه ينظر إلي الشعر الأمريكي بوصفه نقدا لإنجازات أمريكا الفعلية عبر السنين في مجال الديمقراطية، وهو هنا يرصد عيوب الديمقراطية الأمريكية المبكرة -والمستمرة- حيث: امتثال جبان للهوي العام، وعدم وجود معايير للذوق والسلوك، ازدراء الكرامة الشخصية والصالح العام، وغير ذلك مما يوجزه الكاتب جيمس كوبر بقوله: -إن حكومة الأثرياء ستضرب جذور الديمقراطية باستخدام تحريفات غوغائية للغة الديمقراطية-. حكومة الأثرياء هذه هي التي تجد شعارها في جملة هولمز الشهيرة: -إنني أشمئز من أولئك المهرجين ذوي الأصابع الثخينة الذين ندعوهم الشعب-.
وفي لفتة عميقة يشير وارن إلي رواية مارك توين -يانكي كونتاكت في بلاط الملك آرثر- (1889) حيث: في سخرية غير واعية من الإمبريالية يندمج دور المحضر الإنساني مع دور المستغل، أو إن القفز من الكونغو البلجيكي في القرن التاسع عشر إلي العالم الغربي في القرن العشرين، وتأسيس نظام عقلاني يتطلب سلطة مركزية، مما يدعو إلي السخرية أن الجهود المبذولة لتحرير الإنسان قد تؤدي في النهاية إلي شكل جديد من الاستبداد.
يا لها من بصيرة مستشرفة لما ستكون عليه الديمقراطية الأمريكية في نهايات القرن العشرين وبدايات الواحد والعشرين، سيما إذا أضفنا عليها كلمات توين التالية من -أوراق عائلة آدم-:
-لكنه كان من المستحيل إنقاذ الجمهورية العظمي، لقد كانت فاسدة حتي النخاع، وكان حب الغزو قد فعل فعله منذ زمن، فقد علّمها سحق الضعفاء في الخارج، وأن تتحمل دون اكتراث الشيء نفسه في الوطن، أما الحكومة فكانت علي نطاق واسع في أيدي ذوي الثراء الفاحش، وأصبح التصويت مجرد آلة، ولم يكن هناك أي مبدأ إلا التجارة، ولا وطنية إلا وطنية الجيوب-.
انسحاق الذات -الفرد- أمام آلة الصناعة، هو موضوع رئيسي منذ العشرينيات حتي الحرب العالمية الثانية: عند فيتز جرالدف ي -جاسبي العظيم-، وعند فوكنر حيث عالم المال والتكنولوجيا والرأسمالية يحول الإنسان إلي آلة، في -الحرم المقدس-، وعند هيمنجواي في -وداعا أيها السلاح- حيث الحرب إفلاس كارثي للحضارة الغربية وانهيار لكل القيم التقليدية، ثم عند إليوت وإزراباوند، وغيرهما ممن نعوا ضياع الذات وغربة الفرد والانقسام والإحباط والعبث.
هذه أمة - بتعبير وارن - تحولت فيها قيم التجارة إلي مثل الحرية،ولذلك صرخ جوتييه ذات يوم: -إن البرجوازيين مع حبهم للاحترام ودينهم في النفعية وفلسفتهم في التقدم، مملون مثل غسالة الصحون، ونفوسهم عديمة الحس كالبهائم-.
ويحذر وارن من أن القوي التي حطمت مفهوم الذات - كما تجلي في أدبنا -الأمريكي- - يمكن أن تكون أقوي من قبل، وستكون النتيجة الحتمية أدبا أكثر نقدا وأكثر اغترابا، هكذا فإن الشعر -الأدب- الأمريكي كان - ومازال - سجلا لتضاؤل المفهوم الأمريكي عن الذات، وقد أضافت العقود الثلاثة التي تلت صدور الكتاب عام 1975 تأكيدات فاجعة علي انحلال الوهم الأمريكي حول الديمقراطية وكيانية الفرد.

العلم والتقنية والمال
في فصل -الشعر والذاتية- يبدأ وارن بتأكيد أن القول بأن الثقافة الغربية تمر في أزمة هو قول مكرر مبتذل، -لكنه أمر غير مبتذل أن نعيش هذه الأزمة-، ويعيد طرح سؤال برزنسكي: هل يمكن للفرد والعلم أن يتعايشا معا؟، ويجيب: صحيح أننا لا نستطيع إطعام سكان الكوكب الحاليين دون تلك البني المتشابهة -من التقنية والتكنولوجيا-، لكن هذه التقنية المتحضرة -العدوانية- - التي تتبع منطقها الداخلي دون الرجوع إلي الوضع العام - يمكن أن تحرمنا في النهاية من الخبز نفسه.
إزاء ذلك العدوان التقني علي الذات أعلن بيان لتجمع -طلبة بورن هورن من أجل جمعية ديمقراطية- (عام 1962) صرخته الرافضة: -إننا نعتبر البشر غالين بشكل لا محدود، ويملكون قدرات كامنة من العقل والحرية والحب، إننا نعارض الحط من القيمة الشخصية الذي يحول الناس إلي مجرد أشياء، وإذا كان هناك ما تعلمنا إياه أعمال القرن العشرين الوحشية فهو إن الوسائل والغايات تترابط علي نحو وثيق-.
ويسرد الكاتب حكاية خرافية عن زوج شاب اسمه -التقنية-، الذي هو ابن -العلم-، من شابة جميلة اسمها -المال-، هذا هو أحد وجوه المأزق: العلم أنجب التقنية والتقنية تزوجت المال، هنا يضمحل الإنسان، وتنتصر معرفة -القوة- علي معرفة -الحب- حسب تقسيم رسل، ويصبح ماضي البشر سلسلة من الإحصاءات والوحدات حيث تملي علينا الحواسيب طريقة التعامل مع هذه الوحدات والإحصاءات، وإذا لم يكن هناك ماض، لا يمكن أن تكون هناك ذات، والمجتمع الذي لا يملك حسا بالماضي -بما فيه صنع التاريخ-، لن يملك حسا بالمصير، ذلك أن تأثير إلغاء الماضي علي مفهوم الذات غير إيجابي، لأنه ينكر علي الفرد فرصة أن يري نفسه من منظور الطبيعة الإنسانية والإنجاز الإنساني.
هكذا في عالم التقنية والسوق تصبح الصورة هي كل شيء، والصورة المسوّقة هي -أنت كمستهلك-، فلم يعد الدور الجوهري للمواطن هو دور المنتج بل دور المستهلك، فالفضيلة الوطنية تقتضي بأن يأتي -شعار الإخلاص- بعد -قسم الولاء-، والأداء التجاري بعد -العلم المرصع بالنجوم- -علم أمريكا-، لذلك صرخ لوكسلي هول -ويذبل الفرد، والعالم أكثر فأكثر-، إن سيادتنا التقنية - يقرر وارن - لم تجلب لنا الحرية، التي كنا ننشدها من زمن طويل، وهنا تطل صرخة د. ه. لورانس: -أعيدوا إلينا، آه، أعيدوا إلينا، أجسادنا قبل أن نموت-.
في مقابل كل ذلك الاغتراب والانقسام وعبودية البشر للآلة النافية للذات، فإن الشعر - عند وارن - هو الترياق الفعال للسلبية، إذ هو يتطلب -المشاركة-، بدءا من تحرك العضلات والأعصاب، إلي ناموس المخيلة الذي يحرك فينا الأعماق السحيقة حيث تقبع إرادة الحياة والتقدم.

إدانة التوحش
هذا كتاب بالغ القيمة والخطورة، إذ أعده بمثابة عريضة اتهام دامغة طويلة، تفضح زيف الديمقراطية الأمريكية المزعومة، وتدين توحش التكنولوجيا وتوحش التوسع وتوحش الآلة، مما أفضي إلي تفريغ الديمقراطية من محتواها الأصيل، وتفريغ الحرية من الحرية، وانسحاق الذات أمام الآلة وأمام مؤسسة الدولة.
وعلي الرغم من أنه لم يشر إلي فضائح مرحلة المكارثية الأمريكية المرعبة في كل الخمسينيات، فإنه قدم مرثية صادقة للقيم التي بدأ بها الحلم الأمريكي، ثم تساقطت في مشوار الغزو والهيمنة والتغول والاستبداد.
ولو أن العمر امتد بروبرت وارن ثلاثين عاما بعد صدور كتابه في 1975، لأعطته هذه العقود الثلاثة أدلة مذهلة عديدة علي سقوط الديمقراطية الأمريكية، في أفغانستان والعراق، وفي قلب المواطن الأمريكي نفسه، حيث انتهاك الذات والحرية والشعر.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة