يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1270 (15 - 22) مارس 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

استمرار البطالة والديون والبيع العشوائي

 
 

د. زهدى الشامى

 

  جاء بيان الحكومة كعادته غير متوازن بإعطائه المساحة الأكبر لما تتصوره من إصلاح اقتصادى استغرق غالبية صفحات ذلك البيان، بينما لم يتناول الجوانب السياسية سوى باقتضاب وسطور محدودة. وعلى الرغم من أهمية التنمية الاقتصادية نظراً لما يعانيه المواطنون من صعوبات متزايدة، فقد دلت خبرة السنوات السابقة أنه لا يمكن النجاح فى الإصلاح الاقتصادى ومعالجة المشاكل الاقتصادية المتراكمة بدون إصلاح سياسى حقيقى وكبير. ولكن الأهمية المحدودة التى يوليها البيان للإصلاح السياسى يعكس فهماً مختلفاً للحكومة عبرت عنه خطوات طوال الفترة السابقة، وهو أن الأولوية عندها للإصلاح الاقتصادى وفق فهمها الخاص له، وأن الإصلاح السياسى يتطلب سنوات عديدة، وهو المعنى الذى تكرر فى أكثر من مناسبة على لسان المسئولين ومن بينهم رئيس الوزراء نفسه ومن بينها تصريحاته أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية.
أولاً: الإصلاح السياسى والديمقراطي.. حلقة مفرغة
ووفقاً لذلك فقد جاء تقييم الحكومة فى بيانها للخطوات التى تمت فى مجال الإصلاح السياسى تقييما مبالغاً فى أهمية وإيجابية تلك الخطوات المحدودة، ومقللا من الظواهر الخطيرة التى شابت الممارسة السياسية فى السنة الماضية.
فالبيان يشير على طريق الانجازات لتعديل المادة 76 للدستور وقانون الانتخابات الرئاسية وتعديل القوانين السياسية التى مكنت من إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التى يعتبر أن البلاد لم تشهد مثيلاً لها من قبل، وإن كانت هناك بعض الاختلافات فى الرؤى حولها! وهو بذلك يتجاهل أولاً انفراد الحكومة بتمرير تلك التغييرات مما انعكس سلباً على مضمونها بتفريغها بدرجة كبيرة من المضمون، ويتجاهل ثانياً أن هذا المسلك قد انعكس سلبياً على المناخ السياسى فى البلاد.. فبدلاً من ان يسير بها نحو توافق وطنى أكبر، أدى إلى انقسام سياسى واضح وليس مجرد خلاف فى الرؤي، وتجلى ذلك فى مقاطعة الاحزاب والقوى الرئيسية للاستفتاء على تعديل المادة 76.
وإذا كانت القيود التى أدخلتها المادة 76 على الترشيح للرئاسة وافتقاد الانتخابات الرئاسية للضمانات الضرورية لنزاهتها لم تؤثر بصورة جوهرية على عملية التصويت ذاتها فإنها لاشك أفقدت تلك الانتخابات الطابع التنافسى الحقيقي. وهى اليوم تحول دون امكان تقدم أى مرشح آخر من خارج الحزب الوطنى الحاكم لأى انتخابات رئاسية جديدة قد تجرى فى ظل تلك القيود والتوازن السياسى الراهن فى كل من مجلس الشعب والشورى والمجالس المحلية حيث لا يتوافر أصلاً النصاب القانونى اللازم للترشيح لأى شخص فى مصر لا يختاره الحزب الوطني.
وقد ثبت أن التساهل فى وضع ضمانات حقيقية لنزاهة عملية التصويت يمكن أن يتحول إلى أداة مؤثرة بشدة فى نتائجها.. وربما لم يكن غياب تلك الضمانات مؤثراً فى نتيجة انتخابات الرئاسة التى لم تحتج إلى تدخل كبير بحكم عدم تنافسيتها ابتداء كما أشرنا، إلا أن التدخل كان مؤثراً فى نتائج انتخابات مجلس الشعب حيث سجلت تقارير المنظمات المستقلة، وتقارير نادى القضاة انتهاكات متعددة وصلت إلى منع الناخبين من التصويت، وتغيير عدد من النتائج والاعتداء على القضاة أنفسهم!
ولا يقل أهمية عن ذلك أن الحكومة التى أدخلت تعديلات على القوانين السياسية لم تضع فى الواقع أى آليات لتطبيق تلك القوانين، ومن ذلك كل المواد التى تحظر استخدام موارد الدولة فى الدعاية الانتخابية، وتحظر استخدام شعارات دينية، وتحدد سقفاً أعلى للإنفاق الانتخابى قدره سبعون ألف جنيه.. فقد استخدمت الحكومة على نطاق واسع الاسلوب التقليدى لحجز نسبة من الخدمات التى تمولها الموازنة العامة للدولة لتوزيعها على أنصارها بعد اعلان قوائم مرشحيها على سبيل الرشوة الانتخابية للناخبين، ولم تضع أى آلية لضبط الانفاق المالى للمرشحين الذى وصل فى الدائرة الواحدة إلى ملايين الجنيهات باتفاق جميع المراقبين من منظمات حقوقية وصحف قومية.
وبهذا كله تتجاهل الحكومة حقائق ونتائج بالغة الخطورة منها انها إنما توصلت إلى تحقيق أغلبية الثلثين فى مجلس الشعب بفضل ذلك، وأنها تريد بذلك الهيمنة على صياغة أى تعديلات دستورية قادمة وفقاً لمنهجها السابق فى تعديل المادة 76، بكل ما ينجم عن ذلك من افتقادها طابع التوافق الوطنى الضرورى لنجاحها باعتبارها عقداً بين جميع ابناء المجتمع بانتماءاته السياسية المختلفة ومنابعه الاجتماعية المتباينة على ان النتيجة الثانية الخطيرة المهمة إنما هى تقنين الحكومة لزحف رأس المال على السلطة والتزاوج الواضح بينهما فى استبعاد واضح ومتزايد لكل الشرائح الاجتماعية الأخرى عمالاً وفلاحين حقيقيين وليسوا متقنعين فى صفة انتخابية وهمية وفئات وسطى تشكل غالبية الشعب من دائراة المشاركة الحقيقية واتخاذ القرار.
بناء على ذلك فإن الوعود الواردة فى البيان حول استكمال الإصلاح السياسى والديمقراطى لا تدعو إلى الاطمئنان اليها أو الثقة فيها. بل إن الصياغة التى قدمها البيان تشى بذلك بشكل شبه صريح حيث طرح البيان بالنص مراجعة مواد الدستور لتلائم الوضع الاقتصادى المعاصر . والصياغة واضحة فى حد بما انها لا تتعلق بإعادة صياغة النظام السياسى فى اتجاه تعددية حقيقية تتيح تداولا سلميا للسلطة، بتغيير المواد التى تسمح باستمرار النظام الشمولى السلطوى فى جوهره، وفى مقدمتها المادة 76 بالقيود التى وضعتها على الترشيح للرئاسة وتنافسية الانتخابات الرئاسية وضمانات نزاهتها، ولا المادة 77 التى تتيح للرئيس الترشيح لدورات غير محدودة بدلاً من أن تقتصر ولايته على فترتين فقط، ولا المواد الأخرى التى تعطى للرئيس سلطات استثنائية واسعة لفرض حالة طوارئ لسنوات طويلة، ولحل مجلس الشعب إذا اقتضى الأمر، ولإصدار قرارات لها قوة القانون، وما إلى ذلك. فمن الواضح أن القول بإعادة مراجعة مواد الدستور لتلائم الوضع الاقتصادى المعاصر انما يقصد به مواد أخرى تماماً، وهى تلك المواد التى تنص على قدسية الملكية العامة للشعب وعدم جواز المساس بها، وعلى التزام الدولة بخطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهى نصوص قد انتهكتها الحكومة فعلاً، ولربما يتعلق الأمر بنصوص أخرى تم انتهاكها بدورها يدخل فيها ضمان حق المواطن فى العمل وفى التعليم المجانى والعلاج المجانى وغيرها، وهى نصوص يمكن أن يقال بحقها انه يتم الالتفاف حولها، وجار التحايل عليها بمسميات جديدة. فهل ما تريده الحكومة من مراجعة مواد الدستور هو استمرار الصيغة الشمولية للحكم، فى الوقت الذى تطلق فيه يدها للتحول الكامل نحو الاقتصاد الحر وإنهاء دور الدولة والتزاماتها تجاه المواطنين، فى وقت يعجز فيه القطاع الخاص وحده كما هو واضح عن تحقيق ما تعلن عنه من مستهدفات للتنمية الاقتصادية؟
ذلك هو ما تدل عليه صياغات بيان الحكومة، وهو ما لا يدعو للثقة فى وعودها الاخرى التى لا تنفذ، أو انها تنفذ بشكل مشوه، وباستبعاد مشاركة أصحاب المصلحة فى ذلك مثل قانون السلطة القضائية الذى يضمن استقلالها، والذى نشاهد بدلاً من إصداره بالتشاور مع القضاة اتجاهاً للتضييق على ناديهم المعبر عنهم، بل ومساءلة القضاة المطالبين باستقلال القضاء ونزاهة الانتخابات ويدخل فى هذا الاطار استمرار امتناع الحكومة عن إلغاء حبس الصحفيين فى قضايا النشر رغم وعد الرئيس بذلك منذ أكثر من سنتين، واستمرار منع العمل السياسى فى الجامعات الذى اتاح الفرصة للأفكار المتطرفة للانتشار فيها رغم حديث الحكومة عن تفعيل دور الأحزاب. ويخشى فى هذا السياق من أن تحول الحكومة كل ما تريد الابقاء عليه من قيود على الحريات العامة من قانون الطواريء إلى قانون مكافحة الارهاب الذى تتولى اعداده.. وهكذا يسير الإصلاح السياسى على يد حكومة الحزب الوطنى فى حلقة مفرغة.
ثانياً: الأداء الاقتصادى للحكومة.. أرقام وانجازات مغلوطة
استمرت الحكومة فى محاولة تصوير إنجازاتها على الصعيد الاقتصادى مؤكدة صحة وشفافية الأرقام التى تقدمها فى حين أن هذه الأرقام تفتقد المصداقية الحقيقية، وفقاً لما هو ظاهر وأحياناً تتميز بالتضارب حتى فى الصفحة الواحدة من بيانها أمام المجلس. ويمكن أن تشير فى ذلك إلى ما يلي:
- يتحدث بيان الحكومة عن نجاحها فى خفض نسبة البطالة من 10% إلى 5.9% للمرة الأولى منذ سنوات طويلة. وبالرجوع إلى البيانات الرسمية للدولة الصادرة عن وزارة التخطيط والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء نجد أن معدل البطالة فى عام 2004/2005 هو 10% وليس 5.9% كما تدعى الحكومة، وان رقم 5.9% هو نسبة مستهدفة للسنة المالية 2005/2006 وهذه السنة المالية لم تنته بعد، فكيف قدمت الحكومة عنها كشف الحساب، ثم ادعت ان هذا انجاز العام السابق (النشرة الاقتصادية للبنك الأهلى المصري، العدد الثالث 2005، ص101 حيث ترد نسبة 10% معدل البطالة فى عام 2004/2005 و5.9 مستهدف فى 2005/2006).
ويضاف إلى ما سبق أن نسبة كبيرة مما اعتبرته الحكومة فرص عمل قامت بتوفيرها هى فى الواقع فرص عمل غير حقيقية ومن ذلك ما جاء بالبيان من أنه تم توفير 8.256 ألف فرصة عمل فى مشروعات مولها الصندوق الاجتماعى بقيمة 1178 مليون جنيه. أى ان هاتكلفة غير واقعية لأن التكلفة الحقيقية لايجاد فرصة عمل دائمة فى المشروعات الصغيرة لا تقل عن 15 ألف جنيه.
وتتجاهل الحكومة كذلك أنها عمدت منذ سنوات إلى تشغيل الشباب بعقود عمل مؤقتة لفترات طويلة دون تثبيتهم بحيث يصبحون بدون أى حقوق، بل انها تعمد إلى انتقاص حقوقهم، وخفض المرتبات الزهيدة التى يحصلون عليها والتى لا تكاد تغطى تكلفة انتقالهم للعمل، ومن ذلك ما فوجيء به آلاف العاملين المؤقتين فى وزارة الرى فى الايام الاخيرة من قرارات تخفيض يوميتهم من 15 جنيها للمهندس إلى 5 جنيهات فقط، ومن 8 جنيهات للمؤهلات العليا الاخرى إلى 5 جنيهات، ومن 7 جنيهات للحرفيين إلى 4 جنيهات!!
- أعلنت الحكومة فى بيانها أنها نجحت فى خفض معدل التضخم من 7.16% فى العام السابق إلى 1.3% حاليا وهذه الارقام تثير الدهشة من زاويتين:
الزاوية الاولى أن هذه هى المرة الاولى التى تقر فيها الحكومة بنسبة تضخم مرتفعة كهذه، والبيانات الرسمية السابقة لم تعترف بهذه النسب المرتفعة ولم تشر لأكثر من 9%.
وعلى الرغم من ذلك فقد فاجأتنا وزارة المالية بتقدير اكثر ارتفاعاً لنسبة التضخم فى العام الماضى نشرته على لسان الوزير فى صحيفة الاهرام يشير إلى أن نسبة التضخم فى العام الماضى 4.17% (الأهرام 18/2/2006) فأى الارقام الحكومية نصدق؟ وهل نصدق ان الحكومة نجحت فعلاً فى الهبوط بمعدل التضخم إلى 1.3%؟ لكى نصدق هذه النسبة المنخفضة فمن الواجب على الحكومة أن تكون قد نجحت فى خفض عجز الموازنة العامة الهائل، فهل حدث ذلك؟
الحكومة تتجاهل القضية الخطيرة للعجز المتزايد للموازنة العامة. ووفقاً للنشرة الاقتصادية للبنك الاهلى المصرى فقد قفز هذا العجز من 6.9 مليار جنيه عام 2001/2002 إلى 7.11 مليار عام 2003/2004، ثم إلى 1.32 مليار عام 2004/2005، أى انه تضاعف فى عام واحد بمقدار ثلاث مرات، ثم انه فى الموازنة الحالية 2005/2006 قفز مرة إلى 7.57 مليار جنيه. وارتفعت بالتالى نسبة عجز الموازنة إلى الناتج المحلى الاجمالى من 5.2% عام 2001/2002 إلى ما يقدر ب 5.9% فى الموازنة الحالية وإذا تزايد العجز بهذا الشكل فإنه يصعب تصديق تحقيق النجاح المذكور فى خفض التضخم.
وينبغى أن نضيف إلى ما سبق ان الحكومة تبدو عاجزة عن السيطرة على جشع المستوردين ومضاربات كبار التجار، وآخر أمثلة ذلك التزايد المفاجيء فى أسعار السكر الذى يعتبر سلعة استراتيجية وشعبية من جنيهين ونصف الجنيه إلى ثلاثة جنيهات ثم إلى ثلاثة جنيهات ونصف الجنيه، ليضاف إلى ارتفاعات أخرى شهدتها اسعار الحديد والأسمنت وغيرها. فأين جهاز مكافحة الاحتكار؟ وأين قانون حماية المستهلك؟
- ونتيجة تزايد عجز الموازنة لجأت الحكومة إلى تخفيض الاعتمادات الموجهة للاستثمار رغم انها تتحدث فى بيانها عن زيادة الاستثمارات المنفذة فى عام 2004/2005 لحوالى 5.92 مليار جنيه مقابل 6.79 مليار جنيه فى العام الماضى بنسبة زيادة 2.16% وتنسى الحكومة انها تتحدث فى بيانها عن نسبة تضخم فى العام الماضى 7.16% أى ان الاستثمارات بالاسعار الثابتة انخفضت وفق أرقامه هي. وتسير الحكومة فى العام المالى الحالى على نفس المنوال إذ ان الاستثمارات فى موازنة 2005/2006 انخفضت بدورها بنسبة 10%. وفى هذا السياق فإن ظلالا من الشك تعترى أيضاً الأرقام المعلنة عن زيادة معدل النمو إلى 3.5% وعن المستهدف الوصول إليه وهو 6%.
- ونتيجة استمرار تزايد عجز الموازنة العامة، فقد استمر الدين العام المحلى فى التزايد بدرجة مفزعة. وحسناً أن الحكومة اعترفت فى بيانها أن الدين العام المحلى وصل إلى 3.521 مليار جنيه، إذ إنها فى السنوات السابقة كانت تنكر هذه الارقام التى أوردتها هيئتنا البرلمانية نتيجة لعدم اعترافها بديون بنك الاستثمار القومى وديون الهيئات الاقتصادية باعتبارها جزءاً أصيلاً من الدين العام المحلى المضمون من الحكومة. ولكن حتى اعتراف الحكومة فى بيانها الحالى بالرقم المذكور لم يسلم بدوره من الخطأ والتناقض. حيث زعمت الحكومة أنه رغم تزايد الدين العام المحلى إلى 521 مليار جنيه فإن نسبته إلى الناتج المحلى الإجمالى قد انخفضت من 7.89% فى يونيو 2004 إلى 9.82% فى سبتمبر 2005. وبحسبة بسيطة جداً نكتشف أن رقم 9.82% الذى اشار إليه البيان رقم زائف. ففى نفس الصفحة من بيان الحكومة (ص5) تذكر أن الناتج المحلى الإجمالى قد ارتفع فى عام 2004/2005 إلى 537 مليار جنيه. وعندما تنسب الدين المحلى (521 مليار جنيه) إلى الناتج المحلى (537 مليارا) تكون النسبة 97% وليس 82% كما تقول الحكومة. فإذا أضفنا له الدين العام الخارجى 9.28 مليار دولار تساوى 7.164 مليار جنيه، فإن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى تصل إلى 7.127%، وهى أكثر من ضعف النسبة الآمنة التى حددتها معاهدة ماسترخت للدول الأوروبية للانضمام للاتحاد الاوروبى (60% كحد أقصي).
- ان أكثر ما يقلق الرأى العام حالياً هو أن أموال التأمينات الاجتماعية بصندوقيها قد ابتلعتها الحكومة بالكامل ضمن الدين المحلى المذكور الذى مول عجز الموازنة فى السنوات السابقة. وتتضمن تلك الاموال مساهمات 19 مليون مشترك. اقترضت الحكومة منها 175 مليار جنيه، والهيئات الاقتصادية التابعة للحكومة 52 مليار جنيه بإجمالى 227 مليار جنيه. وأثارت الحكومة البلبلة لدى المواطنين منذ فترة بالدعوة التى انطلقت لمبادلة تلك الديون بأصول للدولة، وهو الأمر الذى رفضه المواطنون والنقابات لأنه من غير الممكن أن توفى الأصول الخاسرة المراد مبادلتها بحقوق المؤمن عليهم، ثم أقدمت الحكومة فى التعديل الوزارى الأخير على ضم صندوقى التأمينات لوزارة المالية بعد أن ألغت وزارة الشئون الاجتماعية. وأثار ذلك قلقاً مضاعفاً لأن الجهة المستدينة أصبحت هى ذاتها التى تشرف على الصناديق التى استدانت منها. وفى هذا السياق تتحدث الحكومة عن إعادة هيكلة التأمينات بما يفهم منه بوضوح الانتقاص من حقوق أصحاب هذه المدخرات بمختلف الطرق سواء كانت رفع نسب المساهمات، أو تخفيض المعاشات أو عدم توريثها. وهنا يتعرض المواطنون البسطاء للانتقاص من حقوقهم مرة أخرى فبعد سنوات طويلة اقترضت فيها الحكومة من المواطنين مدخراتهم بفائدة 8% وهو ما يقل كثيراً عن سعر الفائدة فى السوق، بينما اقترضت من كبار المستثمرين مصريين وأجانب (فى أذون الخزانة) بفائدة 19%، أى أنها مولت الاغنياء من أموال الفقراء، ها هى تعود مرة أخرى لمحاولة السطو على مدخرات الفقراء التى بددتها فى الديون!!
- ويبشرنا بيان الحكومة بالمضى فى قطار الخصخصة بعبارات هلامية، إذ يعلن هذه المرة عن طرح حصة من المال العام فى بنك أو أكثر من بنوك القطاع العام الكبرى للبيع، فهل ما يطرحه هو تنفيذ للتعهدات التى تعهدت بها الحكومة المصرية للولايات المتحدة وكشف عنها آخر تقرير للمحاسب العام الأمريكي؟ وماذا يتبقى للحكومة المصرية لإدارة اقتصادها إذا تخلت عن بنوكها؟ وأين إذن المشروعات الاستراتيجية التى كانت الحكومة المصرية قد أعلنت انها لن تتخلى عنها أبداً فى بداية برنامج الخصخصة؟ وفوق كل ذلك فأين الشعب المصرى ومؤسساته الدستورية من هذا كله؟ أهو آخر من يعلم؟ مطلوب من الحكومة أن ترد وتوضح. خاصة أن كل ما أعلنت عنه من حصيلة لعملية الخصخصة المشئومة يتراوح ما بين 16 إلى 18 مليار جنيه وهو فى جميع الأحوال حوالى 5.2% فقط من الدين العام المخيف الذى أورثتنا إياه الحكومة!! وبمضى قطار الخصخصة فى الزحف ايضا على الخدمات الاجتماعية!!
- ويزيد الطين بلة وقائع عدم الشفافية والتعتيم التى تعترى عمليات البيع المتسارعة للمؤسسات الاستراتيجية، وآخرها البنك المصرى - الأمريكى الذى تم بيعه لبنك كاليون، ثم عمر أفندى حالياً والتى ثارت الشكوك القوية بطرحه بأقل من نصف قيمته، ويدخل فى المسألة اشتراك وزراء حاليين من رجال الاعمال فى عمليات الشراء، الأمر الذى يطرح بشدة مسألة الضوابط المطلوب توافرها فى هؤلاء إذا تم اختيارهم لمنصب وزارى حيث ينص الدستور بوضوح على عدم جواز الجمع بين العمل الحكومى والعمل التجاري، ومازالت الحكومة مطالبة وبسرعة بإبراز تلك الضوابط المعمول بها حتى فى الولايات المتحدة والتى تقضى بتخليهم عن أعمالهم الخاصة وبيع الأسهم التى يمتلكونها وليس التحايل الصورى بتفويض أقارب أو أعوان لهم للإدارة.
ثالثاً: السياسة العربية والخارجية غائبة
جاء بيان الحكومة - فى جانبه الخاص بالسياسة العربية والخارجية خالياً تقريباً مما يمكن الاشارة إليه، إذ لم يتضمن على سبيل الحصر تقريباً سوى عبارات عامة عن مساندة الشعب الفلسطينى (خاصة بعد الانسحاب من غزة)، وتحقيق التكامل مع السودان، وتشجيع الحوار الوطنى فى العراق والمساعدة فى اعادة الاعمار، ثم تفعيل اتفاقيات التجارة الحرة مع جميع دول العالم!!
ولا حاجة للقول إن هذه الأقوال العامة المرسلة تتجاهل جميع حقائق الوضع العربى المخيف، وتتحاشى الإشارة للاحتلال الإسرائيلى فى فلسطين، والأمريكى فى العراق، وكل الممارسات التى يقومان بها، وعدم وجود أى عملية سلمية حقيقية فى الشرق الأوسط، ويتجاهل كذلك الضغوط الكبيرة للتدخل الغربى فى السودان بكل ما يشكله ذلك من أخطار على مصر.
أما رؤية العالم الخارجى فقط من خلال اتفاقيات تجارة حرة نحن فى الأغلب غير مستعدين لها بحكم أوضاعنا الاقتصادية المتردية، فهى رؤية لا تحتاج إلى تعليق، وهى تتجاهل ببساطة كل القضايا الرئيسية فى عالمنا اليوم، بما فى ذلك نضال بلدان الجنوب إجمالاً من أجل صياغة جديدة للعلاقات الاقتصادية الدولية، وإنهاء عالم القطب الواحد.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة