فى ميدان الحجاز بمصر الجديدة .. وعلى ناصية شارعنا ..
شارع فريد سميكة - يستقبلك هذا المبنى الشامخ بطوابقه
الخمسة والعامر بالبضائع والمتلألئ بالأضواء ليخطف انتباهك
مهما كنت بعيدا عنه .. وكأن اختيار هذا الموقع لمتجر عمر
أفندى له دلالة قوية أن العين لا تخطئه وسط زحام البنايات
المجاورة .. ولهذا أشعر بالزهو أن بيتى الذى أسكنه فى نفس
الشارع، وعلى بعد عدة أمتار من عمر أفندى هذا الصرح
التجارى العتيد الذى عاصرته أجيال من الأجداد والآباء
عندما كان فى بداياته قبل الثورة يحمل اسم أورزدى باك ثم
تحول الاسم بعد التأميم إلى عمر أفندى ليصبح مقصدا للطبقة
الوسطى فى شراء مستلزماتها المنزلية بأسعار معقولة لا تعرف
المغالاة أو الغش والخداع.
وبين حين وآخر تأخذنى قدماى لزيارة جارنا عمر أفندى لشراء
شيء أو للفرجة على المعروضات الجديدة .. وفى آخر زيارة منذ
أسابيع قليلة أحسست أن هناك سحابة من الحزن والترقب تسود
طوابق المبنى .. وقد جلس موظفو البيع وراء الكونترات وهم
يضعون أيديهم على خدودهم وكأنهم فى انتظار شيء يكسر هذا
الصمت الذى يلف المكان .. صحيح وصول زبائن للشراء يخلق جوا
من الحركة والحياة .. ولكن ارتفاع تكاليف الحياة اليومية
جعل الشراء للضرورة القصوى فقط .. وفى أضيق الحدود .. وضرب
الكساد كل فروع المحلات والمؤسسات التجارية ..
ولكن حزن وقلق موظفى وعمال عمر أفندى له سبب آخر .. أقوى
وأكثر إيلاما ..
إن هذا الصرح التجارى معروض حاليا للبيع .. ضمن خطة للتخلص
من مؤسسات القطاع العام..
قال لى أحد هؤلاء الموظفين .. إنه بعد أيام سيجد نفسه فى
الشارع مطرودا من العمل وهو الذى ظل يخدم هذا المكان أكثر
من عشرين عاما .. صحيح سيقبض قيمة المعاش المبكر .. ولكن
ماذا سيفعل به لضمان حياته هو وأسرته فى مستقبل الأيام ..
عاطلا بلا عمل..
ضحك زميله البائع وهو يستخلص الأسلوب المصرى فى السخرية من
المصائب ليقول معلقا .. سأشترى عربة يد لأبيع سندوتشات
الكبدة للعابرين فى الطريق .. وسأختار أن أضع عربة
السندويتشات أمام عمر أفندى بعد أن يشتريه المالك الجديد
.. لأنه من الصعب عليه أن يفارق هذا المكان الذى عاصره
صيفا وشتاء على مر الأيام والسنين! وأنهى جملته وهو يضحك
ضحكة كالبكاء.
لم يكن هذا البائع مجرد حالة خاصة ..
ولم يكن هذا الفرع من عمر أفندى مجرد حالة خاصة ..
إنما هى حالة عامة أصابت أكثر من ستة آلاف عامل وموظف
بشركة عمر أفندى .. وأصابت 82 فرعا من عمر أفندى موزعة على
مدن ومراكز مصر .. فيما تعد إحدى كبريات شركات التجارة
الداخلية فى مصر .. بل وفى الشرق الأوسط!
ولكن هذا هو حال قطار الخصخصة .. الذى يندفع بقوة ليكتسح
كل ما أمامه فى سبيل الحصول على بضعة ملايين من الجنيهات
.. من أجل ماذا؟! لا أحد يعرف بالضبط إلى أين تذهب حصيلة
الخصخصة؟!
يقولون إنها تذهب للإنفاق على مشروعات جديدة! ولكن هل يعنى
إنشاء مشروع جديد هدم القديم؟!
ويقولون أيضا إن فلوس الخصخصة تذهب إلى خزانة الدولة
لتعويض العجز فى الميزانية!
ولكن هل يحق لنا أن نبيع الأصول من أجل تسديد خسائر سوء
التخطيط وسوء الإدارة وفساد الكبار وهروب بعضهم إلى الخارج
محملين بالمليارات من الدولارات من قوت الشعب المصري!! ومن
الذى يقبل هذه الحسبة؟!
وليست هناك إجابة شافية ومقنعة .. أين تذهب فلوس الخصخصة؟!
ولا أحد يدرى ما هى المحطة التالية التى سيكتسحها قطار
الخصخصة .. أو ما هى نهاية هذا الخط المنطلق بشراسة؟!
ولكن يبدو أن قيادات الحكم كلما وجدوا أنفسهم فى مأزق مادى
.. لا يجدون أمامهم إلا إطلاق صفارات قطار الخصخصة ..
والحيطة المايلة دائما هى مؤسسات وشركات القطاع العام ..
فهى أسهل فريسة يمكن اصطيادها وذبحها والتبرك بدمائها!
وأحدث فريسة هى شركة عمر أفندى بمنشآتها ومخازنها وفروعها
المنتشرة فى كل أنحاء مصر .. ومن هنا كان رد الفعل قويا
ومزلزلا .. ليس على مستوى الخبراء والعالمين ببواطن الأمور
.. ولكن أيضا على الطبقات المحدودة الدخل، والتى كان
ملجأها للتزود باحتياجاتها من هذه الفروع التجارية التى
تضمنها الدولة .. والتى احتفظت بعلامتها التجارية وسمعتها
على مدى العشرات من السنين .. من بداية إنشائها عام 1856
.. أى أنها قاربت على مائة وخمسين عاما وهى تؤدى خدماتها
للمستهلكين على أرض مصر .. وتم تجديدها أكثر من مرة ..
وأنفقت عليها مئات الملايين لتطويرها وإنشاء فروع جديدة
لها!
والمفارقة المذهلة التى تشغل بال الرأى العام .. والصحافة
.. والأجهزة الرقابية .. ومجلس الشعب ليست حول قرار البيع
.. ولكن حول قيمة صفقة البيع!
وآخر رقم وافق عليه وزير الاستثمار د. محمود محيى الدين هو
البيع بخمسمائة وأربعة ملايين وتسعمائة جنيه فقط لا غير!!
كل هذه البيعة التى تضم 82 فرعا على مستوى الجمهورية بجانب
ستة مخازن وأسطول نقل يتكون من 146 سيارة بضائع و55 سيارة
ركوب .. واسم تجارى له شهرة مدوية .. كل هذا ب 504 ملايين
جنيه .. يا بلاش!! وحلال على مستثمر سعودي!!
مع أن عرض هذه الصفقة للبيع .. سبق وأن تم أربع مرات من
قبل .. وبين كل مرة والأخرى ثلاث سنوات .. ففى عام 93 -
كما تقول مستندات الشركة - كان هناك تقييم لأصولها بقيمة
735 مليون جنيه .. ارتفع هذا الرقم فى عام 96 إلى مليار
و35 مليون جنيه .. وارتفع من جديد فى عام 99 إلى مليار
و187 مليون جنيه.
ولم تحسم هذه العروض للشراء بحجة أنها لم تحقق الشروط
الخاصة بالبيع..
وفى ديسمبر 2005 - قام المهندس هادى فهمى رئيس الشركة
القابضة للتجارة بتشكيل لجنة جديدة لتقييم أصول شركة عمر
أفندى .. ووصل رقم التقييم إلى مليار و139 مليون جنيه!
ولكن الغريب .. مما أثار التساؤلات والشكوك .. أن الحكومة
من خلال وزير الاستثمار وبعلم أكيد من رئيس الوزراء
الدكتور أحمد نظيف .. أتمت الموافقة على إلقاء صفقة عمر
أفندى فى حجر المستثمر السعودى بملبغ 504 ملايين جنيه!!
لماذا ترتفع الأسعار فى كل شيء .. وتنخفض فى هذه الصفقة
بالذات؟!
وكيف يمكن للحكومة أن تتنازل عن فرق سعر التقييم فى عام
99، وفى عام 2005 بمقدار نصف مليار جنيه دفعة واحدة؟!
أى منطق هذا .. وبأى حسابات تمت الموافقة..
وإذا كانت الحكومة معذورة إلى هذه الدرجة فى تدبير عجز
الموازنة العامة .. فهل من المقبول أن نضحى بفارق نصف
مليار جنيه ..
وهل حسابات الحكومة عندما تقبل هذا السعر المتدنى لسد
احتياج عاجل .. فهل تناست فى نفس الوقت أنها تضحى بأصول
مصرية لها سمعتها التجارية .. وتضحى باحتياجات محدودى
الدخل الذين تعودوا أن يلجأوا إلى هذه المحلات لرخص أسعار
بضائعها..
يبدو أن اسم محلات عمر أفندى هو السبب .. ولو كان الاسم
عمر باشا لتغير الوضع .. لأن أفندى معناه الفقر .. والباشا
معناه الثراء والسلطة .. والحكومة لا تحب أن تضايق
الأثرياء .. ولا تحاسب رجال السلطة..
ويبقى لمحدودى الدخل .. أن يشتروا بضائعهم من تجار الأرصفة
..
ويبقى لموظفى وعمال عمر أفندى أن يسرحوا بعربات سندوتشات
الكبدة!!.